من الوعد إلى التشغيل: معرض IBC يختبر أثر التكنولوجيا في الصحافة

معرض IBC يختبر أثر التكنولوجيا في الصحافة

Author

حين يفتح مركز “راي أمستردام” قاعاته في 11 سبتمبر 2026، سيتراجع السؤال الذي هيمن على الدورات السابقة: ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بصناعة الإعلام؟ وبدلًا منه، يطرح معرض IBC سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف يمكن تشغيل الأدوات التي أصبحت متاحة بالفعل؟

بحسب الجهة المنظمة، يعكس برنامج هذا العام صناعةً لم تعد تنتظر الابتكار المقبل، بل تبحث عن دمج التقنيات الجديدة في الإنتاج والتوزيع وتحقيق العائد منها. وهو تحول يضع الصحافة أمام اختبار مزدوج: تسريع صناعة الخبر، وحماية الثقة فيه في الوقت نفسه.

سوق تتسع وتتغير

يتوقع المنظمون استقبال نحو 45 ألف مشارك من أكثر من 170 دولة، وحضور قرابة 1300 عارض على مساحة تتجاوز 45 ألف متر مربع موزعة على 14 قاعة. كما يُشير ارتفاع الطلب على مساحات التقنيات الناشئة والتوزيع الرقمي مقارنة بالعام الماضي إلى المجالات التي تتجه إليها الاستثمارات.

ولا تكمن دلالة الأرقام في حجم المعرض وحده، بل في تنوع الشركات المشاركة؛ فإلى جانب شركات التصوير والبرمجيات والحوسبة المعروفة، تدخل للمرة الأولى شركات تعمل في التخزين السحابي والتجارة الإلكترونية وصناعة العدسات، بينما تعود شركات الطائرات المُسيَّرة بجناح يستهدف صنَّاع المحتوى. ويكشف هذا التنوع أن صناعة الإعلام لم تعد حكرًا على مؤسسات البث ومصنعي الكاميرات، بل باتت تمتد إلى كل شركة تملك أداة في سلسلة إنتاج المحتوى أو تخزينه أو توزيعه.

ويعزز المعرض هذا التحول بمبادرة تستضيف أكثر من 50 شركة ناشئة، إلى جانب برنامج للمواهب ومنصة مدفوعة لترتيب اللقاءات المهنية، مما يعكس سعيه إلى تجاوز دور سوق المعدات ليصبح مساحةً لبناء الشراكات والمعايير المهنية وتطوير الأفكار.

الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة التشغيل

يحضر الذكاء الاصطناعي في معظم مسارات المؤتمر، لكن بوصفه أداةً قيد الاستخدام لا وعدًا مستقبليًا. وتجمع الجلسة الافتتاحية إيلين فان دير فيلدن، مؤسِّسة شركة “بارتيكل 6″، مع الممثلة الافتراضية تيلي نوروود، لمناقشة أثر التقنيات التوليدية في الكتابة والإنتاج والأداء، والأسئلة التي تُثيرها حول الأصالة والتأليف وحدود الإبداع البشري.

وتنتقل بقية الجلسات إلى التطبيقات العملية؛ إذ يعرض متحدثون من “ريسبيتشر” و”برتلسمان” و”آي تي إن” استخداماتٍ للذكاء الاصطناعي التنبؤي والتوليدي والوكيل، فيما تشرح نائبة رئيس الإنتاج في “نتفليكس” آنا ماليت أثرَ الإنتاج الافتراضي والمونتاج السحابي والأدوات المؤتمتة في صناعة المحتوى، ويبحث مسؤول في “يوتيوب” فرصَ التعاون بين القنوات التقليدية والمنصات الرقمية.

وفي الخلفية، تناقش كلير إندرز، مؤسِّسة “إندرز أناليسيس”، موجةَ الاندماج والاستحواذ التي تُعيد رسم خريطة الصناعة، في إشارة إلى أن التحول التقني لا يُغيِّر أدوات العمل فقط، بل يُعيد توزيع النفوذ والملكية والموارد.

غرف الأخبار أمام اختبار الثقة

تحضر الصحافة في ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها مستقبل إنتاج الأخبار وإيصالها، عبر كلمة يُقدِّمها أليكس خارالامبيديس، المسؤول التقني في “سي إن إن”، عن إعادة بناء مراحل العمل الإخباري بالأدوات الجديدة.

أما المسار الثاني فيتناول أمن المحتوى وأصالته ومصدره، بمشاركة ممثلين عن “لا ليغا” و”غلوبو” و”غوغل”، لبحث طرق توثيق الصور ومقاطع الفيديو وإثبات منشئها في زمن المواد الاصطناعية والتضليل. وهي مسألة تمس جوهر العمل الصحفي، لأن سرعة إنتاج المحتوى لم تعد منفصلة عن سهولة تزييفه.

ويتناول المسار الثالث انتقال التلفزيون من البث التقليدي إلى التوزيع عبر بروتوكول الإنترنت، وما يفرضه ذلك من تغييرات في الاستراتيجية والتنظيم وتجربة الجمهور، بالتوازي مع أوراق بحثية عن أمن المحتوى وإثبات مصدره وفهرسته.

وإلى جانب هذه المسارات، يناقش المعرض صعود صنَّاع المحتوى بوصفهم منافسين للمؤسسات الإعلامية على الجمهور والإعلانات. وتكشف هذه الصورة عن معادلة صعبة أمام غرف الأخبار: أدوات إنتاج أسرع وأقل كلفة، يقابلها تراجع في الثقة ومنافسة أشد على انتباه الجمهور.

الحضور العربي ينتقل إلى المختبر

ارتبط الحضور العربي في المعرض طويلًا بأجنحة الأقمار الاصطناعية وشراء المعدات والخدمات، لكن دورة 2026 تحمل تحولًا مختلفًا؛ إذ تشارك “الجزيرة” و”إم بي سي” في برنامج لتطوير تسعة مشروعات ابتكارية مشتركة على مدى ستة أشهر، على أن تُعرض نتائجها خلال المعرض.

تشارك “الجزيرة” في مشروع “القصص الذكية” إلى جانب وكالة “أسوشيتد برس” و”إن بي سي يونيفرسال” و”بي بي سي” و”واشنطن بوست” ومؤسسات أخرى، ويهدف المشروع إلى وضع معيار مفتوح لتبادل سياق القصة عبر مراحل الإنتاج الإخباري، من جمع الأخبار إلى البث، مع إبقاء القرار التحريري في يد الإنسان.

أما “إم بي سي” فتشارك مع مجموعة “أسترو” الماليزية في مشروع لمنصة تعتمد على الذكاء الاصطناعي الوكيل لأتمتة سير البث المباشر، وإتاحة التخصيص الفوري وابتكار مصادر دخل للبث الرياضي والحي.

ينقل هذا الحضور المؤسستين — جزئيًا على الأقل — من موقع مستهلِك التكنولوجيا إلى شريك في تطوير أدواتها ومعاييرها. وتبرز أهمية مشاركة “الجزيرة” تحديدًا لأن المشروع يتصل بغرفة الأخبار وبناء القصة الصحفية، لا بمعدات البث وحدها.

ومع ذلك، لا يزال الحضور العربي محدودًا على منصات النقاش الرئيسية؛ فحتى منتصف أغسطس لم تظهر مؤسسة عربية ضمن الكلمات الأساسية المُعلَنة، ولا بين أبرز المتحدثين في جلسات الرياضة، رغم ثقل المنطقة في شراء الحقوق والإنفاق على البث الرياضي. وقد تتغير القائمة مع اكتمال البرنامج، كما أن الغياب عن المنصة لا يعني الغياب عن المفاوضات والتأثير خلف الأبواب المغلقة.

تكشف دورة 2026 أن الصناعة تجاوزت مرحلة الانبهار بالتقنيات الجديدة إلى اختبار جدواها ومسؤوليتها. وبالنسبة إلى الصحافة العربية، تبدو الخطوة الأهم هي الانتقال من شراء المستقبل جاهزًا إلى المشاركة في تصميمه، ليس فقط داخل المختبرات التقنية، بل أيضًا على المنصات التي تُحدِّد أولويات الصناعة وقواعدها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي