لكن الفيلم، الذي يسلط الضوء على دور شحود في الوصول إلى المتهم والحصول على اعترافات منه، أثار بالتزامن مع عرضه انتقادات في أوساط سورية بشأن طريقة إدارة الأدلة المصورة، والتعامل مع عائلات الضحايا، وحدود المسؤولية المهنية والأخلاقية للباحثين الذين يمتلكون معلومات قد تساعد في كشف مصير المفقودين، خصوصًا في قضية أطفال الطبيبة السورية رانيا العباسي الستة.
ويحمل الفيلم عنوان “قتل آنا”، وعُرض على التلفزيون السويدي باسم “الاسم المستعار آنا”، وهو إنتاج بريطاني هولندي أخرجه سام بنستيد، وتبلغ مدته 76 دقيقة، بعدما سبق عرضه في مهرجانات سينمائية دولية خلال عام 2026، قبل وصوله إلى الجمهور السويدي في سبتمبر من العام نفسه.
من حساب افتراضي إلى اعترافات موثقة
يتتبع الفيلم رحلة الباحثة أنصار شحود، المقيمة في أمستردام والمتخصصة في دراسة عنف الدولة، في الوصول إلى أمجد يوسف، الذي كان يعمل ضمن أجهزة المخابرات العسكرية التابعة لنظام بشار الأسد، وظهر في تسجيلات مصورة توثق إعدام مدنيين في حي التضامن جنوب دمشق.
وبالتعاون مع الأكاديمي المتخصص في دراسات الإبادة الجماعية أوغور أوميت أونغور، عملت شحود على تحليل التسجيلات وتحديد هويات المشاركين في الجريمة، قبل أن تنشئ حسابًا افتراضيًا على فيسبوك باسم “آنا”، قدمت نفسها من خلاله بوصفها امرأة سورية مؤيدة للنظام السابق.
ومن خلال تلك الهوية، تمكنت من بناء علاقة اتصال طويلة مع يوسف، والحصول على معلومات واعترافات نُسبت إليه بشأن مشاركته في عمليات القتل، في عملية استقصائية اعتمدت على إخفاء الهوية وتوظيف أدوات التواصل الاجتماعي للوصول إلى المتهمين.
ويمنح الفيلم هذه العملية موقعًا مركزيًا في سرده، مستعرضًا المخاطر التي واجهتها الباحثة والأعباء النفسية المرتبطة بالتواصل مع أشخاص متهمين بارتكاب جرائم جسيمة، فضلًا عن الدور الذي يمكن أن تؤديه التحقيقات المستقلة في كشف الجرائم التي تسعى الأنظمة إلى إخفائها.
مجزرة كُشفت تفاصيلها بعد تسع سنوات
تعود القضية إلى 16 أبريل 2013، عندما نفذ عناصر من أجهزة النظام السوري السابق عمليات إعدام ميداني في حي التضامن جنوب دمشق، ووثق مرتكبوها جانبًا منها في تسجيلات مصورة أظهرت اقتياد مدنيين معصوبي الأعين إلى حفرة جماعية وإطلاق النار عليهم، قبل إحراق الجثث.
ولم تصل تفاصيل الجريمة إلى الجمهور الواسع إلا في 27 أبريل 2022، عندما نشرت صحيفة “الجارديان” البريطانية تحقيقًا استقصائيًا استند إلى التسجيلات المسربة وعمل الباحثين شحود وأونغور، وكشف هوية أمجد يوسف ودوره في المجزرة.
وأظهرت التسجيلات المنشورة إعدام ما لا يقل عن 41 شخصًا، فيما أشارت تحقيقات وتوثيقات أوسع إلى أن عدد الضحايا المرتبطين بمجازر التضامن بلغ نحو 288 شخصًا.
وفي 24 أبريل 2026، أعلنت وزارة الداخلية السورية القبض على أمجد يوسف خلال عملية أمنية في ريف حماة، بعد سقوط نظام بشار الأسد، مؤكدة أن القضية ستُحال إلى المسار القضائي لمحاسبة المتورطين في الجريمة.
انتقادات سورية تتجاوز الفيلم إلى إدارة الأدلة
رغم أهمية الدور الذي يعرضه الفيلم في كشف المجزرة، أثار العمل انتقادات لدى منصات وناشطين سوريين، من بينهم منصة “سيريا شيفت”، تمحورت حول طريقة تقديم التحقيق، وحفظ الأدلة والمقاطع المصورة، ومدى مشاركة المعلومات مع عائلات الضحايا والجهات المعنية بكشف مصير المفقودين.
كما طالت الانتقادات تركيز السرد الوثائقي على تجربة الباحثة وعملية اختراق المتهم، مقابل التساؤل عن المساحة المخصصة لضحايا الجريمة وعائلاتهم، وعن المسؤولية التي تترتب على امتلاك تسجيلات قد تحمل إجابات بشأن مصير أشخاص ما زالت أسرهم تبحث عنهم.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية خاصة في ضوء الجدل الذي سبق عرض الفيلم حول قضية أطفال الطبيبة رانيا العباسي، الذين اختفوا مع والديهم عام 2013، قبل أن تكشف التحقيقات السورية خلال مايو 2026 معلومات عن مصيرهم.
أطفال رانيا العباسي في قلب الجدل
من أبرز القضايا التي أثارتها الانتقادات موقف فريق التحقيق من المعلومات المتعلقة بأطفال الطبيبة رانيا العباسي الستة.
فبحسب رواية حسان العباسي، شقيق الطبيبة، تواصلت العائلة مع الباحثة أنصار شحود خلال رحلة البحث عن مصير الأطفال، وأرسلت صورهم للمقارنة مع أطفال ظهروا في تسجيلات مصورة، لكنها تلقت ردًا ينفي تطابق الصور مع الأطفال الذين ظهروا في المواد التي راجعها الفريق.
غير أن التطورات اللاحقة أعادت القضية إلى الواجهة، بعدما أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، في 30 مايو 2026، التوصل إلى نتائج موثوقة بشأن وفاة أطفال الطبيبة رانيا العباسي وزوجها عبد الرحمن ياسين، استنادًا إلى إجراءات تحقق وتحليل شملت مواد مصورة ومعلومات متقاطعة.
وأكدت الهيئة أن التحقيقات أسفرت عن مطابقة الصور المتداولة سابقًا لأحد الأطفال الضحايا، وأن العائلة أُبلغت بالنتائج قبل إعلانها للرأي العام.
وفي الوقت نفسه، أعلنت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الأولية أظهرت تورط أمجد يوسف في الجريمة، بعد حصولها على تسجيلات ومعلومات مرتبطة بالقضية.
وأفادت عائلة العباسي بأنها شاهدت مقاطع مصورة تعرفت فيها على الأطفال، بعدما ظلت تبحث عن مصيرهم لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، وهو ما أعاد طرح التساؤلات بشأن المعلومات التي كانت متاحة للباحثين في مراحل سابقة، وكيفية التعامل مع طلبات العائلة للحصول على إجابات.
واعتبرت الانتقادات التي أثارتها “سيريا شيفت” ومنصات سورية أخرى أن التباين بين الرد السابق الذي تلقته العائلة والنتائج التي أعلنتها الجهات السورية يستوجب توضيحًا بشأن طبيعة المواد التي راجعها فريق التحقيق، ومدى امتلاكه معلومات كان يمكن أن تساعد في تحديد مصير الأطفال.
شحود وأونغور ينفيان إخفاء الأدلة
في المقابل، نفى كل من أنصار شحود وأوغور أونغور، في بيان منسوب إليهما بتاريخ 31 مايو 2026، إخفاء معلومات أو أدلة تتعلق بمصير الضحايا، وأكدا أن الصور المتداولة لأطفال العباسي لا تطابق أيًا من الفيديوهات التي راجعها فريقهما.
وشددا على أن تحديد هويات الضحايا لم يكن ضمن صلاحيات الفريق أو قدرته، ورفضا الاتهامات الموجهة إليهما بشأن إخفاء معلومات عن العائلات.
ويكشف هذا الرد عن نقطة أساسية في الجدل، تتعلق بالتمييز بين التسجيلات التي كانت بحوزة فريق شحود وأونغور، وتلك التي حصلت عليها الجهات السورية لاحقًا، وما إذا كانت المواد المختلفة تتضمن المشاهد نفسها.
وفي توضيح رسمي صدر في 31 مايو 2026، أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين أنها تسلمت 29 مقطع فيديو في 12 مايو، عبر جهة حقوقية سورية، بعدما حصل عليها شخصان من محتويات حاسوب أمجد يوسف في التاسع من الشهر نفسه، مؤكدة عدم ارتباط أي شخص أو فريق آخر بعملية تسليم هذه المواد وفق المسار الذي أعلنته.
وتجعل هذه المعلومات من الضروري الفصل بين ما أثبتته التحقيقات بشأن مصير الأطفال، وبين الاتهامات المتعلقة بمعرفة الباحثين السابقة بهويتهم أو تعمد إخفاء أدلة عن عائلاتهم، وهي مسائل لا يمكن حسمها من مجرد التباين بين الروايات المنشورة دون تحديد التسجيلات التي اطلع عليها كل طرف وتوقيت وصولها إليه.
بين كشف الجرائم ومسؤولية التعامل مع الضحايا
يتجاوز الجدل حول “الاسم المستعار آنا” تقييم الفيلم بوصفه عملًا وثائقيًا، ليطرح أسئلة مهنية وأخلاقية تتصل بالصحافة الاستقصائية والبحث في جرائم الحرب.
فالتسجيلات التي توثق الجرائم ليست مجرد مادة صحفية أو وسيلة لبناء سرد سينمائي، بل قد تكون أدلة قضائية ومصدرًا للمعلومات التي تنتظرها عائلات المفقودين منذ سنوات.
ومن هنا، تبرز أهمية وضع إجراءات واضحة لحفظ المواد الأصلية وتوثيق مصدرها وسلسلة انتقالها، والتعامل مع المعلومات المتعلقة بهويات الضحايا، وإحالة الأدلة إلى الجهات المختصة، مع مراعاة حقوق العائلات في المعرفة وخصوصيتها وكرامتها.
كما يطرح الفيلم سؤالًا يتعلق بموقع الضحية في الأعمال الوثائقية التي تتناول الجرائم الجماعية، ومدى التوازن بين تقديم تجربة الباحث أو الصحفي الذي كشف الجريمة، وإتاحة مساحة كافية لأصحاب القضية أنفسهم ولمن لا تزال آثار الجريمة تحدد حياتهم.

