كان الصحفي محمد اليوسفي على بعد خطوات من استوديو إذاعة “إكسبرس إف إم” في تونس العاصمة، مساء الجمعة 4 سبتمبر 2026، حين أوقفته الشرطة قبل مشاركته في برنامج يناقش ملف السياسات المائية في البلاد.
نُقل رئيس تحرير موقع “الكتيبة” الاستقصائي إلى الفرقة المركزية الثالثة للبحث في الجرائم المالية المتشعبة للحرس الوطني في العوينة، قبل أن يأذن قاضي التحقيق في القطب القضائي الاقتصادي والمالي بالاحتفاظ به على ذمة تحقيق يتعلق بشبهتي “الإثراء غير المشروع” و”غسل الأموال”.
وفي أثناء احتجازه، تعرض اليوسفي لوعكة صحية طارئة استوجبت نقله إلى المستشفى، حيث خضع لجراحة عاجلة في الزائدة الدودية، بحسب النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، التي طالبت بالإفراج عنه وضمان الرعاية الطبية الملائمة له.
القضية لا تسمح حتى الآن بحكم على براءة اليوسفي أو إدانته، ولا تتوافر معلومات علنية مفصلة عن المعاملات المالية التي تستند إليها التهمتان، لكنّها تطرح سؤالاً يتجاوز مصير صحفي واحد: ماذا يعني أن يُلاحق رئيس تحرير منصة استقصائية تعتمد جزئياً على المنح الأجنبية بتهم مالية ثقيلة، في بلد تتعرض فيه منظمات مستقلة منذ سنوات لتحقيقات وقيود مرتبطة بمصادر تمويلها؟
هذا السؤال لا يفترض أن التمويل الأجنبي هو سبب توقيف اليوسفي، فذلك لم تثبته معلومات منشورة حتى الآن، لكنه يفحص الأثر الذي يمكن أن تتركه القضية في غرف الأخبار ومؤسسات التمويل، خصوصاً حين تتحول المنحة من وسيلة معلنة لإنتاج الصحافة إلى مصدر دائم للاشتباه.
“الكتيبة”.. نموذج تمويل معلن
تأسس موقع “الكتيبة” عام 2020 على يد الصحفي وليد مجري، الذي يتولى إدارته، بينما يشغل اليوسفي منصب رئيس التحرير ويشرف على اختيار الموضوعات ومعايير البحث والتحقق.
ويعرّف الموقع نفسه بأنه منصة مستقلة متخصصة في صحافة الجودة، تقوم تجربتها على التحقيقات وصحافة البيانات والسرديات المعمقة والمواد التفسيرية، وقد انضم في ديسمبر 2021 إلى الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية.
وبحسب تقرير نشرته الشبكة عام 2022، اعتمد نموذج تمويل “الكتيبة” على ثلاثة مسارات: منح من مؤسسات إقليمية ودولية، وشراكات تخفض تكاليف الإنتاج، وإيرادات ذاتية ناتجة من خدمات تقنية ومهنية مثل تأجير الاستوديو وتطوير المواقع وتقديم الاستشارات.
وذكر التقرير أن الجهات الداعمة شملت الوقف الأوروبي للديمقراطية، والصندوق الوطني الأمريكي للديمقراطية، والمعهد العربي لحقوق الإنسان، وأن الإيرادات الذاتية مثّلت نحو 30% من موارد المنصة، بينما بلغت ميزانيتها نحو 150 ألف دولار عام 2021، وارتفعت إلى نحو 200 ألف دولار عام 2022.
هذه الأرقام قديمة ولا تمثل بالضرورة الوضع المالي للموقع عام 2026، كما أنها لا تكشف شيئاً عن الوقائع محل التحقيق الحالي، لكنها توضح أن اعتماد “الكتيبة” على المنح لم يكن سراً أو معلومة مستخرجة من تسريب، بل جزءاً معروفاً من نموذج عملها المعلن.
التمويل الأجنبي ليس جريمة في ذاته
ينظم المرسوم عدد 88 لسنة 2011 عمل الجمعيات في تونس، ويُعد من أبرز التشريعات التي وسعت مساحة عمل المجتمع المدني بعد الثورة.
وينص الفصل 34 على أن موارد الجمعية يمكن أن تشمل “التبرعات والهبات والوصايا، وطنية كانت أو أجنبية”، بينما يحظر الفصل 35 قبول الأموال الصادرة عن دول لا تربطها بتونس علاقات دبلوماسية، أو عن منظمات تدافع عن مصالح تلك الدول وسياساتها.
ويفرض الفصل 41 على الجمعية نشر مصدر التمويل الأجنبي وقيمته وموضوعه، وإبلاغ الكاتب العام للحكومة به خلال شهر من قرار طلبه أو قبوله.
لا يمنح ذلك الجمعيات حصانة من المحاسبة، ولا يمنع السلطات من التحقيق في شبهات مالية محددة، لكنه يعني أن التمويل الأجنبي المشروع والمعلن ليس جريمة بمجرد وروده من الخارج.
ولا تتوافر معلومات مؤكدة تسمح بالحكم على مدى التزام الجهة التي تدير “الكتيبة” بجميع واجباتها المحاسبية والإجرائية، كما لم تعلن السلطات حتى الآن تفاصيل المبالغ أو التحويلات أو التصرفات التي تستند إليها شبهتا الإثراء غير المشروع وغسل الأموال.
لذلك لا يمكن الجزم بأن القضية تستهدف تمويل الموقع، كما لا يمكن التعامل مع مجرد إعلان الجهات المانحة بوصفه دليلاً كافياً على سلامة جميع المعاملات، لكن غياب التفاصيل لا يلغي أثر الاتهام في قطاع يعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي متزايد.
حين يلتقي التحقيق المالي بالخط التحريري
ما يمنح القضية بعداً صحفياً مباشراً هو ما أعلنته نقابة الصحفيين، نقلاً عن الطاقم القانوني لليوسفي، من أن البحث التحقيقي فُتح على خلفية منشورات على “فيسبوك”، وأن الأسئلة التي وُجهت إليه تناولت عمله الصحفي وطبيعة الخط التحريري لموقع “الكتيبة”.
وإذا صحّت هذه المعطيات، يصبح الفصل بين الملف المالي والنشاط الصحفي أقل وضوحاً، لأن التحقيق لم يقتصر، وفق رواية النقابة، على حسابات وتحويلات ووثائق مالية، بل امتد إلى المحتوى والمواقف التحريرية.
ولا تأتي القضية في فراغ، فقد وثقت هيومن رايتس ووتش فتح تحقيقات مالية وجنائية ضد عدد من منظمات المجتمع المدني والمنصات المستقلة، بينها “نواة” و”البوصلة القانونية” ومنظمتا “أنا يقظ” و”مراقبون” والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال.
كما رصدت المنظمة تعليق نشاط 20 جمعية على الأقل، بينها مؤسسات تعمل في الإعلام وحقوق الإنسان ومراقبة الانتخابات، وقالت إن اتساع هذه الإجراءات يثير مخاوف جدية من استخدام التحقيقات المالية لترهيب المجتمع المدني وتعطيل عمله.
وفي مايو 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن المحاكم أصدرت خلال عام واحد أوامر بتعليق نشاط 25 منظمة على الأقل، وإن أمين مال المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية استُدعي مرتين أمام الوحدة الوطنية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة، ضمن تحقيق تناول أنشطة المنتدى ومصادر تمويله وإدارته المالية.
هذه الوقائع لا تثبت وحدها وجود قرار سياسي باستهداف اليوسفي، لكنها تجعل قراءة قضيته بوصفها ملفاً فردياً معزولاً قراءة ناقصة.
موقف سياسي قديم من المال الخارجي
يتعزز القلق بسبب موقف معلن سبق أن عبّر عنه الرئيس قيس سعيّد تجاه تمويل منظمات المجتمع المدني.
ففي فبراير 2022، قال سعيّد إن الجمعيات غير الحكومية يجب منعها من الحصول على التمويل الخارجي، وإن السلطات ستعمل على ذلك، مبرراً موقفه بالرغبة في منع التدخل الأجنبي.
لم يتحول ذلك التصريح إلى حظر شامل في القانون النافذ، وما يزال المرسوم 88 يجيز التمويل الأجنبي وفق شروط محددة، لكن الموقف السياسي المعلن يفسر جانباً من المخاوف التي تحيط بالتحقيقات المالية المتلاحقة، ويجعل كل قضية جديدة قابلة لأن تُقرأ داخل صراع أوسع على استقلال المجتمع المدني والإعلام.
لماذا تكون التهمة المالية أكثر ترهيباً؟
تختلف الملاحقة المالية في أثرها عن الملاحقة المباشرة بسبب مقال أو تصريح، فاتهامات مثل غسل الأموال والإثراء غير المشروع لا تستهدف المحتوى وحده، بل تضرب السمعة المهنية، وتدفع البنوك والمانحين والشركاء إلى مراجعة علاقتهم بالمؤسسة، وقد تجمد الحسابات أو تعطل المشروعات قبل صدور أي حكم.
ومن هنا قد يتحقق الأثر الردعي من دون حاجة إلى إدانة نهائية، إذ يكفي أن تصبح المنحة مخاطرة قانونية، وأن يتحول كل تحويل مصرفي إلى احتمال لتحقيق طويل، حتى تعيد غرف الأخبار حساباتها وتتراجع مؤسسات التمويل أو تفرض إجراءات أكثر تعقيداً على شركائها.
وهذا الأثر لا يصيب المؤسسات الكبرى وحدها، بل يهدد بصورة أشد المنصات الصغيرة التي لا تملك عائدات إعلانية كافية، وتعتمد على المنح لإنتاج تحقيقات طويلة ومكلفة في ملفات لا تجذب السوق التجارية.
المساءلة أم التخويف؟
التمويل الأجنبي ليس فوق المساءلة، ومن حق الدولة والجمهور معرفة مصادر المال والغرض منه، والتحقق من عدم تحوله إلى وسيلة للتأثير في القرار التحريري أو تمويل نشاط غير مشروع.
لكن الفاصل بين المساءلة والتخويف تحدده طريقة تطبيق القانون: هل تُعرض وقائع مالية محددة؟ هل تُطبق المعايير نفسها على المؤسسات الموالية والناقدة؟ هل تحترم الإجراءات القانونية وقرينة البراءة وحق الدفاع؟ وهل يبقى التحقيق في حدود المال، أم ينتقل إلى سؤال الصحفي عن منشوراته وخطه التحريري؟
في قضية محمد اليوسفي، توجد حتى الآن تهم قضائية معلنة، لكن لا توجد رواية رسمية تفصيلية تشرح أساسها المالي، وفي المقابل تقول نقابة الصحفيين إن التحقيق تناول عمله ومواقفه التحريرية.
لا يكفي ذلك للجزم بأن القضية صُممت لمعاقبة الصحافة المستقلة، لكنه يكفي للقول إن أثرها تجاوز اليوسفي بالفعل، فحين تصبح المنحة المعلنة قرينة محتملة على الاشتباه، لا يعود الخوف محصوراً في صحفي أُوقف عند باب إذاعة، بل ينتقل إلى كل غرفة أخبار تتساءل إن كان المال الذي يضمن استمرارها قد يصبح هو نفسه المدخل إلى ملاحقتها.

