حين تفتح قناة إخبارية ملف نظام غذائي تحيط به تحذيرات طبية، فإن استضافة أطباء لتفنيده خطوة ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان سلامة المعالجة، فالعنوان وترتيب المقاطع وإدارة الحوار والعبارات المكتوبة على الشاشة، كلها تسهم في تحديد الرسالة التي تصل إلى الجمهور.
من هذه الزاوية تستحق معالجة “صباح العربية” لأفكار الطبيب الراحل ضياء العوضي ونظامه المسمّى “الطيبات” مراجعة نقدية، فالمشكلة، وفق تفاصيل الرصد، ليست غياب الرد الطبي، إذ فنّد الضيوف النظام، وإنما القالب الذي أحاط بهذه الردود: مقاطع متكررة لصاحب الادعاءات، ومساحة للدفاع عنها، وعنوان يضعها “بين الفوائد والمخاطر”، بما يمنح الجدل موقعًا مركزيًا في فقرة يفترض أن تتقدم فيها أولوية التوعية الصحية.
لماذا العودة، وبأي سؤال؟
في 3 مايو 2026، أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر قرارًا يلزم الوسائل والمنصات الخاضعة للقانون 180 لسنة 2018 بعدم نشر أو بث أو إعادة تداول المواد المسجلة لضياء العوضي، وقال المجلس إن القرار جاء عقب مخاطبات من وزارة الصحة ونقابة الأطباء بشأن محتوى يضر بالصحة العامة ويهدد حياة المواطنين.
لا يجعل هذا القرار الموضوع مغلقًا أمام الصحافة، ولا يغني عن فحص الادعاءات نفسها، فاستمرار تداول هذه الأفكار قد يكون سببًا كافيًا للعودة إليها، حتى بعد وفاة صاحبها، كما أن القرار يحدد الجهات المشمولة به، ولا يكفي وحده للحكم على التزام قناة بعينها خارج مصر بأحكامه.
لكن العودة تحتاج إلى سؤال تحريري واضح: هل الغرض تتبّع استمرار انتشار هذه الأفكار؟ أم توثيق أثرها على المرضى؟ أم شرح أسباب انجذاب الجمهور إليها؟ أم مساعدة المشاهد على التمييز بين النصيحة الطبية والادعاء غير المدعوم؟
أما تحويل الملف إلى “محاكمة” ممتدة، تتجدد فيها المواجهة بين الأطباء والمؤيدين، فيثير سؤالًا عن مقدار ما تضيفه هذه الصيغة إلى معرفة الجمهور، ومقدار ما تستثمره في جاذبية الاسم والخصومة.
وتسمح هذه الاختيارات بقراءة المعالجة بوصفها استثمارًا في “ترند العوضي” لجذب المشاهدات، لكن إثبات هذا الهدف يحتاج إلى معلومات عن قرار الإعداد لا تتوافر في المادة المرصودة، أما ما يمكن نقده مباشرة فهو منح المواجهة حضورًا قد يطغى على الغرض التوعوي للفقرة.
صاحب الادعاء يتقدم على تفنيده
وفق الرصد، افتُتحت محاور في حلقة 27 سبتمبر بمقاطع للعوضي، قبل الانتقال إلى ردود الأطباء، وهنا لا تقتصر المسألة على تعريف الجمهور بما قاله صاحب النظام، بل تشمل الطريقة التي يُقدَّم بها كلامه وحجم حضوره داخل الفقرة.
عرض المقطع الأصلي قد يكون ضروريًا لتوثيق ادعاء محدد، لكنه يحتاج إلى تمهيد واضح يبيّن موضع الخلل، وإلى الاقتصار على الجزء اللازم للفهم، أما تكرار العودة إلى صاحب الادعاء فيمنحه دورًا في قيادة الحوار، إذ تحدد مقاطعه موضوع الجولة التالية، فيما ينشغل الأطباء بالرد على ما اختاره الإعداد من أقواله.
وتزداد المشكلة حين تنقل الشاشة قاعدة من قواعد النظام بصياغة تقريرية، مثل “نظام الطيبات يضع البقوليات ضمن قائمة الممنوعات”، من دون أن يصاحبها توضيح لمدى استناد هذا المنع إلى دليل علمي، فالعبارة تصف موقف النظام، لكنها قد تصل منفردة إلى مشاهد عابر لا يسمع الحوار كاملًا.
المعيار هنا هو إبقاء التصحيح ملازمًا للادعاء، وألا تصبح أقوال صاحب النظام أوضح عناصر الفقرة وأكثرها قابلية للتداول منفصلة عن تفنيدها.
من عرض الادعاء إلى صناعة طرف مقابل
يبرز الإشكال نفسه في الشريط الذي وصف ظهور أحد المؤيدين بعبارة “يوضح إمكانية تطبيقه في مختلف المراحل العمرية”.
فعل “يوضح” يوحي بأن المتحدث يشرح معرفة مستقرة، بينما كان، بحسب الرصد، يطرح ادعاءات صحية تستلزم الفحص، وكان يمكن استخدام صياغة أدق مثل “مؤيد للنظام يقول بإمكانية تطبيقه في مختلف المراحل العمرية”، مع مطالبته بتقديم الأدلة التي يستند إليها.
واستضافة مؤيد للنظام ليست خطأً في ذاتها، فقد تخدم مساءلته أو تفسير أسباب اقتناعه، لكن وضعه في مناظرة مع الأطباء لا ينبغي أن يمنحه تلقائيًا وزنًا علميًا مساويًا لهم، فعدالة الحوار تُقاس بفحص الأدلة، لا بمجرد إتاحة طرف يدافع وآخر يعارض.
هنا يظهر خطر “التوازن الزائف”، حين توحي بنية النقاش بوجود خلاف علمي متكافئ، بينما لا يقدم أطرافه أدلة متكافئة، وتصبح مهمة الأطباء الرد المتكرر على قناعات شخصية تُعرض كما لو كانت بديلًا معرفيًا.
وعندما تتكرر الاعتراضات دفاعًا عن النظام، يصبح السؤال عن إدارة الحوار مشروعًا: هل تستخرج هذه الاعتراضات إجابة أوضح من الطبيب، أم تعيد فتح الادعاء بعد تفنيده من دون تقديم دليل جديد؟
عنوان يسبق نتيجة الفحص
يحمل المقطع المنشور عنوان “بين الفوائد والمخاطر.. ماذا يقول المختصون عن نظام الطيبات؟”، وهي صياغة تضع “الفوائد” ضمن الإطار الذي يدخل منه الجمهور إلى الموضوع، قبل أن يعرف ما إذا كانت هناك فوائد مثبتة للنظام أصلًا.
لا يثبت العنوان وحده أن القناة تتبنى النظام، لكنه يثير سؤالًا تحريريًا محددًا: ما الأدلة التي تبرر تقديم “الفوائد” باعتبارها كفة قائمة في النقاش؟
كان عنوان من قبيل “ادعاءات نظام الطيبات تحت الفحص الطبي” أكثر اتساقًا مع مهمة التحقق، لأنه يحدد موضوع الفقرة من دون أن يمنح الادعاءات رصيدًا مسبقًا من المصداقية.
تتمثل المشكلة في أن صيغة النقاش جعلت حضور العوضي والجدل حوله محور المعالجة، بينما يفترض أن تحدد الأدلة الطبية ترتيب الأسئلة وحجم المساحة الممنوحة لكل ادعاء، ونجاح الفقرة الصحية يُقاس بوضوح المعرفة التي تتركها لدى المشاهد، وبقدرتها على منع الالتباس بين وعد جذاب ومعلومة تستند إلى دليل.

