اتسعت دائرة المطالبات بالإفراج عن الصحفي التونسي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع “الكتيبة” المتخصص في الصحافة الاستقصائية، بعدما أوقفته قوات الأمن مساء الجمعة 4 سبتمبر 2026 أمام مقر إذاعة “إكسبرس أف أم” الخاصة، بينما كان يستعد للمشاركة في برنامج إذاعي عن سياسات المياه في تونس.
وطالب الاتحاد الدولي للصحفيين بالإفراج الفوري عن اليوسفي، فيما نددت منظمة “مراسلون بلا حدود” بتوقيفه، وعدّته “إشارة مقلقة للمهنة بأكملها”، داعية السلطات التونسية إلى ضمان حقوقه ومحاكمته محاكمة عادلة.
وبحسب نقابة الصحفيين التونسيين، اقتيد اليوسفي إلى مقر الفرقة المركزية الثالثة للبحث في الجرائم المالية المتشعبة التابعة للحرس الوطني في منطقة العوينة، قبل أن يأذن قاضي التحقيق في القطب القضائي الاقتصادي والمالي باحتجازه لمدة 48 ساعة.
ونقلت وكالة تونس أفريقيا للأنباء عن مصدر قضائي أن التحقيق يتعلق بشبهات “الإثراء غير المشروع” و”غسل الأموال”، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها حكم قضائي، كما لم تعلن السلطات حتى وقت إعداد الخبر تفاصيل الأدلة التي يستند إليها التحقيق.
أسئلة عن العمل الصحفي والخط التحريري
في المقابل، قالت نقابة الصحفيين إن التحقيق مع اليوسفي لم يقتصر على الاتهامات المالية المعلنة، بل تناول منشورات له على “فيسبوك”، إلى جانب عمله الصحفي وطبيعة الخط التحريري لموقع “الكتيبة”.
وربطت النقابة توقيفه بعمله الصحفي المستقل ومداخلاته الإعلامية الناقدة للسلطة، وقالت إن العملية سبقتها حملة تشهير وتحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، محذرة من تحويل هذه الحملات إلى مدخل للملاحقة الأمنية والقضائية.
وتكتسب طريقة التوقيف دلالة خاصة لدى الهياكل المهنية، إذ اعتقلت قوات الأمن اليوسفي أمام مقر الإذاعة، قبيل مشاركته في برنامج كان مقررًا أن يناقش خلاله كتابًا أصدره موقع “الكتيبة” عن السياسات المائية في تونس.
وقال الأمين العام للاتحاد الدولي للصحفيين أنطوني بيلانجيه إن توقيف اليوسفي “يندرج مباشرة ضمن السياسة القمعية في تونس التي تستهدف الصحفيين وتلاحقهم وتسجنهم”، معتبرًا أن عمله في “الكتيبة” ومداخلاته الناقدة للسلطة يقفان خلف استهدافه.
ولم تقدم السلطات التونسية ردًا تفصيليًا على اتهامات النقابة والمنظمات الدولية بوجود صلة بين التوقيف وعمل اليوسفي الصحفي، فيما سبق للرئيس قيس سعيّد أن أكد في مناسبات عدة أن الحريات مضمونة في تونس وأنه لا يسعى إلى إقامة حكم ديكتاتوري.
تضامن محلي وتحذير من المساس بالمصادر
داخليًا، طالبت نقابة الصحفيين بإطلاق سراح اليوسفي ووقف الملاحقات المتصلة بنشاطه المهني، مع ضمان حقه الكامل في الدفاع واحترام قرينة البراءة وشروط المحاكمة العادلة.
كما أدانت جمعية “تقاطع من أجل الحقوق والحريات” توقيفه، ورأت فيه مساسًا باستقلالية العمل الصحفي، بينما طالب مجلس الصحافة بالإفراج عنه وضمان حقوقه القانونية، علمًا بأن اليوسفي عضو في لجنة أخلاقيات المهنة التابعة للمجلس.
وحذّر مجلس الصحافة من استخدام إجراءات البحث والتحقيق للضغط على الصحفيين من أجل كشف مصادرهم أو تسليم بياناتهم المهنية، داعيًا إلى معالجة المخالفات الصحفية عبر آليات التنظيم المهني المستقل، مع احترام دور القضاء وتطبيق القانون.
بيئة إعلامية تتراجع
يأتي توقيف اليوسفي في سياق متصاعد من الملاحقات القضائية والأمنية للصحفيين والمعلقين منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في يوليو 2021.
وفي أحدث نسخة من مؤشر حرية الصحافة العالمي، الصادرة عام 2026، تراجعت تونس إلى المرتبة 137 من أصل 180 دولة، مقابل المرتبة 129 في مؤشر عام 2025، فيما تقول “مراسلون بلا حدود” إن توقيف الصحفيين ومحاكمتهم بسبب عملهم أصبحا من المظاهر المتكررة في البلاد.
ويقف المرسوم عدد 54 لسنة 2022، المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، في قلب الانتقادات الموجهة إلى البيئة القانونية للصحافة التونسية، إذ يفرض عقوبات تصل إلى خمس سنوات سجنًا وغرامة قدرها 50 ألف دينار على نشر ما تصفه السلطات بـ”الأخبار الزائفة والإشاعات” عبر الإنترنت، مع مضاعفة العقوبة في بعض الحالات المرتبطة بالموظفين العموميين.
وتطالب المنظمات المعنية بحرية الصحافة بإخضاع القضايا المتصلة بالنشر والعمل الصحفي للمرسوم عدد 115 لسنة 2011 المنظم للصحافة، لما يتضمنه من ضمانات مهنية، بدل اللجوء إلى المرسوم 54 أو قوانين الاتصالات والقوانين الجزائية.
ورغم أن التحقيق المعلن مع اليوسفي يتعلق بشبهات مالية، فإن أسئلة المحققين عن عمله وخط “الكتيبة” التحريري، وفق رواية النقابة، وضعت القضية داخل النقاش الأوسع بشأن استخدام مسارات قانونية متعددة في ملاحقة الصحفيين.
“سجن مؤجل” يسبق الزنزانة
قبل توقيف اليوسفي بيوم واحد، نشرت لجنة حماية الصحفيين تقريرًا وثّقت فيه وجود ثلاثة صحفيين خلف القضبان في تونس هم زياد الهاني ومراد الزغيدي وبرهان بسيّس، إلى جانب أربعة صحفيين ومعلقين صدرت ضدهم أحكام بالسجن لكنهم ظلوا خارج الزنازين وتحت تهديد الاعتقال، فضلًا عن صحفيين اثنين في المنفى يتعذر عليهما العودة من دون المخاطرة بالسجن.
ويشمل هذا المشهد الصحفيين حمزة البلومي وإنصاف بوضغيري وغسان بن خليفة وسنية الدهماني، الذين بقوا خارج السجن رغم الأحكام أو الملاحقات، إلى جانب هيثم المكي وخولة بوكريم اللذين غادرا تونس وأصبحت العودة إليها مرتبطة باحتمال تنفيذ أحكام بالسجن.
ووصف نقيب الصحفيين زياد دبّار هذه الحالة بأنها “سجن مؤجل”، إذ يبقى الصحفي خارج الزنزانة، لكن احتمال فقدان حريته يتحول إلى جزء من حياته اليومية وخياراته المهنية، محذرًا من أن الخطر لا يقتصر على وجود الصحفيين في السجن، بل يمتد إلى حضور السجن في أذهانهم قبل أن يكتبوا.
وبين رواية قضائية تقدم ملف اليوسفي بوصفه تحقيقًا في شبهات مالية، ورواية نقابية تربطه مباشرة بعمله الصحفي، تبقى شفافية الإجراءات وضمان حق الدفاع وحماية المصادر والبيانات المهنية هي الاختبار الأساسي لمسار القضية.

