حذرت منظمة “فري برس أنليميتد” من أن تؤدي السياسات المتعجلة لتنظيم الإعلام في سوريا بعد سقوط نظام الأسد إلى إعادة إنتاج السيطرة الحكومية على الصحافة، داعية إلى استثمار المرحلة الانتقالية في بناء قطاع مستقل، بدلًا من إخضاعه لمنظومة مركزية تتحكم في التراخيص والموارد المالية والإنتاج الإعلامي.
وقالت المنظمة، في بيان لها، إن هناك إشارات إيجابية من الحكومة السورية تستحق التفاعل معها، لكنها تتزامن مع مؤشرات مقلقة على اتساع سيطرة وزارة الإعلام، بما يهدد الاستقلال التحريري وحق السوريين في الوصول إلى معلومات موثوقة ومتعددة المصادر.
وبحسب المنظمة، تزيد الوزارة نفوذها على جوانب الصناعة الإعلامية وتنظيمها، بدلًا من إرساء ضمانات مهنية وأخلاقية تحمي استقلال المؤسسات، ورصدت نشوء نظام تنظيمي شديد المركزية يجعل وسائل الإعلام مرتبطة بالحكومة سياسيًا واقتصاديًا، سواء في الحصول على تراخيص العمل أو في إيرادات الإعلانات.
وأضافت أن الصحفيين الدوليين يواجهون صعوبات أكبر في الحصول على تراخيص طويلة الأجل، إلى جانب مطالبتهم بتقديم معلومات موسعة عن أنشطتهم الصحفية المزمع تنفيذها، معتبرة أن هذه الإجراءات تضع الوصول إلى المعلومات والاستقلال التحريري أمام مخاطر متزايدة.
التراخيص والإعلانات مدخلان للتبعية
ركز البيان على العلاقة بين آليات التنظيم وقدرة المؤسسات الصحفية على مساءلة السلطة، موضحًا أن التراخيص قصيرة الأجل والخاضعة للسلطة التقديرية للجهات المانحة تضعف استدامة المؤسسات، وتحد من الاستثمار والتخطيط طويل المدى، وقد تدفعها إلى الخوف من محاسبة الحكومة.
وطالبت المنظمة بنظام تراخيص طويل الأجل ومحايد، يستند إلى معايير شفافة وغير تمييزية، مع ضمان إمكان مراجعة قراراته قضائيًا، وربطت حماية الاستقلال التحريري بتأمين الاستقلال الاقتصادي، من خلال قوانين واضحة للإعلان ورقابة مستقلة تضمن المنافسة العادلة، وحماية وصول وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية إلى التمويل المحلي والخارجي.
وحذرت من أن استعجال العودة إلى إدارة الدولة وفق الإجراءات المعتادة، تحت مبررات السيادة أو الوحدة أحيانًا، قد يرسخ نظامًا مقيدًا يفتقر إلى المشاركة، وتصبح نتيجته استبدال الرقابة بسيطرة حكومية شاملة على الإنتاج الإعلامي.
إصلاح بمشاركة الصحفيين
دعت “فري برس أنليميتد” إلى جولات تشاور مفتوحة تتيح مشاركة فعلية للصحفيين وخبراء الإعلام والجمهور ومنظمات المجتمع المدني في صياغة الإصلاحات، وإسناد التنظيم الذاتي للمهنة إلى مجلس صحافة مستقل يقوده مهنيون، مع آليات واضحة للشكاوى والمساءلة.
وشددت على أن تطبيق مواثيق السلوك والأطر الأخلاقية ينبغي أن يكون مسؤولية القطاع الإعلامي نفسه، ضمن منظومة تنظيم ذاتي تحمي المعايير المهنية واستقلال العمل الصحفي.
وفي الجانب التشريعي، أوصت بإلغاء تجريم التعبير وتعزيز حماية الصحفيين، معتبرة أن أحكام المسؤولية القانونية لا تزال واسعة وتتيح سلطة تقديرية كبيرة، سواء في قانون وزارة الإعلام لعام 2025 أو في أحكام الجرائم الإلكترونية والأمن الموروثة من عهد الأسد.
كما طالبت بضوابط واضحة تقوم على الشرعية والضرورة والتناسب، وبقانون لحرية المعلومات يتضمن آلية مستقلة للطعن وضمانات للتنفيذ الفعلي، ولم يتضمن البيان ردًا حكوميًا على هذه الانتقادات.
الإعلام المستقل والعدالة الانتقالية
ربطت المنظمة مستقبل الصحافة بمسار العدالة الانتقالية، معتبرة أن السوريين يحتاجون إلى معرفة وقائع الانتهاكات السابقة والإصلاحات التي ستحدد مستقبل البلاد، وأن التغطية المستقلة تساعد على كشف الفساد والتضليل ومتابعة تنفيذ التعهدات الحكومية.
وأشارت إلى استعداد أبدته الحكومة للتعاون مع الجهود الدولية للتحقيق في جرائم عهد الأسد، لكنها شددت على ضرورة أن تشمل المساءلة الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، وعلى دور الأدلة والعمل الصحفي في دعم هذا المسار.
وقالت المنظمة إنها تدعم الإعلام السوري داخل البلاد وخارجها منذ عام 2011، وعملت مع أكثر من 20 مؤسسة إعلامية ودربت أكثر من 5,000 صحفي، داعية المجتمع الدولي إلى البناء على هذه الشبكات القائمة عند إعادة صياغة علاقاته مع سوريا.
وخصت وسائل الإعلام المحلية بالدعوة إلى الدعم، لما تمتلكه من معرفة بالمجتمعات السورية وقدرة على خدمة النساء والشباب والأقليات وبناء الثقة بين المكونات المختلفة، معتبرة أن حماية هذا التنوع جزء أساسي من بناء قطاع إعلامي مستقل ومستدام.

