في كلمة بالإنجليزية أمام المؤتمر الدولي لمناهضة الحرب في لندن مطلع يوليو 2026، قال مصطفى البرغوثي، الأمين العام لـ«المبادرة الوطنية الفلسطينية»، إن إسرائيل «قتلت بكل وحشية وإجرام ما لا يقل عن 22 ألف طفل فلسطيني» في غزة، وإن إنقاذ 82 ألف مولود جديد ما زالوا على قيد الحياة «ليس مجرد عمل إنساني، بل هو مقاومة»، داعياً جمهوره الأوروبي إلى دعم استراتيجية الصمود ورفض التهجير.
غير أن الصيغة التي انتشرت على المنصات بين 4 و5 يوليو مختلفة: «قتلوا 22 ألف طفل، لكن غزة أنتجت 82 ألف طفل خلال سنتين ونصف، وهذه معجزة». تحريفٌ ثلاثي في جملة واحدة: سقط اسم إسرائيل فاعلاً للقتل، وسقط سياق التهجير والصمود، وحلّت «أنتجت» و«معجزة» محل «إنقاذ» و«مقاومة». وعلى هذه الصيغة — لا على النص — بُنيت الحملة كلها. هذا التقرير يوثّق مسارها من حسابات الإطلاق إلى المنبرين اللذين احتضناها، ويفحص سجلّ أصواتها.
الإطلاق: حسابات ذات سجلّ موثَّق
انطلق تدوير المقطع المجتزأ من صفحات وحسابات معروفة بخصومتها مع خط المقاومة، في مقدمتها — بحسب معطيات متداولة أوردتها «شبكة الصحافة الفلسطينية» و«سواليف» — عصمت منصور وجمال نزال، إلى جانب حسابات ترتبط بما يُعرف بـ«شبكة أفيخاي» وحسابات وهمية تُنسب إلى جهات أمنية في السلطة الفلسطينية.
فمنصور — الأسير المحرر المتحوّل محللاً دائماً للشأن الإسرائيلي على شاشات «العربية» و«الحدث» و«سكاي نيوز عربية» — أصدرت اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل (BDS) في 27 أغسطس 2025 بياناً رسمياً يدين حواره «التطبيعي» مع السياسي الإسرائيلي أبراهام بورغ، الرئيس الأسبق للكنيست، عبر بودكاست «ما بعد السابع» التابع للعربية/الحدث، معتبرةً اللقاء مخالفة صريحة لمعايير مناهضة التطبيع الإعلامي وتلميعاً لرموز صهيونية أمام الرأي العام العربي — والبيان منشور على الموقع الرسمي للحركة.
كما وثّقت «شبكة الصحافة الفلسطينية» وصفه السابق ليحيى السنوار بـ«عديم الرحمة». وأما نزال — المتحدث باسم حركة «فتح» في أوروبا — فقد نشر يوم 7 يوليو نفسه، في ذروة الحملة، منشوراً يهاجم غزة ومقاومتها ويزعم أن المستوطنات «لا تشغل سوى 3% من الضفة الغربية»، فتلقّى موجة تكذيب واسعة — وهو ادعاء تدحضه خرائط الأمم المتحدة (OCHA) التي تُظهر أن مساحة نفوذ المستوطنات ومجالسها الإقليمية تتجاوز ذلك أضعافاً، فضلاً عن سيطرة إسرائيل الكاملة على مناطق (ج) البالغة نحو 60% من الضفة.
من الحسابات إلى المنابر: منبران في 24 ساعة
التحول النوعي في الحملة لم يكن اتساعها الرقمي، بل انتقالها خلال يوم واحد من الحسابات إلى منبرين إعلاميين. المنبر الأول منصة «رصيف22». نشرت المنصة مقال رأي بتوقيع سعد الغازي — كاتب من غزة معروف بمقالاته الناقمة على حركة حماس — بعنوان: «مصطفى البرغوثي… كيف توظّف قتل إسرائيل 22 ألف طفل فلسطيني في مشروعك السياسي؟». المقال يفتتح بالصيغة المجتزأة لا بالنص الأصلي، ويأخذ على البرغوثي أنه «جهّل» القاتل — وهو ما ينفيه النص الكامل الذي سمّى إسرائيل صراحة — ثم يصعّد من نقد العبارة إلى نزع الأهلية الأخلاقية والسياسية: من وصف منطق العبارة بتحويل «المرأة إلى ماكينة تفريخ»، إلى السخرية من «يساري يصلي العصر خلف إسماعيل هنية»، إلى اتهامه بـ«تملّق حماس ومموّليها» والوقوف «عند من يستطيعون الدفع مقابل التصريح»، وصولاً إلى مطالبة منظمة التحرير بالاعتذار عن «هذا الطبيب السياسي اليساري».
روّجت المنصة المقال على صفحاتها بسؤال تحريضي الصياغة: «هل سمعتم قبل اليوم بطبيب يواسي الفاقدين لفلذات أكبادهم بهذه الطريقة؟» — أي أن الترويج تبنّى أطروحة المقال ولم يكتفِ بعرضها.
المنبر الثاني أخطر دلالةً: افتتاحية صحيفة «الحياة الجديدة» — صحيفة السلطة الفلسطينية الرسمية — المنشورة في 7 يوليو بتوقيع «رئيس التحرير» تحت عنوان «حماية اللغة لحماية السردية».
الافتتاحية تبنّت موجة الغضب على البرغوثي، وقرنته بخالد مشعل الذي «توغل في إهانة المعنى» حين وصف خسائر غزة بالتكتيكية، وختمت بوصف مخالفيها بـ«الأدعياء والسماسرة… وقراء الكراريس الحزبية». واللافت توثيقياً أمران: أن الافتتاحية أوردت تصريح البرغوثي بالصيغة المتداولة المحرَّفة: «غزة أنتجت… 82 ألف طفل»، لا بنصه الأصلي، وأنها وصفت المناسبة بأنها «مقابلة مرئية»، بينما هي كلمة في مؤتمر دولي بلندن داعم لغزة — أي أن صحيفة رسمية بنت افتتاحيتها على الرواية المجتزأة نفسها من دون العودة إلى المصدر.
ووثّقت الافتتاحية ذاتها أعنف أصوات الحملة: وزير العدل الأسبق فريح أبو مدين برد وصفته بأن كلماته «يصعب إيرادها»، متوعداً بألا يمكّن البرغوثي «من أن يرى غزة مرة أخرى»؛ وعضو المكتب السياسي لحزب الشعب وليد العوض الذي رأى في العبارة اقتراباً «من منطق الجلاد الذي يحوّل الإنسان الفلسطيني إلى رقم»؛ فيما جاء تعقيب الحقوقي صلاح عبد العاطي أهدأ نبرةً وأقربَ إلى النقد القانوني، محذراً من أي تعبير يحوّل الأطفال إلى «أرقام قابلة للتعويض» لما في ذلك من إضعاف للسردية الحقوقية لجريمة الإبادة.
بذلك اكتمل المشهد خلال 24 ساعة: حملة أطلقتها حسابات معروفة بخصومة خط المقاومة، وجدت منبرها الأول في منصة عربية تقدَّم بوصفها مستقلة، ومنبرها الثاني — وهو الأخطر — في الصحيفة الرسمية للسلطة الفلسطينية، التي منحت الرواية المجتزأة أول تبنٍّ مؤسسي معلن، ومعه تهديدٌ صريح من وزير سابق بحرمان الرجل من دخول غزة.
قراءة النمط وحدود الإثبات
قائمة من هاجموا البرغوثي في هذه الواقعة تكاد تتطابق مع قائمة من اعتادوا خصومة خط المقاومة: منصور ونزال في الإطلاق بحسب تقارير الرصد، والغازي في التنظير، وأبو مدين وافتتاحية صحيفة السلطة في التتويج الرسمي. وكلها أصوات سبق لها الاشتباك مع مواقف الرجل، خصوصاً بعد وقوفه ضد ملاحقة مقاومي جنين، حين تلقى في يناير 2025 بيان تهديد مزوَّراً باسم «فتح/العاصفة» توعّده بالاعتداء الجسدي، وطالبت «المبادرة» يومها السلطةَ وأجهزتها بملاحقة مصدّريه من دون نتيجة معلنة.
وتزيد الواقعة الحالية على سوابقها بعنصر جديد: فللمرة الأولى تنتقل الحملة من الحسابات المجهولة إلى منبر رسمي معلن، بعدما كانت موجة أبريل 2025 — عقب انتقاده الإمارات — هي الوحيدة المعلنة المصدر، وارتدّت يومها على أصحابها بحملة تضامن مضادة.

