يشهد قطاع الإعلام تحولات متسارعة مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى غرف الأخبار، وسط محاولات متزايدة لاستثمارها في إنتاج المحتوى وتوسيعه. لكن تجارب حديثة تكشف أن المشكلة لا تكمن في الفكرة نفسها، بل في طريقة تنفيذها، وما قد يترتب عليها من تآكل الثقة بين الصحفيين والجمهور.
وفي مقال نشره موقع Poynter، تناول الصحفي أليكس مهادفان (Alex Mahadevan) واقع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي داخل غرف الأخبار، مسلطًا الضوء على التحديات المهنية والأخلاقية التي ترافق هذه التحولات.
ويرى الكاتب أن المشكلة لا تكمن في التقنية بحد ذاتها، بل في طريقة تعامل القيادات الإعلامية معها.
الفكرة صحيحة والتنفيذ خاطئ
تشير تجارب مؤسسات إعلامية مثل Cleveland Plain Dealer و McClatchy إلى توجه نحو استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاج وتوسيع الوصول. لكن هذه المبادرات واجهت انتقادات حادة، خاصة عندما تم استخدام تقنيات مثل:
- كتابة الأخبار تلقائيًا من ملاحظات الصحفيين
- إعادة صياغة المحتوى لجمهور مختلف
- إنشاء فيديوهات افتراضية بشخصيات غير حقيقية
المشكلة الأساسية هنا ليست في التقنية، بل في غياب التخطيط المهني، ما أدى إلى نتائج وُصفت بأنها “سيئة التنفيذ”، رغم أن الفكرة الأصلية كانت منطقية.
بخلاصة أوضح، يُعد الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكن استخدامه دون فهم احتياجات الجمهور أو الصحفيين يؤدي إلى نتائج عكسية.
أزمة الثقة داخل غرف الأخبار
أحد أخطر الإشكالات التي ظهرت هو استخدام أسماء الصحفيين (Bylines) على محتوى تم إنتاجه أو تعديله بواسطة الذكاء الاصطناعي، دون موافقتهم.
هذا خلق أزمة ثقة داخل المؤسسات نفسها، لأن:
- الصحفي يفقد السيطرة على محتواه
- الجمهور لا يعرف من كتب الخبر فعليًا
- المؤسسة تبدو غير شفافة
ومفهوم (Byline) يعني اسم الصحفي الذي يظهر على الخبر، ويعني أنه المسؤول عن كتابته.
نموذج Nota News
أطلقت شركة Nota News عام 2025 شبكة مواقع محلية بهدف تغطية مناطق تعاني من “فقر إخباري”، لكن التحقيقات كشفت أن:
- أكثر من 70 مادة منسوخة من وسائل إعلام أخرى
- تم تعديلها باستخدام الذكاء الاصطناعي
- نُشرت بأسماء محررين جدد
وكانت نتيجة ذلك إغلاق جميع المواقع خلال أشهر قليلة، ما يؤكد أن استخدام الذكاء الاصطناعي دون احترام حقوق المحتوى يؤدي إلى فقدان المصداقية والانهيار السريع.
الجمهور يرجّح المحتوى الإنساني
أظهرت ردود فعل الجمهور على فيديوهات تعتمد على الذكاء الاصطناعي رفضًا واضحًا، حيث عبّر المستخدمون عن ارتياحهم عند عودة الصحفيين الحقيقيين للظهور.
وهذا ما يدل على أنه رغم التطور التقني، لا يزال الجمهور يفضّل العنصر البشري في العمل الصحفي.
أين الخطأ الحقيقي؟
يحدد مقال الصحفي “أليكس مهادفان” على موقع Poynter مجموعة من الأخطاء الجوهرية في تطبيق الذكاء الاصطناعي داخل الإعلام، ومن أبرزها:
- عدم حل مشكلة حقيقية: إنتاج محتوى أكثر دون هدف واضح لا يضيف قيمة.
- تجاهل الجمهور: تطوير أدوات دون فهم احتياجات المستخدمين يؤدي إلى رفضها.
- إقصاء المنتقدين: تجاهل مخاوف الصحفيين يزيد من حالة الرفض لتلك التقنيات.
- غياب الشفافية: عدم توضيح استخدام الذكاء الاصطناعي يقلل الثقة.
- عدم إشراك الفريق: فرض التغيير دون إشراك العاملين يؤدي إلى فشل التطبيق.
كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل صحيح؟
وحدد المقال عدة نقاط مهمة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل ناجح في وسائل الإعلام:
- تحديد مشكلة واضحة قبل استخدام التقنية
- إشراك الصحفيين في القرار
- التواصل مع الجمهور وفهم توقعاته
- الشفافية الكاملة حول استخدام الأدوات
- الاستعداد للإجابة عن الأسئلة الصعبة
وتكشف هذه التجارب أن الذكاء الاصطناعي في الصحافة ليس تهديدًا بحد ذاته، بل إن طريقة استخدامه هي التي تحدد نتائجه، وتوضح أن الفرق بين النجاح والفشل لا يكمن في التقنية، بل في:
- الفهم المهني
- احترام الجمهور
- الحفاظ على الثقة
وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يصبح التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإعلامية هو تحقيق التوازن بين الابتكار التقني والقيم الصحفية الأساسية.

