كلما تصاعدت آثار التغيّر المناخي واتسع الاهتمام العام بالقضايا البيئية، ضاقت المساحة أمام الصحفيين الذين يغطّون هذه الملفات. هذه هي الخلاصة التي تخرج بها منظمة “مراسلون بلا حدود” في رصدٍ موسّع وضعت فيه صحافة البيئة في قلب معركة حرية الصحافة، محذّرة من أن من يلاحقون جرائم البيئة باتوا عرضة للتهديد والملاحقة القضائية، بل والقتل أحياناً.
ووثّقت المنظمة عشر عقبات متكررة تواجه التغطية البيئية حول العالم، خلصت من خلالها إلى أن صحافة البيئة باتت تقف عند تقاطع كل التهديدات التي تطال حرية الصحافة، من العنف الجسدي إلى الدعاوى الكيدية وصولاً إلى تقييد الوصول إلى المعلومة بدوافع اقتصادية أو سياسية.
وتبدأ القائمة من أبسط الحواجز وأكثرها مادية، وهو منع الوصول الجسدي إلى مواقع الأحداث. فالمناطق المغلقة والخاضعة للمراقبة والنائية كثيراً ما تكون محظورة على الصحفيين، في وقت يُستخرج فيه نحو ثلثي الموارد الطبيعية في العالم في بلدان تخضع فيها حرية الصحافة لقيود شديدة. وتشير المنظمة إلى دول مثل السعودية والصين، تكاد تكون فيها مناطق الاستخراج مغلقة كلياً أمام الصحفيين، فضلاً عن النزاعات المسلحة التي تجعل التغطية الميدانية شبه مستحيلة في الكونغو الديمقراطية وعدد من دول الساحل الغنية بالموارد والمنهكة بانعدام الأمن.
ولا يقف الأمر عند حدود الأرض، بل يمتد إلى المعلومة نفسها. فقد أطلقت إدارة دونالد ترامب، مع عودتها إلى البيت الأبيض، تراجعاً واسعاً عن المعلومات البيئية العامة في الولايات المتحدة، وأزالت في أواخر يناير من العام الماضي آلاف الصفحات الإلكترونية المستضافة على مواقع وكالات فيدرالية بينها وكالة حماية البيئة، في خطوة ترى المنظمة أنها تقوّض حق الصحفيين والمواطنين معاً في الوصول إلى المعلومة. وفي الهند، حُجب على إنستغرام تحقيق مصوّر عن التهجير القسري لمجتمعات محلية مرتبط ببناء مركز بيانات، بموجب قانون تقنية المعلومات.
وتطال التهديدات أيضاً المصادر التي تتعرض للانتقام حين تختار الكلام، كما حدث مع ناشطين كمبوديين ظهروا في تقرير لقناة “فرانس 24″، فاعتُقلوا ثم أُفرج عنهم بشرط وقف أي اتصال بالصحفيين الأجانب. أما الصحفيون أنفسهم فيُستهدفون عبر حملات التشهير الرقمي، ومنها استهداف الصحفية الأوكرانية المستقلة أولينا مودرا بصور مفبركة تصوّرها بزيّ عسكري روسي بعد تحقيقاتها في مشروع مزرعة رياح مثير للجدل في جبال الكاربات. ولم تنجُ غرف التحرير نفسها، إذ أضرم نحو خمسين من مزارعي المحار النار في بوابة صحيفة “ميدي ليبر” الفرنسية مطلع العام الجاري على خلفية تقرير عن حظر بيع المحار.
ويبرز السلاح القضائي بوصفه أداة فعّالة للإسكات، عبر ما يُعرف بـ”دعاوى السلاب”، وهي ملاحقات كيدية تستهدف استنزاف الصحفيين مالياً وردعهم عن التدقيق في قضايا الشأن العام، كما في الدعوى التي رفعها أحد كبار رموز لوبي صناعة لحم الخنزير في بريتاني الفرنسية ضد موقع “سبلان” الاستقصائي قبل أن ترفضها محكمة الاستئناف. ويضاف إلى ذلك العنف الجسدي خلال تغطية الاحتجاجات، والاعتقال الذي قد يصل إلى السجن المطوّل، كما في حالة المخرجة والصحفية في ميانمار شين دوي، التي حُكم عليها بالسجن المؤبد بتهمة ملفقة بـ”التحريض على الإرهاب” قبل أن يُخفَّض الحكم إلى خمسة عشر عاماً، ثم أُفرج عنها في أبريل الماضي بعد تسعمئة وخمسة عشر يوماً خلف القضبان، تعرضت خلالها للاستجواب المتكرر والتعذيب وفق أقاربها.
وتبلغ المخاطر ذروتها مع التهديدات بالقتل والاغتيال الفعلي. فالمتهمون التسعة في اغتيال الصحفي البريطاني دوم فيليبس والخبير البرازيلي في شؤون السكان الأصليين برونو بيريرا في وادي جافاري بالأمازون ما زالوا في انتظار المحاكمة بعد أربع سنوات على الجريمة، فيما توفي الصحفي والمخرج الوثائقي التركي هاكان توسون في إسطنبول في أكتوبر الماضي بعد ثلاثة أيام من تعرضه لاعتداء بالغ العنف، ونجا الصحفي الموزمبيقي كارليتوس كادانغي من محاولة اغتيال في فبراير الماضي بعد أشهر من توثيقه أنشطة تعدين غير مشروعة وكشفه تورط أطراف متعددة في شبكات التهريب.
وتُختتم القائمة بعقبة لا تصنعها أيادٍ بشرية، وهي تعرّض الصحفيين أنفسهم لأخطار المناخ من أعاصير وفيضانات وحرائق وجفاف، على نحو ما حدث في جزيرة مايوت مع إعصار “تشيدو”، وفي ولاية ريو غراندي دو سول البرازيلية مع فيضانات غمرت غرف التحرير وأتلفت المعدات، في وقت كشفت فيه المنظمة أن أكثر من سبعين في المئة من وسائل الإعلام في تلك الولاية كانت بلا أي خطة طوارئ.
وفي سياق أوسع، تشير تقديرات المنظمة إلى أن نحو مئتي صحفي تعرضوا خلال السنوات العشر الماضية لتهديدات وعنف جسدي بلغ حدّ القتل بسبب عملهم على ملفات بيئية، وأن آسيا وأمريكا اللاتينية تظلان المنطقتين الأكثر خطورة على هذه الفئة من الصحفيين، وهي خلاصة تجعل من حماية صحافة البيئة، في تقدير المنظمة، شرطاً لا غنى عنه لأي عمل مناخي جادّ.

