من المادة الخام إلى الفيديو بأمر مكتوب: “شات جي بي تي” و”كلود” يدخلان غرفة المونتاج

مونتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي: شات جي بي تي وكلود للصحفيين

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

تتوسع قدرات تطبيقات الذكاء الاصطناعي القائمة على المحادثة، لتشمل تنفيذ مهام إنتاجية كان المستخدم يحتاج إلى برامج متخصصة لإنجازها بنفسه، ومن بينها مونتاج الفيديو، إذ يمكن للمساعد الذكي، عندما تتوافر له الأدوات المناسبة، التعامل مع المواد الخام وتركيبها وإخراج فيديو استجابة لتعليمات مكتوبة.

لدى الصحفي مقابلة طويلة، ولقطات من موقع التصوير، وصور ووثائق يريد تحويلها إلى تقرير قصير، ويمكنه تسليم هذه المواد إلى المساعد وطلب مهمة محددة: اختر التصريحات المرتبطة بالموضوع، ورتّبها مع اللقطات، وأضف العناوين، ثم أخرج نسخة أولى للمراجعة، من دون أن يفتح الصحفي برنامج مونتاج وينفذ كل خطوة بنفسه.

هذا أحد الاستخدامات الممكنة لنماذج مثل “جي بي تي 6 أسترا”، المتاح ضمن خدمات “أوبن إيه آي”، و”كلود أوبس 5.5” من “أنثروبيك”، إذ تستطيع هذه النماذج العمل مع أدوات تنفذ مهام على الحاسوب، بما يسمح بتحويل التعليمات المكتوبة إلى خطوات إنتاج فعلية، بحسب الإمكانات المتاحة في الخدمة المستخدمة.

ويمكن أن يكون الناتج مقطعًا تشويقيًا لفيلم، أو مقتطفًا من مقابلة، أو نسخة أولى من تقرير، لكن التجارب المنشورة تظهر تفاوتًا بين النجاح في تنظيم المواد وتنفيذ التعليمات، والنجاح في تقديم مونتاج متماسك من حيث الإيقاع والصوت والمعنى.

لفهم طريقة العمل، يكفي النظر إلى ما يحدث بعد كتابة الطلب، فالمساعد يحتاج أولًا إلى الوصول إلى الملفات والتعرف على محتواها، ثم اختيار الأجزاء المناسبة وتحديد ترتيبها، وبعد ذلك يشغّل أدوات تتولى القص والتركيب وإضافة النصوص وإخراج الفيديو.

وتعمل بعض هذه الأدوات بأوامر يكتبها المساعد بنفسه، مثل “إف إف إمبيغ”، وهي أداة لمعالجة الصوت والصورة وتحويل الملفات، ولا يحتاج الصحفي بالضرورة إلى تعلم أوامرها، لكنه يحتاج إلى خدمة تتيح للمساعد تشغيلها أو استخدام أدوات تؤدي الوظيفة نفسها.

لذلك قد يستطيع مستخدم الحصول على فيديو كامل، بينما يحصل آخر على خطة مونتاج أو تعليمات فقط، حتى إن استخدما النموذج نفسه، فالفرق قد يكون في الأدوات المتصلة بالخدمة، وإمكان الوصول إلى الملفات، والسماح بتشغيل برامج المعالجة.

ويجب أيضًا التمييز بين مونتاج مواد حقيقية وتوليد مشاهد جديدة، فترتيب مقابلة ولقطات مصورة يختلف عن إنشاء مشاهد لم تقع، وقد تُستخدم الوسيلتان معًا في فيديو ترويجي، بينما يحتاج العمل الصحفي إلى الفصل الواضح بين التسجيل الأصلي والإضافات المولدة.

قبل المونتاج، قد يتعرف المساعد على المادة باستخراج صور من الفيديو وفحصها، أو بتحويل الكلام إلى نص مكتوب يحمل توقيت الجمل، ثم يستخدم هذه المعلومات في اختيار المقاطع.

لكن قراءة تفريغ المقابلة لا تكشف بالضرورة كل ما يحدث أثناءها، فقد تكون هناك لحظة تردد أو صمت أو تعبير على الوجه يؤثر في فهم الإجابة، كما أن فحص صور متباعدة من الفيديو قد يفوّت حركة مهمة بين صورتين.

وتوضح وثائق “كلود” الخاصة بتحليل الصور أن الملفات التي تحتوي على صور متحركة يُستخدم منها الإطار الأول فقط ضمن الآلية الموصوفة، ولا يعني ذلك أن الأدوات المحيطة بالنموذج لا تستطيع استخراج إطارات إضافية وعرضها عليه، لكنه يوضح أهمية معرفة ما فحصه المساعد فعلًا، بدل افتراض أنه شاهد كل ثانية من المادة.

لهذا يفيد أن يطلب الصحفي قائمة بالمقاطع المختارة وتوقيتها، وأن يعود إلى التسجيل الأصلي عند مراجعة التصريحات، خصوصًا إذا كانت المادة تتضمن اتهامًا أو شهادة أو إجابة تحتمل أكثر من معنى.

وتقدم تجربة منصة “كيوريوس ريفيوج”، المتخصصة في التدريب على صناعة المحتوى بالذكاء الاصطناعي، مثالًا عمليًا على ما يمكن إنجازه، فقد سلّمت “أسترا” 64 مقطعًا خامًا، وقالت إنه نظّمها خلال نحو 17 دقيقة بكلفة تقارب 5 دولارات، وأعد قوائم وصورًا تساعد على تصفحها.

وفي اختبار آخر للمنصة، أنشأ النموذج فيديو تعليميًا ومشروعًا قابلًا للتعديل داخل “أدوبي بريمير برو”، لكن النتيجة احتاجت إلى إصلاحات في الإيقاع والألوان والصوت، واستغرق التنفيذ، بحسب المنصة، نحو ساعة و20 دقيقة بكلفة قاربت 60 دولارًا، وهذه أرقام تخص تجربتها، ولا تمثل وقتًا أو سعرًا ثابتًا لإنتاج الفيديو.

وتعرض “أوبن إيه آي” مثالًا آخر من منصة “إن فيديو”، التي تستخدم “أسترا” لتنفيذ تعديلات على الفيديو، وتقول دراسة الحالة إن استخدامه حسّن معدل نجاح مهام تصحيح الألوان وتدريجها، وساعد محررين على إنشاء مؤثرات مخصصة، لكن هذه النتائج منشورة لدى الشركة المطورة عن شريك تجاري، وليست تقييمًا مستقلًا.

أما بعض استخدامات “كلود” فتقوم على كتابة تعليمات برمجية تنشئ الحركة والعناوين وتجمعها في فيديو، ويشرح دليل منشور على منصة “هاغينغ فيس” هذا الأسلوب، الذي يمكن استخدامه في الفيديوهات التفسيرية والترويجية، لكنه لا يثبت وحده القدرة على مونتاج مقابلة أو فيلم وثائقي بالمستوى نفسه، لأن طبيعة المهمة مختلفة.

وتقدم هذه الأمثلة مؤشرات على الإمكانات المتاحة، مع مراعاة أنها تجارب ودراسات نشرها أصحابها، وبعضهم يقدم خدمات تجارية مرتبطة بهذه الأدوات، ولم يُجرِ “مجهر الصحافة” اختبارًا مستقلًا للمقارنة بين النموذجين.

بالنسبة إلى غرفة الأخبار، يمكن البدء بمهمة محدودة وواضحة، مثل إعداد قائمة بالتصريحات المرتبطة بموضوع معين، أو ترتيب اللقطات بحسب محتواها، أو إنتاج نسخة أولى من مادة قصيرة، ثم تقييم ما أنجزه المساعد والوقت الذي احتاجه الصحفي لتصحيحه.

وتبدأ النتيجة الجيدة من تكليف مفهوم، فعبارة “اصنع فيديو احترافيًا” تترك قرارات كثيرة مفتوحة، بينما يمنح تحديد الموضوع والمدة والجمهور والمقاطع الأساسية المساعد فرصة أفضل لتنفيذ المطلوب.

ويمكن أن يكون التكليف، مثلًا: “أعد مقطعًا مدته 90 ثانية من الملفات المرفقة، يشرح المشكلة ويعرض رد الجهة المعنية، واستخدم التسجيلات الأصلية فقط، واعرض ترتيب المشاهد قبل بدء المونتاج، ثم سلّم نسخة للمشاهدة وقائمة بتوقيتات المقاطع المستخدمة”.

بعد ذلك يراجع الصحفي الترتيب، ثم يشاهد النسخة الأولى ويقدم ملاحظات محددة، مثل تقصير المقدمة أو تقديم تصريح أو خفض الموسيقى أو إبقاء لحظة صمت، وتساعد هذه الملاحظات على توضيح التعديل المطلوب أكثر من تكرار عبارة “اجعله أفضل”.

ومن المفيد طلب ملف مشروع قابل للتعديل، إذا كانت الخدمة تستطيع توفيره، فهناك فرق بين استلام فيديو نهائي يمكن عرضه، واستلام مشروع يتيح للمونتير تغيير لقطة أو عنوان أو مستوى صوت من دون إعادة بناء العمل.

ولا تكتمل المراجعة بالتأكد من وضوح الصورة وسلامة الصوت، فالمونتاج يحدد أيضًا ما سيفهمه الجمهور، وقد يؤدي حذف كلمات قليلة إلى تحويل إجابة متحفظة إلى موقف قاطع، أو يوحي وضع لقطة رد فعل بعد تصريح بأنها التُقطت استجابة له، رغم أنها تعود إلى لحظة أخرى.

وتزداد أهمية هذه المراجعة في المقطع التشويقي، حيث تُستخدم الموسيقى والاختصار وترتيب المشاهد لإثارة الاهتمام، ويحتاج المنتج إلى التأكد من أن التشويق يعبّر عن الفيلم ولا يَعِد الجمهور بقصة مختلفة.

أما توفير الوقت والتكلفة فيُقاس عند الوصول إلى نسخة صالحة للنشر، فقد يُنتج المساعد الفيديو بسرعة ثم يستغرق تصحيحه وقتًا طويلًا، وقد ينجز مهمة محددة بدقة ويوفر جهدًا فعليًا، ولذلك لا توجد نسبة واحدة يمكن تعميمها على كل المواد.

تتيح هذه الأدوات للصحفي تفويض أجزاء من الإنتاج ومراجعة نتائجها عبر المحادثة، وتظل قيمتها العملية مرتبطة بما تنجزه بصورة صحيحة، وسهولة تعديل مخرجاتها، وإمكان العودة إلى المادة الأصلية للتحقق من اختياراتها، قبل اعتماد الصورة والصوت والمعنى للنشر.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي