في الثلاثين من يوليو 2026، تحولت سبتة، المدينة التي تديرها إسبانيا على الساحل الشمالي للمغرب، إلى خبر عالمي بعد عبور عشرات الآلاف من الأشخاص إليها برًا وبحرًا، وقدّرت السلطات الإسبانية العدد لاحقًا بنحو 72 ألفًا، فيما بلغت الوفيات المعلنة بحلول 21 أغسطس ما لا يقل عن 96 شخصًا على الجانبين وفق حصيلة نشرتها وكالة رويترز، وسط أسئلة عن ملابسات الموت، وطريقة تعامل قوات الأمن، وظروف إعادة معظم العابرين إلى المغرب.
لكن جزءًا من التغطية العربية لم يبدأ من هذه الأسئلة، بل من قاموس الحرب والكوارث، فقد عنون موقع “العربية” مادته بعبارة “اقتحام جماعي للحدود”، وسأل موقع “الحدث” عن سبب هذا “الاجتياح”، بينما اختارت “سكاي نيوز عربية” عنوان “سبتة تحت الضغط”، وتكررت صور الحشود من أعلى، والجنود، والأسوار، والأجساد التي تسبح نحو الشاطئ، وبذلك تراجع الإنسان إلى خلفية المشهد، بينما صار العدد هو الشخصية الرئيسية في القصة.
لا يعني ذلك أن الإعلام العربي كتلة واحدة، فقد نشرت منابر عربية مواد عن القاصرين وظروف الإيواء، وظهرت محاولات للاقتراب من دوافع العابرين، كما نُشر نقد صريح للغة “الغزو” التي استخدمها إعلام وسياسيون أوروبيون، لكن المفارقة تظل قائمة، فبعض الصحف العربية قد تتعامل مع المهاجر العربي أو الأفريقي بالنبرة نفسها التي تستخدمها صحافة اليمين المتطرف في أوروبا، حتى لو لم تتبنى أيديولوجيته صراحة.
المشكلة هنا ليست في نوايا الصحفيين بقدر ما هي في أثر الإطار الذي يختارونه، فكلمة “غزو” لا تصف حركة أشخاص فحسب، بل تضع القارئ تلقائيًا أمام عدو جماعي، وكلمة “اجتياح” تستدعي ردًا عسكريًا، أما تشبيه البشر بالسيول أو الأسراب فيسلبهم فرديتهم ويجعل القسوة تجاههم أكثر قابلية للتبرير.
مفارقة النصائح القادمة من الغرب
بعد أعمال عنف شهدتها مدينة باليمينا في إيرلندا الشمالية، وضعت مؤسسة أهلية مجموعة إرشادات لتغطية اللجوء والهجرة، بمشاركة لاجئين وطالبي لجوء وأفراد من أقليات عرقية، وكانت أبرز رسائلهم للصحفيين بسيطة، لا تجعلونا “آخرين”، ولا تأتوا إلينا فقط وقت الأزمة، ولا تختزلونا في الجنسية أو الوضع القانوني، فنحن أعضاء في المجتمع ويمكن أن نتحدث في السياسة والعمل والتعليم والفن، لا في الهجرة وحدها.
قد تبدو هذه الإرشادات آتية من الإعلام الغربي الذي تستقبل بلدانه المهاجرين، لكن قيمتها لا تأتي من منشئها الجغرافي، بل من كونها مراجعة لأضرار ساهم الإعلام الغربي نفسه في صنعها، والاستفادة منها عربيًا ليست انبهارًا بنموذج أجنبي، بل محاولة لمنع غرف أخبارنا من تكرار أخطائه أو استنساخ خطاب أقصى اليمين عند الحديث عن بشر ينتمون في أحيان كثيرة إلى مجتمعاتنا نفسها.
وتكشف تجربة سبتة أن الحاجة العربية إلى هذه المراجعة لا تقل عن الحاجة الأوروبية، ففي التغطية العاجلة غلب إطاران على القصة، إطار أمني يرى أسوارًا وجنودًا وأعدادًا، وإطار دبلوماسي يتعامل مع المهاجرين كورقة ضغط بين المغرب وإسبانيا، بينما ظل الإطار الإنساني أضعف نسبيًا، وتراجعت أسئلة من ماتوا، ومن فُقدوا، ومن كانوا أطفالًا، ولماذا خاطروا بالسباحة، وما إذا أتيحت لطالبي الحماية فرصة لعرض حالاتهم بصورة فردية.
اثنتا عشرة قاعدة لتغطية أكثر مسؤولية
1. ابدأ بالسؤال الصحفي لا بالتصنيف
قبل النزول إلى الميدان، حدّد ما الذي تحاول القصة كشفه، هل تبحث في أسباب حركة مفاجئة عبر الحدود، أم في شبكات التهريب، أم في أداء السلطات، أم في أوضاع الاستقبال، أم في مصير الأطفال، فغياب السؤال الواضح يدفع التغطية إلى أسهل قالب، وهو تصوير حشود ووضع رقم كبير في العنوان.
2. استخدم المصطلح الذي يصف الوضع لا الذي يدين الشخص
لا تستخدم “مهاجر غير شرعي”، لأن الشخص ليس غير شرعي، والأدق هو “مهاجر في وضع غير نظامي” أو “دخول غير نظامي” بحسب الحالة، ولا تخلط بين المهاجر وطالب اللجوء واللاجئ والنازح، فطالب اللجوء يطلب حماية ولم يُحسم طلبه بعد، واللاجئ فرّ من خطر أو اضطهاد ولا يستطيع العودة بأمان، أما النازح فانتقل داخل حدود بلده.
وينبغي كذلك التمييز بين تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، فالأول يرتبط عادة بتسهيل عبور غير نظامي مقابل منفعة، بينما يقوم الثاني على الاستغلال أو الإكراه وقد يحدث من دون عبور حدود، والخلط بينهما يفسد القصة وقد يعرّض الضحايا لمزيد من الخطر.
3. اختبر لغة العنوان كما تختبر صحة الرقم
اسأل قبل نشر كلمات مثل “غزو” و”اجتياح” و”طوفان” و”أسراب”، هل تضيف معلومة أم تصنع خوفًا، ولا يكفي وضع الكلمة بين علامتي تنصيص إذا كان العنوان سيُقتطع ويُتداول منفصلًا عن سياقه، وإذا كانت العبارة صادرة عن سياسي، فانسبها إليه بوضوح، وقدّم في المتن ما يختبرها بدل أن تتحول غرفة الأخبار إلى مكبر صوت لها.
4. ضع الأرقام في سياقها ولا تحولها إلى مشهد رعب
كل رقم يحتاج إلى مصدر وتوقيت وطريقة تقدير، وفي الأزمات السريعة قد تتغير الأعداد بين ساعة وأخرى، لذلك يجب التمييز بين من حاولوا العبور، ومن دخلوا، ومن عادوا، ومن بقوا، ومن ماتوا أو فُقدوا، كما ينبغي إظهار الخلاف بين تقديرات السلطات والمنظمات إن وُجد، فعبارة “عشرات الآلاف” من دون سياق قد تكون صحيحة حسابيًا لكنها ناقصة صحفيًا.
5. لا تجعل الجنسية تفسيرًا تلقائيًا للسلوك
قد تكون جنسية الشخص ضرورية لفهم مسار الهجرة أو وضعه القانوني، لكنها لا تفسر الجريمة ولا الفقر ولا العنف بذاتها، وإذا وقعت اعتداءات أو جرائم في مراكز الاستقبال، يجب تغطيتها بدقة ومن دون إخفاء، لكن المسؤولية تُنسب إلى مشتبه بهم أو متهمين محددين، لا إلى قومية كاملة، فالتستر ليس مهنية، والتعميم ليس مهنية أيضًا.
6. عامل المهاجر مصدرًا لا قطعة مصورة
لا تكتف بسؤال العابر عن لحظة السباحة أو الخوف، بل اسأله عن حياته قبل الرحلة، والعمل الذي كان يؤديه، والديون التي تحملها، والمعلومات التي تلقاها، والقرارات التي اتخذها، وما الذي يريده الآن، فهذه الأسئلة تعيد إليه القدرة على الفعل ولا تحصره في دور الضحية أو الخطر.
ولا تجعل صوته مجرد جملة عاطفية بين تصريحات وزارات الداخلية، فالتوازن الحقيقي لا يعني مساواة آلية بين المصادر، بل منح كل طرف مساحة تناسب علاقته بالوقائع، واختبار رواية السلطة كما تُختبر رواية المهاجر والمهرب والشاهد.
7. ابنِ الثقة قبل تشغيل آلة التسجيل
عرّف بنفسك وبوسيلتك بوضوح، واشرح أين ستُنشر المادة وكيف يمكن أن تنتشر خارج المنصة الأصلية، وحدد ما إذا كان الحديث مسجلًا أو غير مخصص للنشر، واسأل الشخص كيف يريد أن يُعرّف، ولا تعده بإقامة أو مساعدة قانونية أو نتيجة لا تملكها، ولا تربط تقديم مساعدة إنسانية بقبوله إجراء مقابلة.
ولا تبدأ مقابلة مع شخص خرج لتوه من البحر أو تظهر عليه إصابة أو صدمة قبل حصوله على الإسعاف والماء والأمان، ولا تعطل وصوله إلى المساعدة طلبًا للقطة أو إجابة، فالرفض أو الصمت حقان كاملان وليسا عقبتين ينبغي للصحفي التحايل عليهما.
وعند الحاجة إلى مترجم، اختر شخصًا مستقلًا قدر الإمكان، وتجنب إجراء المقابلة أمام الشرطة أو أفراد قد يسيطرون على حركة المهاجر، لأن الموافقة التي تُمنح تحت الخوف أو التبعية ليست موافقة حرة، كما ينبغي إعادة التأكد منها إذا تغير شكل المادة أو اتسع نطاق نشرها.
8. قدّم السلامة على قوة المشهد
قد يؤدي نشر الوجه أو الاسم أو مكان الإقامة إلى كشف شخص لسلطات أو شبكات تهريب أو جماعات عنيفة، وقد تؤثر التفاصيل في طلب لجوء لم يُحسم، لذلك اسأل إن كانت الهوية ضرورية للمصلحة العامة، واستخدم إخفاء الملامح أو الاسم المستعار عند الحاجة، واحذف العلامات التي تكشف الموقع، ولا تنشر مسارات يستخدمها آخرون بطريقة تحول التقرير إلى دليل للمهربين أو لقوات الملاحقة.
ولا تصوّر وثائق الهوية أو شاشات الهواتف أو الرسائل العائلية قبل موافقة صريحة وبعد حجب الأسماء والأرقام والمواقع، فالتفصيل الذي يبدو للصحفي دليلًا بصريًا قد يتحول بعد النشر إلى وسيلة لتعقب صاحبه أو ابتزازه.
9. امنح الأطفال حماية مضاعفة
الطفل غير المصحوب بذويه ليس صورة مثيرة ولا اختصارًا للأزمة، ولا ينبغي كشف هويته أو دفعه إلى استعادة الصدمة أمام الكاميرا لمجرد الحصول على شهادة مؤثرة، ويجب التحقق من صفة الشخص الذي يمنح الموافقة نيابة عنه، والتشاور مع مختص في حماية الطفل حين يكون النشر محتمل الضرر، فالمعيار الأول هو مصلحة الطفل لا فرادة اللقطة.
10. افصل بين المؤكد والمجهول والشائعة
أثناء أزمة سبتة في 2026، أعيد تداول مقطع مصور من أحداث 2021 على أنه يوثق فتح بوابة الحدود في الواقعة الجديدة، وهو مثال على قدرة المواد القديمة على إشعال اتهامات سياسية حديثة، لذلك ينبغي التحقق من التاريخ والمكان والمصدر الأصلي، وعدم إعادة نشر الشائعة كاملة لمجرد نفيها، مع تقديم ثلاث خانات واضحة للقارئ، ما نعرفه، وما لا نعرفه، وما الذي نتحقق منه.
11. راجع الصورة وزاوية الكاميرا والتعليق
اللقطة الجوية الواسعة مفيدة لإظهار الحجم، لكنها حين تصبح الصورة الوحيدة تحول البشر إلى كتلة مجهولة، وصور السباحة والأسوار والشرطة قد تعزز إطار “الهجوم” حتى لو كان النص متوازنًا، لذلك تحتاج التغطية إلى تنوع بصري يحفظ الكرامة ويظهر الأفراد والسياق والحياة اليومية، من دون استغلال الألم أو تجميله.
ويجب ألا يعيد الأرشيف تدوير صورة قارب أو حدود كلما وردت كلمة هجرة، فالصورة القديمة قد توحي بزمان ومكان وحجم لا علاقة لها بالخبر، كما أن التعليق ينبغي أن يذكر ما نعرفه فعلًا، لا أن يحول الافتراض إلى حقيقة.
12. لا تغادر حياة المصدر بعد النشر
قد تُقتطع المقابلة وتنتشر خارج سياقها، وقد يتعرض صاحبها للتهديد أو الوصم، لذلك يجب التواصل معه بعد النشر، وشرح أي تعديل مهم، والاستجابة سريعًا إذا ظهر خطر لم يكن متوقعًا، وإرشاده إلى جهة دعم موثوقة عند الحاجة، من دون أن تتحول الصحافة إلى بديل عن المحامي أو الأخصائي.
وتحتاج غرفة الأخبار كذلك إلى مراجعة سنوية لأرشيفها، كم مرة ظهر المهاجرون في سياق جريمة أو أزمة، وكم مرة ظهروا في قصص العمل والتعليم والاندماج والفن، ومن يتحدث باسمهم، وما الصور الأكثر تكرارًا، فهذه المراجعة تكشف الانحياز البنيوي الذي لا يظهر عند فحص مادة واحدة.
أسئلة لا بد منها قبل النشر
يمكن للمحرر أن يوقف المادة دقائق قليلة ويسأل: هل يصف العنوان واقعة أم يثير ذعرًا، هل مصدر الرقم واضح، هل خلطنا بين مهاجر وطالب لجوء ولاجئ، هل للجنسية صلة حقيقية بالقصة، هل تحدثنا إلى الأشخاص المعنيين أم اكتفينا بالشرطة، هل كانت موافقتهم واعية، هل تكشف الصورة هوية أو موقعًا حساسًا، هل تحققنا من تاريخ المقاطع المتداولة، هل فصلنا بين المؤكد والمجهول، وهل لدينا خطة للتواصل مع المصادر بعد النشر.
هذه الأسئلة لا تمنع الصحفي من وصف ضغط حقيقي على مدينة صغيرة، ولا تلزمه بتجاهل الجرائم أو صعوبات الاستقبال أو مسؤولية الحكومات وشبكات التهريب، لكنها تمنع أن يصبح الخوف بديلًا عن التحقق، وأن تتحول اللغة إلى إدانة جماعية، وأن تُمنح الرواية الرسمية حصانة من المساءلة.
الصحافة المسؤولة ليست دعاية للهجرة
تغطية الهجرة بإنصاف لا تعني تأييد فتح الحدود، كما أن نقد سياسات الاستقبال لا يعني تبرئة المهربين أو تجاهل مخاوف السكان، والمهنية هنا هي القدرة على حمل أكثر من حقيقة في الوقت نفسه، فقد تواجه المدينة ضغطًا فعليًا، وقد تكون السلطات مطالبة بحماية الحدود، ويظل كل عابر إنسانًا صاحب حقوق لا يجوز تعريضه للموت أو الإهانة أو الإعادة القسرية.
تكشف سبتة أن المعركة الصحفية تبدأ من الكلمة الأولى، فعندما يستعير الإعلام العربي مفردات “الغزو” من أقصى اليمين الأوروبي، لا يصبح أكثر واقعية، بل يتخلى عن المسافة النقدية التي تميزه عن الدعاية، أما التغطية الجيدة فترى الحدود والسياسة والأمن، لكنها لا تسمح لهذه العناصر بأن تمحو الإنسان الواقف في قلب القصة.

