قد يصل إلى الصحفي تقرير حقوقي يحمل اسم منظمة معروفة، أو يتلقى شهادة تبدو صادرة عن شخص قريب من أحداث السودان، أو يجد رواية تتكرر على مواقع عدة فيطمئن إلى أن أكثر من مصدر يؤكدها، لكن الاسم والشهادة وتعدد المواقع قد تكون جميعها أجزاء من حملة واحدة، صُممت بعناية لإخفاء صاحب الرسالة.
هذا ما كشفت عنه شركة “أنثروبيك” حوّل مستخدمون مساعدها “كلود” إلى أداة لكتابة أخبار مختلقة، وصناعة هويات صحفيين لا وجود لهم، وإعداد شهادات تخفي الجهة التي تقف وراءها، ثم تتبعت ما استطاعت من آثار هذه العمليات خارج منصتها، مستعينة بمصادر مفتوحة ومعلومات من شركاء.
في تقرير معمق نشرته الشركة عرض نتائج تحقيقاتها في عمليات تقول إنها عطّلت الحسابات المرتبطة بها، بينها حملة تتناول السودان تربطها بمسؤولين إماراتيين، ومشروع لمراقبة مستخدمين في الخليج، وشبكة من نحو 70 موقعًا تتظاهر بأنها مؤسسات إخبارية محلية مستقلة.
تكشف الحالات كيف استُخدمت أدوات الكتابة والترجمة والتحليل لتقليد العمل الصحفي واستعارة صدقيته، حتى يجد المحرر أمامه تقريرًا حقوقيًا أو شهادة أو خبرًا تتناقله مواقع عدة، دون أن يظهر له أن وراء هذه المصادر الظاهرية مشغّلًا واحدًا أو جهة تخفي دورها.
لكن ما تعرفه أنثروبيك عن إعداد هذه المواد أوسع مما تستطيع إثباته عن أثرها، فهي تقرّ بأن رصد إنتاج التضليل لا يعني تأكيد وصوله إلى الجمهور أو نجاحه في إقناعه، وهو فارق أساسي لفهم ما يكشفه التقرير عن الصحافة وما يظل خارج حدود أدلته.
شهادتان عن السودان وتعليمات بإخفاء الإمارات
في إحدى الحالات، تقول أنثروبيك إنها رصدت مشغّلًا يستخدم شخصية آلية اسمها “ديدشوت”، يحملها ملفًا من التعليمات الثابتة، ثم يعود إليها عبر مئات الجلسات لإنجاز أجزاء من عملية تستهدف جماعة الإخوان المسلمين وتتناول الحرب في السودان.
لم يكن المطلوب مجرد كتابة منشورات، فقد شمل العمل إدارة نحو 300 حساب اجتماعي غير أصيل، وانتحال هوية منظمة حقوقية حقيقية لنشر تقارير، وصياغة شهادتين لشخصين بغرض تقديمهما خلال الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان.
وبين التعليمات التي تكشف طبيعة المهمة، شرط محدد: ألّا تذكر أي من الشهادتين الإمارات.
تقول الشركة إنها ربطت العملية بدرجة ثقة مرتفعة بمسؤولين حكوميين إماراتيين، وإن وثائقها سمّت مسؤولين كبارًا بوصفهم متلقين مستهدفين لبعض المخرجات، كما تصف إعداد ملفات شخصية عن 18 شخصًا من البرلمانيين الأوروبيين والصحفيين البارزين، وملفات مضادة عن مقررين أمميين انتقدوا سلوك الإمارات في السودان.
وفي التقارير الداخلية للعملية، وُصفت “استقلالية” شبكة الحسابات بأنها “أعظم أصولها الاستراتيجية”، بحسب النص الذي تنقله أنثروبيك، فالصفة التي تمنح الشهادة أو التقرير قيمته لدى الصحفي كانت نفسها جزءًا من الخداع.
لكن الشركة لا تؤكد أن الشهادتين قُدّمتا بالفعل، ولا أن ملفات المستهدفين وصلت إلى الجهات المقصودة، كما لا يتضمن عرض الحالة ردًا إماراتيًا، وتبقى نسبة العملية إلى المسؤولين المذكورين استنتاجًا منسوبًا إلى أنثروبيك، لم يتحقق منه “مجهر الصحافة” بصورة مستقلة.
حين يصبح صاحب المنشور موضوعًا لملف أمني
في حالة أخرى تتصل بالخليج، كانت المنشورات تدخل إلى “كلود” في دفعات، ليُطلب منه استخراج معلومات عن أصحابها: أين يقيمون، وإلى أي فئات اجتماعية ينتمون، وما مواقفهم السياسية، وهل يؤيدون الحكومة أم يعارضونها؟
تقول أنثروبيك إن ذلك كان جزءًا من بناء منصة تجارية لمراقبة نشاط مستخدمين في إيران والخليج، ربطتها بكيان يحمل اسم “إس تو تي”، تشير أبحاث المصادر المفتوحة التي اعتمدتها إلى أنه مزوّد استخبارات تجارية إسرائيلي سنغافوري.
وكانت المخرجات تُصاغ بالعربية الفصحى في هيئة إحاطات حكومية، تتضمن تقييمات للمواقف بحسب الجنسيات الخليجية وتوصيات برسائل مضادة، وإلى جانب هذا العمل، رصدت الشركة مسارًا لإنشاء أكثر من 255 حسابًا اصطناعيًا.
هكذا يمكن لمنشورات كتبها أصحابها في أوقات متباعدة أن تجتمع في ملف واحد يحاول تفسير مواقفهم وعلاقاتهم، وهي قدرة تمس الصحفي ومصدره، خصوصًا عندما تتحول استنتاجات النموذج عن الانتماء السياسي أو الموقع إلى أساس للاستهداف، رغم أنها قد تكون خاطئة.
ومع ذلك، يحدد التقرير ما رُصد بدقة: اكتُشف المشروع في مرحلته التجريبية، ولم تجد الشركة دليلًا على استخدام المراحل اللاحقة من سلسلة المراقبة ضد أهداف حقيقية قبل حظر الحساب.
رسالة باللهجة السورية يكتبها شخص لا يتحدث العربية
في سوريا، تكشف حالة أخرى مقدار ما تستطيع الأداة أن تخفيه عن الشخص الذي يتلقى الرسالة.
بحسب أنثروبيك، استعان مشغّل يعمل بالصينية ولا يتقن العربية بـ”كلود” للتواصل مع أشخاص يُعتقد أن بإمكانهم الوصول إلى أفراد وتشكيلات أويغورية داخل سوريا، ومحاولة تجنيدهم مقابل معلومات.
كان النموذج يكتب باللهجة السورية، ويترجم الردود أثناء المحادثات، ويراجع المصطلحات ومدى ملاءمة الرسائل للمستهدفين، فيما استُخدم محتوى جُمع بأدوات منفصلة من أكثر من 100 مجموعة على “واتساب” وعشرات القنوات على “تلغرام” لبناء ملفات عن أشخاص وظروفهم.
وشملت هذه الظروف ضائقة مالية أو انفصالًا عن الأسرة، أي تفاصيل شخصية يمكن استغلالها في الاقتراب من أصحابها، وبالتوازي، تصف الشركة التخطيط لحملة ضد صحفيين من الأويغور في المهجر، تتضمن الإبلاغ الجماعي المنسق عن حساباتهم والتشكيك في مؤسساتهم.
تربط أنثروبيك العملية بالحكومة الصينية، لكنها تضع درجة ثقة منخفضة لتقديرها بأن المنفّذ متعاقد مع أمن الدولة وليس جهازًا رسميًا يعمل مباشرة.
وللصحفي الذي يبني علاقاته مع المصادر عبر الرسائل، تحمل الحالة دلالة واضحة: إتقان اللهجة ومعرفة التفاصيل المحلية لم يعودا كافيين للاطمئنان إلى هوية الطرف الآخر.
مواقع كثيرة وصحفيون غائبون
على مستوى النشر، تعرض أنثروبيك شبكة من نحو 70 موقعًا إخباريًا صُممت لتبدو كأنها مؤسسات محلية مستقلة، نشرت ما لا يقل عن 8,913 مقالًا بنحو 20 لغة، ورافقتها 70 حسابًا على “إكس” وأكثر من 250 حسابًا للتعليق والتضخيم.
وراء هذا الانتشار، تقول الشركة إنها وجدت عملية واحدة مرتبطة بوكالة إعلانات رقمية مقرها فرنسا، تستخدم “كلود” لكتابة مواد مختلقة وإعادة صياغة تقارير أعدها صحفيون حقيقيون، ثم تنشرها بأسماء كتّاب لا وجود لهم.
وكان ممكنًا أن تخرج القصة نفسها باتجاهين سياسيين متعارضين لجمهورين مختلفين، فالشبكة، بحسب التقرير، بدّلت مواقفها وفق مصالح العملاء.
وفي ماليزيا، رصدت الشركة عملية تجارية أخرى تضم نحو 1,000 حساب وهمي وواجهة إخبارية، تعيد نشر مواد من وسائل إعلام حكومية روسية وصينية بعد إزالة نسبتها الأصلية، لتبدو تقارير ماليزية مستقلة.
المشكلة التي تواجه المحرر هنا أن بحثه عن تأكيد إضافي قد يعيده إلى المصدر نفسه دون أن يعرف، فاختلاف أسماء المواقع والعناوين لا يضمن اختلاف الجهة التي أنتجت المعلومة.
من استعارة اسم الباحث إلى تقليد صوت الناشط
في عمليات مرتبطة بمؤسسات دعاية إيرانية، تقول أنثروبيك إن “كلود” استُخدم لإعداد حملات ومحتوى بلغات عدة، بينها العربية، مع إظهار رسائل الدولة بوصفها آراء مستقلة.
وتصف إحدى الحالات نسبة ادعاءات زائفة إلى مؤسسات بحثية غربية، بينها “بروكينغز” و”راند”، خلال حملة متصلة بالحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران عام 2026.
وفي عملية أخرى مرتبطة بمجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، جرى تحليل نحو 8,400 منشور لناشط حقيقي على “تلغرام” لتقليد أسلوبه، ثم استخدام حساب ينتحل شخصيته في محادثات مع معارفه، الذين لم يكونوا، على حد علم الشركة، يعرفون طبيعة الحساب الذي يتواصلون معه.
في الحالة الأولى تُستعار صدقية المؤسسة، وفي الثانية تُستغل معرفة شخصية سابقة، ويُطلب من المتلقي أن يثق بالرسالة لأن الاسم المرفق بها مألوف لديه.
المحتوى يصل إلى الأثير
تكتسب هذه الأساليب قدرة أكبر على الوصول حين تدخل إلى وسائل إعلام لديها جمهور بالفعل.
تقول أنثروبيك إن 4 حسابات استخدمت “كلود” لإعداد مواد وصلت مخرجات منها إلى منصات “سبوتنيك” و”ريا نوفوستي” و”آر تي”، وشملت مقالات وعناوين وأشرطة إخبارية وتعليقات صوتية.
وترصد الشركة تمرير ادعاءات عبر وسائل متعددة لتبدو مؤكدة بصورة مستقلة، كما تصف حالة طُلب فيها من النموذج حذف تحفظاته على معلومات غير متحقق منها وتقديمها بوصفها حقائق ثابتة.
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، امتد استخدام الأداة في عملية مرتبطة بإذاعة “لينغو سونغو” إلى إعداد عقود ومعايير لتقييم العاملين وفق الالتزام السياسي، والحصول على توصيات بشأن الاحتفاظ بهم أو فصلهم.
بهذا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل العمل اليومي للمؤسسة: النص الذي سيُبث، والصياغة التي تخفي الشك، والمعايير التي يُحاسب بها مَن يكتب.
آلاف المواد لا تعني آلاف المقتنعين
رغم اتساع القدرة على الإنتاج، تقرّ أنثروبيك بأن معظم المحتوى الذي رصدته حقق تفاعلًا حقيقيًا محدودًا أو معدومًا، وأن بعض العمليات عُطلت قبل أن تبني جمهورًا، بينما ظهر أوسع وصول حين تولت وسائل إعلام قائمة توزيع المواد.
والتقرير، الذي يعرض 9 حالات تأثير ضمن نطاق أوسع من إساءة الاستخدام، يقدم نماذج مختارة من تحقيقات الشركة، وليس قياسًا شاملًا للتضليل، كما أن حظر حساب داخل “كلود” لا يثبت انتهاء نشاط صاحبه خارج الخدمة.
وتظل أنثروبيك مصدرًا يحقق في إساءة استخدام منتجه ويعرض إجراءات التصدي لها، وهو ما يستدعي قراءة نتائجها مع حدودها، خصوصًا في نسبة المسؤولية وتقدير الأثر.
أما ما يخص الصحافة مباشرة، فهو أن بعض حملات التضليل باتت تصنع للمعلومة سندًا ظاهريًا كاملًا: كاتبًا، وموقعًا، وشهودًا، وحسابات تؤيدها، ومصادر تعيد نشرها.
وحين يصل هذا كله إلى مكتب المحرر، يصبح تتبّع أصل الرواية وهوية أصحابها جزءًا من العمل على الخبر نفسه، لأن التقرير المنسوب إلى منظمة معروفة قد يكون منتحلًا، والصحفي الذي يوقّع المقال قد لا يكون موجودًا، والمصدر الذي يكتب بلهجة مألوفة قد يكون شخصًا آخر تمامًا.

