في الحادي والثلاثين من أغسطس 2026، نشر موقع “أساس ميديا” اللبناني تغريدة مقتضبة بصياغة ناعمة: “الزميل المؤسس لموقع أساس في إجازة طويلة” كانت العبارة من النوع الذي يُستخدم حين لا يُراد الإفصاح عما جرى؛ إعلان فراق بلغة المجاملة لكن صاحب “الإجازة” رفض أن تمر الرواية بهذا اللطف، فكتب نديم قطيش في اليوم نفسه على منصة “إكس”: “حقيقة الأمر أنني أبلغت إدارة موقع أساس ميديا، الذي أكنّ له كل الاحترام والتقدير، بقراري التوقف عن الكتابة” لم تكن إجازة إذاً، بل انسحاباً، ولم يكن الانسحاب بلا سبب.
السبب، كما أعلنه قطيش بنفسه، كان مقالاً واحداً نشر الموقع قبل أيام مادة موقعة باسم “أساس” تحت عنوان “غرفة تجارة أم غرفة تطبيع؟”، انتقدت زيارة وفد تجاري إماراتي إلى بيروت، وقرأتها باعتبارها “استثماراً سياسياً بغطاء استثماري” يجر لبنان إلى مسار التطبيع الاقتصادي الإماراتي مع إسرائيل واستندت المادة إلى أرقام، بينها بلوغ حجم التجارة الإماراتية الإسرائيلية 14 مليار دولار، وامتلاك شركة “مبادلة” الأبوظبية حصة قدرها 22 في المئة في حقل “تمار” الإسرائيلي للغاز.
رأى قطيش في المقال “إساءات مباشرة” إلى الإمارات، واعتبر ربط الزيارة التجارية بالتطبيع تعسفاً “بعيداً عن طبيعتها ووقائعها”، وينطوي على “تصفية حسابات إقليمية لا مصلحة فيها للبنان” ثم أضاف عبارة تختصر البنية الشخصية والسياسية للخلاف: “حق الصديق نهاد المشنوق في التعبير عن رأيه وموقفه محفوظ بالكامل”، منسوباً الموقف إلى مؤسس الموقع ووزير الداخلية اللبناني الأسبق، ومبقياً على الصداقة فوق الخلاف، لكن من دون أن يبقى هو في الموقع.
هنا تتجاوز الحادثة حدود الخلاف بين كاتب ومنبره، وتطرح سؤالاً أكثر دلالة: ما الذي يدفع صحفياً إلى مغادرة موقع كتب فيه سنوات، لا لأنه مُنع من التعبير، ولا لأن مقالاً له حُذف، بل لأن المنبر نفسه نشر نقداً لدولة بعينها؟ لقطيش، بطبيعة الحال، الحق في الانسحاب من أي مؤسسة لا يتفق مع خطها التحريري، لكن السبب الذي أعلنه يكشف أن نقد الإمارات لم يكن بالنسبة إليه رأياً آخر يمكن الرد عليه داخل المنبر، بل تجاوزاً يجعل استمرار الكتابة فيه غير ممكن والجواب عن هذه الحساسية موجود في مسار الرجل نفسه.
نديم قطيش، الإعلامي اللبناني المعروف بخصومته الحادة لحزب الله وإيران، انضم إلى “سكاي نيوز عربية” الإماراتية في صيف 2020 مقدماً برنامج “الليلة مع نديم”، قبل أن يتولى مطلع 2024 منصب المدير العام للشبكة ولم تدم تجربته الإدارية طويلاً؛ ففي ديسمبر 2025 أعلن مغادرته، واصفاً القرار بأنه جاء “من موقع القوة والنجاح”.
لكن تقارير صحفية ربطت خروجه بالجدل الذي أثارته مواقفه المؤيدة لإسرائيل وكتاباته في صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، وما عُدّ إضراراً بصورة القناة لدى قطاع من جمهورها العربي وتفاعل الإعلامي السعودي داود الشريان مع الأنباء المتداولة عن إبعاده، قائلاً إن إدارته “أضرت بتوازن القناة وثقة جمهورها” ومع ذلك، لم يصدر عن قطيش أو الشبكة تفسير رسمي تفصيلي يثبت أن هذه المواقف كانت السبب المباشر للمغادرة، ولذلك يبقى الأمر في نطاق التقارير الصحفية لا الحقيقة المحسومة لكن المفارقة تظل قائمة: الشبكة الإماراتية نفسها طوت صفحته الإدارية، بينما بقي هو بعد مغادرتها أكثر حساسية تجاه أي نقد يطاول الدولة التي تملكها.
وما الذي يدافع عنه قطيش بهذه الحرارة؟ سجله الخطابي لا يترك مساحة كبيرة للالتباس ففي مارس 2024، أطلق مقارنة أثارت غضباً واسعاً بين “مليون فلسطيني في غزة على أبواب المجاعة وسقف أحلامهم رغيف خبز” وبين استثمارات الذكاء الاصطناعي بمليارات الدولارات في أبوظبي والرياض، محملاً خيار مقاومة أهالي غزة مسؤولية ما أصابهم، ومقدماً “السلام” مع إسرائيل بوصفه الطريق الذي كان يمكن أن يجعلهم مثل دول الخليج.
لم يكن ذلك مجرد تأييد لاتفاق دبلوماسي، بل خطاباً يمنح التطبيع قيمة أخلاقية وتنموية، ويضع الفلسطيني المحاصر في موقع المسؤول عن المجاعة والدمار اللذين صنعتْهما الحرب الإسرائيلية وقطيش من أشد المتحمسين علناً لمسار “الاتفاقات الإبراهيمية” الذي بدأته الإمارات في سبتمبر/أيلول 2020، حين أصبحت أول دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.
والتطبيع ليس الملف الإماراتي الوحيد الذي يقف فيه قطيش في موقع المدافع ففي السودان، اتهمت منظمة العفو الدولية وتقارير منسوبة إلى فريق خبراء تابع للأمم المتحدة أبوظبي بتزويد قوات “الدعم السريع” بالسلاح في حرب خلّفت كارثة إنسانية، وهي اتهامات تنفيها الإمارات رسمياً وفي ملف الربيع العربي، وُصفت أبوظبي مراراً بأنها رأس حربة الثورة المضادة، كما قادت مع السعودية حصار قطر بين عامي 2017 و2021.
أما اليوم، فتتحدث تقارير متزايدة عن صراع بارد بين الرياض وأبوظبي على النفوذ في اليمن والسودان وعلى موازين القوة والاقتصاد داخل الخليج ويظل المشترك في هذه الملفات أن قطيش نادراً ما يُسمع ناقداً للسياسات الإماراتية، فيما يظهر صوته سريعاً وحاداً حين تكون أبوظبي موضع النقد.
وهنا تكتمل المفارقة صحفي غادر القناة الإماراتية وسط روايات متباينة عن أسباب خروجه، ثم عاد من مقعد الكاتب في منبر لبناني ليرسم خطاً أحمر حول نقد الدولة نفسها لم يعد قطيش موظفاً في مؤسسة إماراتية، لكن انتهاء الوظيفة لم يُنهِ موقعه السياسي في الدفاع عنها فالاصطفاف هنا يسبق المنصب، ويبقى بعد زواله.
تبقى تفصيلة تتردد على نطاق واسع بشأن حصول قطيش على الجنسية الإماراتية، لكن لا تتوافر معلومات مؤكدة تثبتها، ولذلك لا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة أو استخدامها دليلاً على موقفه وفي الواقع، لا يحتاج نقد موقفه إلى هذه الرواية أصلاً؛ فسجله العلني يكفي: خمس سنوات في شبكة إماراتية، وخطاب متواصل في الدفاع عن سياسات أبوظبي، ثم انسحاب من منبر لبناني لأن هذا المنبر تجرأ على نقد علاقتها الاقتصادية والسياسية بإسرائيل الجنسية، إن ثبتت، وثيقة قانونية، أما الانحياز السياسي فظاهر في الممارسة.
“هذا كل ما في الأمر”، ختم قطيش تغريدته لكن الأمر، حين يتحول نقد دولة إلى خط أحمر ينسحب عنده الكاتب من منبره، لا يبقى مجرد خلاف على مقال إنه سؤال عن حدود التعددية داخل الإعلام العربي، وعن الفارق بين الدفاع عن حرية الرأي وبين مطالبة المنابر بألا تنشر ما يزعج حلفاء الكاتب، وعن اللحظة التي يتحول فيها الصحفي من صاحب موقف إلى حارس غير معلن لصورة دولة وسياساتها.

