القمع التونسي يطارد الصحافة الدولية

القمع التونسي يطارد الصحافة الدولية ويضغط على "فرانس 24"

في الرابع والعشرين من يوليو/تموز 2026، استدعت وزارة الخارجية التونسية السفيرة الفرنسية آن جيجن، بتكليف من الرئيس قيس سعيّد، لتبلغها احتجاجًا “شديد اللهجة”. لم يكن الخلاف حول حدود أو تجارة، بل حول ما يُبثّ على شاشة: مقابلة أجرتها “فرانس 24” مع الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي.

حمّلت تونس الدولة الفرنسية “مسؤولية أخلاقية مؤكدة”، بحكم الطابع الرسمي للقناة، ووصفت المضمون بأنه “تحريضي” و”تدخّل غير مقبول في الشأن الداخلي”.

هل تستطيع تونس فرض قيود على الصحافة الدولية؟

خلف لغة البروتوكول سؤال أعمق: هل تستطيع دولة أن تُملي على صحافة دولية لا تخضع لقضائها ما تنشره؟

الأزمة ليست حادثًا معزولًا، بل الحلقة الأعلى صوتًا في مسار تضيّق فيه تونس على الإعلام الدولي منذ سنوات، من الميدان إلى الأثير.

مضايقات المراسلين الأجانب في تونس

فالمضايقة بدأت على الأرض قبل أن تصل إلى قصر الخارجية. ففي سبتمبر/أيلول 2025، مُنع مراسل “فرانس 24” نفسها من التصوير في حي حلق الوادي بتونس العاصمة، بحسب منظمة “مراسلون بلا حدود”.

ووثّقت المنظمة نمطًا ممنهجًا: مراسلون أجانب ينتظرون اعتمادهم الصحافي أكثر من ستة أشهر، وآخر بقي بلا تصريح إقامة أكثر من ثمانية أشهر، وتصاريح التصوير الشهرية “تزداد صعوبة”.

وتقول المنظمة، على لسان مدير مكتبها لشمال أفريقيا، أسامة بوعقيلة، إن السلطات “تعرقل عملهم دون أن تعترف بذلك رسميًا”.

الاعتماد الصحافي أداة للضغط

والحالات لها أسماء. فالصحافي دريس رجيشي، مراسل “لا كروا” و”لوموند”، احتُجز أثناء تغطيته الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ولا يزال حتى عام 2026 ينتظر اعتماده.

وحين يصير الاعتماد نفسه أداة عقاب، فالرسالة إلى الصحافة الأجنبية واضحة: التغطية مشروطة برضا السلطة.

الضغط على قناة “فرانس 24”

الاستدعاء الأخير ينقل هذا الضغط درجة أعلى. فبدل مضايقة مراسل في شارع، تطالب الدولة عاصمة أوروبية بضبط ما تبثّه قناة تموّلها.

وهنا مفارقة جوهرية: “فرانس 24” عمومية التمويل، لكنها مستقلة تحريريًا بنص القانون المنظّم لمجموعة “فرانس ميديا موند”؛ فباريس تموّل ولا تحرّر.

ومطالبتها بـ”مسؤولية أخلاقية” عن مضمون تحريري هي، في جوهرها، مطالبة بأن تتصرف رقيبًا على غرفة أخبارها، وهو ما لا يمنحه القانون الفرنسي لأي حكومة.

تراجع حرية الصحافة في تونس

ولا ينفصل هذا عن انهيار حرية الصحافة في الداخل. فقد تراجعت تونس إلى المرتبة 137 عالميًا في مؤشر “مراسلون بلا حدود” لعام 2026، هبوطًا من المرتبة 129 قبل عام.

وبنهاية عام 2025، كان ثلاثة صحافيين خلف القضبان، فيما يُستخدم “المرسوم 54” لتجريم النشر، وصدر حكم بالإعدام على ناشط بسبب منشورات على “فيسبوك”، قبل أن يناله عفو رئاسي.

وحين يُخرس المنبر المحلي، يصبح المنبر الأجنبي هو المتنفّس الباقي، ومن ثمّ الهدف التالي.

حق الرد وحدود الضغط على الإعلام

ويبقى أن يُقال إنصافًا إن استدعاء السفراء اعتراضًا على تغطية إعلامية ليس ممارسة تونسية خالصة، وإن للدولة حق الرد على ما تراه تضليلًا.

لكن الفارق أن الرد المشروع يكون ببيان أو بحق ردّ على الشاشة نفسها، لا بتحميل دولة أجنبية تبعة قرار تحريري، ولا باستدعاء يقترن بسجل من عرقلة المراسلين على الأرض.

وحتى ساعة كتابة هذه السطور، لم يصدر رد رسمي فرنسي معلن، وهو صمت يُرجّح أن يكون تمسّكًا بمبدأ استقلال الإعلام، لا تجاهلًا للأزمة.

القمع لا يمنع وصول الصحافة

تكشف الواقعة حدود ما تستطيع سلطة أن تفرضه. فهي تملك أن تؤخّر اعتمادًا، وأن تمنع تصويرًا، وأن تستدعي سفيرة، لكنها لا تملك أن تحرّر نشرة أخبار وراء البحر.

فالصحافة التي تُطارد في الميدان تجد طريقها إلى الأثير، والقمع الذي يعبر الحدود ليطاردها يُقرّ، بمطاردته إياها، بأنها لا تزال تُسمع.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي