قد يحقق خبر آلاف الزيارات، ثم يغادر قرّاؤه من دون أن يتذكروا اسم الموقع الذي نشره، وقد تحصل مؤسسة على جمهور واسع عبر منصة اجتماعية، ثم يتراجع وصولها إليه بمجرد تغيّر خوارزمياتها، بين الحالتين يبرز سؤال يتجاوز عدد النقرات: ما الذي يجعل القارئ يعود بإرادته؟
كان هذا السؤال حاضرًا في مؤتمر مستقبل تكنولوجيا الإعلام، الذي نظمته “برس غازيت” في لندن يوم 10 سبتمبر 2026، وناقش خلاله مسؤولون في مؤسسات إعلامية كيف يحافظون على جمهورهم مع تراجع الزيارات القادمة من البحث، وصعود صنّاع المحتوى وإجابات الذكاء الاصطناعي.
وفي تقرير نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة، عرضت الصحفية غريتيل خان خمس خلاصات من النقاشات، تقدّم أفكارًا قابلة للاختبار في المؤسسات العربية، مع مراعاة اختلاف جمهورها ومواردها ونماذج تمويلها.
1. قِس عودة القارئ، لا وصوله فقط
تحدّث المشاركون عن الانتقال من التركيز على حجم الزيارات إلى بناء علاقة مستمرة مع الجمهور، وحدّدت ليز وين، المسؤولة عن دعم القرّاء في “الغارديان”، مؤشرات مثل تنزيل التطبيق وتكرار الزيارة والتسجيل في النشرات البريدية.
الفكرة أن اقتناع القارئ بأهمية الصحافة لا يكفي وحده، فهو يحتاج أيضًا إلى خدمة تجعله يعود يوميًا، كشرح موثوق للأحداث، أو متابعة متخصصة لقضية تمس عمله وحياته.
وفي غرفة أخبار عربية، يمكن ترجمة ذلك إلى أسئلة عملية: كم قارئًا عاد هذا الأسبوع؟ وما المواد التي دفعته إلى التسجيل أو المتابعة؟ وهل يتفاعل مع التغطية أم يكتفي بفتح عنوانها؟
وقد يمتد بناء العلاقة إلى التعليقات، إذ قالت ممثلة “التايمز” و”صنداي تايمز” إن استخدام الذكاء الاصطناعي في فرزها، تحت إشراف بشري، خفّف عبء المراجعة وأتاح للفريق وقتًا أكبر للعمل مع مجتمع القرّاء.
2. امنح الصحفي حضورًا يعرفه الجمهور
بدأت “الإيكونوميست”، المعروفة بتقليدها في نشر مواد دون أسماء كتّابها، بإبراز وجوه صحفييها وشخصياتهم، وقال محررها التنفيذي أندرو بالمر إن الجمهور يريد معرفة من ينتج المادة الصحفية وكيف تعمل غرفة الأخبار، خصوصًا مع اتساع حضور المحتوى المولّد آليًا.
وتعمل “التايمز” على وضع صحفييها في مقدمة الفيديوهات الاجتماعية، بينما تطوّر “الغارديان” برامج على “يوتيوب” تتمحور حول مقدّمين معروفين للجمهور.
بالنسبة إلى المؤسسات العربية، يمكن أن يبدأ ذلك بمراسل يشرح كيف وصل إلى معلومة، أو محرر متخصص يفكّك خبرًا معقدًا، فتتكوّن علاقة مع شخص يستطيع الجمهور تمييز خبرته ومساءلته.
لكن تجربة صنّاع المحتوى تحتاج إلى تكييف داخل المؤسسة، بحيث يظل الحضور الشخصي مرتبطًا بقواعد التحرير والتحقق، وقد حذّرت ليا غرين من “الغارديان” من تقليد هذا النموذج بالكامل وإغفال قيمة المؤسسة وسمعتها.
3. اختبر حضورك في إجابات الذكاء الاصطناعي بحذر
تثير الإجابات التي تعرضها محركات البحث مباشرة مخاوف الناشرين من اكتفاء المستخدم بالملخص دون زيارة المصدر، ولذلك تحاول المؤسسات فهم كيف تظهر موادها في خدمات الذكاء الاصطناعي، وما الزيارات التي تأتيها منها.
لكن المشاركين أقرّوا بأن قواعد الظهور ما زالت غير واضحة، وحذّر توم جاكسون، المسؤول التقني في “نيوز يو كيه”، من اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة استنادًا إلى أنماط سريعة التغيّر.
وأشار إلى احتمال تزايد أهمية البيانات الوصفية، أي المعلومات التي تعرّف المادة، مثل اسم الكاتب وتاريخ النشر والموضوع والتصنيفات.
والدرس للموقع العربي هو اختبار ما يحدث لمحتواه وقياسه، مع تنظيم أرشيفه وتعريف مواده بوضوح، دون افتراض أن وصفة مضمونة للظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي أصبحت متاحة.
4. وضّح ما الذي يستحق الدفع
ناقش المؤتمر كيف تقنع المؤسسات جمهورها بقيمة المحتوى المدفوع، وشرحت ممثلة “بوليتيكو” البريطانية أن التسجيل لقراءة المحتوى المجاني يساعد المؤسسة على فهم اهتمامات المستخدمين وتعريفهم بخدماتها المتخصصة المدفوعة.
وتفتح التجربة سؤالًا أمام الناشر العربي: ما الذي يقدّمه ويصعب العثور عليه مجانًا في عشرات المواقع؟ قد تكون الإجابة تحقيقًا أصليًا، أو معلومات محلية دقيقة، أو متابعة متخصصة يحتاجها جمهور مهني محدد.
وامتد النقاش إلى المقابل الذي تدفعه شركات الذكاء الاصطناعي لقاء استخدام المحتوى، إذ عرضت مؤسسات مواقف تجمع بين التفاوض على الترخيص وحماية الحقوق، بدل التعامل مع الظهور داخل هذه الأدوات باعتباره مكسبًا كافيًا بذاته.
5. اجعل النشرة البريدية منتجًا يستحق الانتظار
وسط الحديث عن التقنيات الجديدة، احتفظت النشرات البريدية بمكانة بارزة بوصفها وسيلة لبناء اتصال مباشر مع القرّاء وتقليل الاعتماد على خوارزميات المنصات.
وقال ديفيد سكوك، رئيس تحرير مؤسسة “ذا لوجيك” الكندية، إن نشرته اليومية تُعامل باعتبارها الصفحة الأولى للمؤسسة، ويكتبها الصحفيون خصيصًا لهذا الغرض.
وفي السياق العربي، يمكن اختبار نشرة تخدم جمهورًا واضحًا، مثل صحفيين يتابعون تحولات المهنة، أو قرّاء يحتاجون إلى شرح اقتصادي أسبوعي، وتأتي قيمتها من الاختيار والتحرير والانتظام، لا من تجميع روابط ما نُشر على الموقع.
تجمع هذه التجارب فكرة واحدة قابلة للقياس: أن تمنح المؤسسة جمهورها سببًا للعودة، ثم تراقب إن كان يعود فعلًا، بدل أن تظل علاقتها به مرهونة بزيارة عابرة تمنحها منصة خارجية.

