وجدت مؤسسات إخبارية في برنامج تحقيق الدخل من المحتوى على فيسبوك مورداً مالياً مهماً، بعدما نجحت في تحويل المنشورات المصورة ومقاطع الفيديو القصيرة إلى مصدر للإيرادات يعتمد على حجم التفاعل والوصول، لكن القواعد التي فتحت هذا الباب للناشرين بدأت تتغير، فيما تعرضت صفحات في أسواق عدة لسحب مفاجئ لأهلية تحقيق الدخل.
وبحسب تحليل نشرته مدونة البحوث التابعة للرابطة الدولية لإعلام الأخبار، بدأت شركة “ميتا” تشدد تطبيق سياساتها على الصفحات المشاركة في برنامج تحقيق الدخل، ما أدى إلى اضطرابات طالت ناشرين في أكثر من سوق خلال منتصف العام.
سيمران كاشياب، نائب رئيس المنتجات في شركة “إيكوبوكس” المتخصصة في تقديم أدوات لإدارة توزيع المحتوى على المنصات الاجتماعية، قال إن بيانات من القطاع وإشارات وردت من مؤسسات إعلامية كبيرة تكشف عن موجة تتجاوز الأعطال التقنية الفردية أو الاختبارات المحدودة في سوق واحدة.
لماذا تسحب ميتا أهلية تحقيق الدخل؟
لا تقدم “ميتا”، بحسب تحليل سيمران، تفسيراً تفصيلياً للتعديلات التي تدخلها على أنظمة الرقابة الآلية، لكن مراجعة الحالات المتضررة كشفت عن 3 أنماط تشغيلية قد تقود إلى معاقبة الصفحات.
يتمثل النمط الأول في الوقوع داخل تصنيف “المحتوى غير الأصلي”، عندما تعتمد المؤسسة بكثافة على مواد معاد نشرها، أو محتوى موزع من جهات أخرى، أو قوالب بصرية متطابقة تستخدمها عبر صفحات متعددة، فقد تتعامل الأنظمة الآلية مع هذه المنشورات بوصفها محتوى مكرراً لا يحمل قدراً كافياً من الأصالة.
أما النمط الثاني فيرتبط بتشديد مرشحات المحتوى منخفض الجودة، إذ قد تُصنف المنشورات التي تتكرر فيها تركيبات النصوص والصور أو تعتمد على استدراج التفاعل بوصفها محتوى مزعجاً، حتى عندما تكون الصفحة تابعة لمؤسسة إخبارية وتنشر مواد صحفية.
ويظهر النمط الثالث عندما تُجري الصفحة تغييراً حاداً ومفاجئاً في معدل النشر، سواء بزيادة عدد المنشورات اليومية بسرعة سعياً إلى تعظيم الإيرادات، أو بخفض الإنتاج بصورة مفاجئة، إذ قد تقرأ أنظمة الامتثال هذا التذبذب باعتباره محاولة للتلاعب بخوارزمية المكافآت، ما قد يؤدي إلى تراجع ظهور الصفحة أو فقدانها أهلية تحقيق الدخل.
المشكلة هنا أن غرفة الأخبار قد لا تعرف بدقة أي منشور تسبب في العقوبة، أو ما الحد الذي تجاوزته، لأن عملية الإنفاذ تعتمد بدرجة كبيرة على أنظمة آلية، بينما تظل الإرشادات العامة المتعلقة بأصالة المحتوى فضفاضة وقابلة لتفسيرات متعددة.
3 استراتيجيات أمام غرف الأخبار
يقترح كاشياب سيمران أن تبدأ المؤسسات بمراجعة طريقة إنتاج المحتوى المخصص لفيسبوك، لا الاكتفاء بتعديل عدد المنشورات، وتتمثل الخطوة الأولى في تقليل الاعتماد على القوالب البصرية العامة والمتكررة، وإنتاج تصميمات أصلية تختلف من قصة إلى أخرى وتعكس الهوية التحريرية للمؤسسة.
ولا يعني ذلك تغيير الألوان أو مواضع العناوين فقط، بل التأكد من أن الصور والنصوص وطريقة عرض المادة تضيف قيمة تحريرية واضحة، وتساعد الأنظمة الآلية على تمييز المحتوى عن المواد المنسوخة أو المعاد تدويرها.
تتمثل الاستراتيجية الثانية في تحويل متابعة سياسات فيسبوك إلى مهمة مؤسسية منتظمة، عبر فحص لوحة المعلومات الاحترافية وصفحات الأهلية داخل أدوات “ميتا”، وتسجيل التحذيرات والتغييرات التي تسبق انخفاض الوصول أو فقدان الإيرادات.
ويمكن لهذا الرصد أن يساعد المؤسسة على اكتشاف الأنماط المتكررة، مثل نوع المنشورات التي تتلقى تحذيرات، والتغيرات الحادة في معدل النشر، والقوالب التي قد تعدها المنصة متشابهة، بدلاً من التعامل مع كل عقوبة باعتبارها حادثاً منفصلاً.
أما الاستراتيجية الثالثة، وهي الأبعد أثراً، فتقوم على تقليل اعتماد المؤسسة على فيسبوك بوصفه بوابة وحيدة للوصول والإيرادات، ونقل جزء من الجمهور إلى قنوات تستطيع غرفة الأخبار التحكم فيها بصورة أكبر.
ويضع التحليل قنوات واتساب في مقدمة البدائل القادرة على إيصال المحتوى مباشرة إلى المستخدمين بعيداً عن تقلبات صفحة الأخبار، إلى جانب النشرات البريدية التي تمنح المؤسسات اتصالاً مستمراً بجمهور اختار الاشتراك، وتوفر مساحة يمكن استثمارها في الإعلانات المباشرة أو الاشتراكات أو إحالة القراء إلى الموقع.
الجمهور الذي لا تملكه المؤسسة
لا تعني هذه الاستراتيجية الانسحاب من فيسبوك، فما تزال بعض الصيغ تحقق عائداً، وبحسب البيانات التي استند إليها المقال، تواصل المنشورات الأصلية التي تجمع بين الصورة والرابط تحقيق أداء مستقر نسبياً، كما تظل مقاطع الفيديو العمودية القصيرة مجدية للمؤسسات التي تمتلك استراتيجية إنتاج مخصصة لها.
لكن الأزمة تكشف هشاشة النموذج الذي يبني الإيرادات على منصة تستطيع تغيير شروط التوزيع والربح والظهور من دون أن يكون للناشر دور في صياغتها، فالصفحة قد تجمع ملايين المتابعين، لكنها لا تمنح المؤسسة علاقة مباشرة ومضمونة معهم.
لهذا، لا تقتصر الاستجابة المطلوبة على معرفة كيفية استعادة تحقيق الدخل، بل تشمل إعادة النظر في موقع المنصات الاجتماعية داخل نموذج العمل، بحيث تُستخدم لاكتساب الجمهور، ثم يُبنى معه اتصال مباشر عبر الموقع والتطبيق والنشرات البريدية وقنوات المراسلة.
وتقدم موجة سحب الأرباح في 2026 درساً جديداً لغرف الأخبار، خصوصاً المؤسسات الصغيرة التي قد تعتمد على عائد منصة واحدة، فالأصالة تقلل مخاطر العقوبات، والمتابعة المنتظمة تساعد على اكتشاف التغييرات، لكن الحماية الأهم تظل امتلاك المؤسسة طرقاً مستقلة للوصول إلى جمهورها، حتى لا يتحول أي قرار خوارزمي مفاجئ إلى أزمة تمويل كاملة.

