حين يبحث المشاهد اليوم عن حلقات برنامج “مع هيكل”، لا تقوده قناة الجزيرة التي أنتجت البرنامج إلى أرشيف متكامل ومنظم، بل يجد نفسه أمام حلقات متناثرة ومقاطع متفرقة، بينما تتوافر أجزاء واسعة من السلسلة على قنوات أنشأها أفراد في “يوتيوب”، بعضهم اضطر إلى رفع حلقات صوتية بعدما تعذر عليه الحصول على تسجيلات الفيديو.
امتدت السلسلة إلى نحو 160 حلقة، توزعت على مجموعات موضوعية من بينها “علامات” و”أيام يوليو” و”ولادة عسيرة” و”زمن الخطة ألفا” و”زمن الحرب”، لكنها لا تظهر على الواجهة العامة لموقع الجزيرة بوصفها عملًا متكاملًا يسهل البحث داخله أو استعادته بالتسلسل الذي أُنتج به.
هذه ليست مجرد مشكلة في تصميم موقع إلكتروني، بل مثال على طريقة تعامل قنوات عربية كبرى مع إنتاجها القديم، فالمادة التي كلّفت وقتًا ومالًا وجهدًا صحفيًا تبقى مبعثرة، أو تُدفن داخل صفحات قديمة، أو تُترك لمتطوعين يحفظون منها ما يستطيعون.
وإذا كان الجمهور قادرًا أحيانًا على إنقاذ برنامج بُث كاملًا، فإن الخسارة تصبح أفدح عندما تتعلق بالمادة الخام التي لم يشاهدها أحد، مثل الساعات الكاملة لمقابلة اختُصرت إلى دقائق، أو اللقطات التي صوّرها مراسل في موقع حدث ثم استخدمت منها ثوان قليلة، أو الشهادات التي دخلت في فيلم وثائقي قبل أن تختفي بقية تسجيلاتها داخل مخازن القناة.
هنا تظهر المشكلة الأساسية في أرشيف القنوات العربية، فهي تنتج أحيانًا صورًا وشهادات لا يملكها سواها، ثم تتعامل معها باعتبارها مادة للاستخدام العاجل، لا أصلًا صحفيًا ينبغي حفظه وفهرسته وإتاحته لإنتاجات لاحقة.
اللقطة التي ابتلعها المونتاج
يعرف العاملون في الأفلام الوثائقية قيمة المادة الخام المصورة قبل المونتاج، إذ قد يصوّر فريق العمل ساعات كاملة ليستخدم منها دقائق معدودة في النسخة النهائية، بينما تبقى غالبية المادة خارج الفيلم.
ما يستبعده المونتير اليوم لأنه لا يخدم بناء التقرير قد يصبح بعد سنوات وثيقة تاريخية، فاللقطة التي بدت عادية لحظة تصويرها قد تكشف لاحقًا تفصيلًا في المكان، أو وجهًا لم يكن معروفًا، أو شهادة تتغير قيمتها بعد تطور الأحداث.
وينطبق ذلك على الأخبار بصورة أكثر وضوحًا، فالمراسل الذي يصوّر ساعة في موقع حرب أو احتجاج أو كارثة قد يبث منها دقيقتين فقط، لكن الدقائق الثماني والخمسين المتبقية قد تحمل مشاهد لا توجد لدى أي مؤسسة أخرى.
إذا حُفظت هذه المادة من دون بيانات تصف مكانها وتاريخها ومصدرها وموضوعها وحقوق استخدامها، فإن وجودها على خوادم القناة لا يعني بالضرورة إمكان استعادتها، فالأرشيف الذي لا يمكن البحث داخله يتحول مع مرور الوقت إلى مخزن مغلق لا يعرف أحد على وجه الدقة ما يحتويه.
وتقدم مجموعة “هيرست ميتروتون” المحفوظة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس نموذجًا مختلفًا، إذ تضم أكثر من 27 مليون قدم من الأفلام الإخبارية، وتشمل الأخبار التي لم تُبث واللقطات المحذوفة من التقارير، بوصفها جزءًا أصيلًا من الذاكرة المصورة وليست بقايا إنتاج انتهت مهمته.
مادة حصرية بلا مفتاح
تعرض القنوات العربية يوميًا مواد تحت عناوين مثل “مشاهد حصرية” و”مقابلة خاصة” و”تقرير من داخل الحدث”، لكن صفة الحصرية غالبًا ما تنتهي بانتهاء دورة الخبر.
في الواجهة الرقمية لـ”التلفزيون العربي”، على سبيل المثال، أقسام مخصصة للمقابلات والتقارير والوثائقيات، ومن بين ما نشرته القناة مشاهد خاصة من داخل مخيم جباليا خلال الحصار، توثق حجم الدمار في ظرف بالغ الصعوبة.
تظهر هذه المشاهد للجمهور داخل تقرير إخباري مرتبط بيوم نشره، لكن طريقة العرض العلنية لا تقدمها بوصفها أصلًا بصريًا مستقلًا يمكن الوصول إليه من خلال المكان والتاريخ والمصور والموضوع، فإذا احتاج إليها محرر أو باحث بعد سنوات، فعليه أولًا أن يعرف أنها موجودة، ثم أن يعثر على التقرير الذي ذابت داخله.
لا يثبت ذلك غياب نظام داخلي لدى القناة لحفظ المواد الخام، لكنه يكشف الفارق بين امتلاك التسجيل وإتاحته بوصفه أرشيفًا قابلًا للاستخدام، وهي فجوة تتكرر بدرجات مختلفة على المنصات الرقمية لقنوات عربية أخرى.
البث العاجل ينتج ذاكرة سريعة التلف
تواجه القنوات الإخبارية المستمرة، مثل “الحدث” و”سكاي نيوز عربية”، تحديًا أكبر بسبب الساعات الطويلة من التغطيات الحية التي تنتجها يوميًا.
تحتوي هذه التغطيات على لحظات أولى لا يمكن إعادة تصويرها، لكن سرعة البث نفسها تجعل فقدانها أسهل، فإذا انتقلت ساعات الإرسال إلى التخزين من دون تقسيمها إلى أحداث ومشاهد وشهادات، يصبح العثور على دقيقة محددة منها بعد شهور مهمة شاقة.
وتزيد أولوية إنتاج المقاطع القصيرة للمنصات الرقمية من هذه المشكلة، فالمؤسسات تستثمر في إعداد نسخ سريعة قابلة للتداول، بينما لا يظهر بالوضوح نفسه حجم الاستثمار في وصف المادة الأصلية وحفظ سياقها وربط المقاطع المختصرة بالمصدر الكامل الذي أُخذت منه.
لا تكمن الأزمة هنا في قصر الفيديو، بل في أن يصبح المقطع المنشور هو النسخة الوحيدة التي يمكن الوصول إليها، بينما تضيع المقابلة الكاملة أو التسجيل الأصلي أو المعلومات المتعلقة بظروف التصوير.
منصات حديثة بذاكرة إخبارية محدودة
تبدو المفارقة أوضح لدى مؤسسات كبيرة مثل الجزيرة والتلفزيون العربي، إذ استثمرت القناتان في منصات للبث عند الطلب، وقدمتا محتواهما داخل واجهات حديثة تحاكي منطق المنصات الترفيهية، لكن هذا التحول لم يمتد بالقدر نفسه إلى أرشفة الإنتاج الإخباري وإتاحته.
تركز هذه المنصات على المحتوى المكتمل والمؤطر في صورة برامج وسلاسل وأفلام وثائقية، وهي منتجات يسهل تصنيفها وتقديمها للمشاهد في مواسم وحلقات، بما يسمح للقناة بمنافسة منصات المشاهدة على وقت الجمهور واهتمامه، أما التغطيات الحية والمقابلات الإخبارية والمواد الخام والتقارير اليومية، فغالبًا ما تبقى مرتبطة بتاريخ بثها أو تذوب داخل تدفق إخباري يصعب استعادته لاحقًا.
تكشف هذه المقارنة أن امتلاك منصة رقمية لا يعني بالضرورة امتلاك أرشيف إخباري حقيقي، فالمنصة قد تكون متطورة في عرض البرامج والوثائقيات، لكنها لا تمنح الباحث أو الصحفي الأدوات نفسها للبحث في الوقائع والشهادات واللقطات بحسب التاريخ والمكان والشخص والموضوع.
والنتيجة أن القنوات تعيد تقديم الجزء الأكثر قابلية للمشاهدة والتسويق من إنتاجها، بينما تظل المادة الإخبارية، وهي الأكثر اتصالًا بذاكرة المنطقة وتحولاتها، أقل حضورًا وتنظيمًا، وكأن وظيفة المنصة هي منافسة المحتوى الترفيهي أكثر من حماية السجل الإخباري للمؤسسة وإتاحته.
حفظ بعض البرامج يكشف إمكان تفادي الخسارة
لا تتعامل القنوات مع جميع إنتاجاتها القديمة بالطريقة نفسها، وتكشف الجزيرة نفسها عن مثال مضاد في برنامج “سري للغاية” الذي قدمه يسري فودة منذ عام 1998.
فعلى الرغم من مغادرة فودة القناة عام 2009، ظلت حلقات من البرنامج متاحة عبر منصات الجزيرة، وانتقل جزء من أرشيفه إلى “الجزيرة 360″، وهو ما يثبت أن الحفاظ على البرنامج وإعادة تقديمه ممكنان عندما تضع المؤسسة أرشيفها ضمن أولوياتها.
لكن المقارنة بين سهولة العثور على “سري للغاية” وتشتت حلقات “مع هيكل” تكشف غياب سياسة معلنة ومتسقة لإتاحة الإنتاج القديم، فالمشكلة لا تبدو مرتبطة بالعجز التقني وحده، بل بالطريقة التي تختار بها المؤسسة ما تعيد تقديمه وما تتركه داخل مخزون يصعب على الجمهور والباحثين الوصول إليه.
حين يتحول الإهمال إلى فقدان نهائي
قد يبدو الأرشيف غير المفهرس مشكلة تخص الباحثين وصناع الأفلام، لكن تجارب المنطقة تثبت أن المادة التي لا تُنسخ وتحفظ في أكثر من مكان يمكن أن تختفي بالكامل.
بعد سقوط النظام السوري أواخر عام 2024، بدأت تظهر على المنصات الاجتماعية تسجيلات من الأرشيف الرسمي لم تكن متاحة للجمهور من قبل، من بينها مقابلات ومشاهد للرئيس السابق حافظ الأسد مع قادة عرب، وأثار ظهورها نقاشًا حول مصير مئات آلاف الساعات من الذاكرة السورية التي بقيت لسنوات حبيسة مؤسسة مغلقة، من دون فهرس عام أو قواعد واضحة للإتاحة.
وفي غزة، دُمّر الأرشيف المركزي أواخر عام 2023، وفُقد جزء كبير من مواده، ليقدم مثالًا أكثر قسوة على أن الحفظ في موقع واحد لا يكفي، وأن المادة التي لا تملك نسخًا رقمية موزعة وآمنة قد تتحول إلى رماد في حادث واحد.
خسارة تحريرية وتاريخية ومالية
تدفع المؤسسات الإعلامية ثمن هذا الإهمال داخل غرف أخبارها، فالمحرر الذي لا يستطيع الوصول سريعًا إلى لقطات سابقة يضطر إلى إنتاج تقارير بلا سياق بصري كاف، أو اللجوء إلى مواد متداولة لا تعرف حقوقها أو مصادرها بدقة.
ويخسر الباحثون والمؤرخون سجلًا مصورًا للحروب والثورات والتحولات الاجتماعية، لأن الأرشيف غير القابل للبحث لا يؤدي وظيفته بوصفه سجلًا عامًا، حتى لو بقيت ملفاته محفوظة فعليًا على أجهزة المؤسسة.
أما القناة فتفقد أصلًا قابلًا لإعادة الاستخدام والترخيص وتحقيق الدخل، فالأرشيف المنظم يمكن أن يغذي الأفلام الوثائقية والبرامج التاريخية والتغطيات الجارية، ويمنح المؤسسة ميزة لا تستطيع المنصات الجديدة منافستها فيها.
لهذا اختبرت “بي بي سي” نظمًا تربط أرشيفها بالنشرات الجارية، بحيث يحصل المحرر خلال العمل على مواد تاريخية مرتبطة بالحدث الذي يغطيه، ومع ذلك تقر المؤسسة بأن أجزاء من أرشيفها لا تزال تفتقر إلى البيانات الوصفية اللازمة، ما يؤكد أن المشكلة ليست عربية خالصة.
كما حذرت دراسة نشرها مركز “تاو” عبر “مراجعة كولومبيا للصحافة” من تعرض السجل الإخباري الرقمي عالميًا لخطر الفقد، بسبب نظم نشر صُممت للتوزيع السريع ولم تُبن للحفظ طويل الأمد.
غير أن عالمية المشكلة لا تعفي القنوات العربية الكبرى من مسؤوليتها، خصوصًا مع امتلاكها اليوم منصات رقمية وقدرات تخزين وأدوات قادرة على تصنيف الصور والكلمات والأماكن والأشخاص.
الأرشفة تبدأ لحظة التصوير
لا يحتاج إنقاذ الأرشيف إلى انتظار مشروع ضخم يعيد ترتيب عقود من المواد دفعة واحدة، بل يبدأ من تغيير دورة الإنتاج نفسها، بحيث تُحفظ المادة الخام، وتُسجل بياناتها الأساسية لحظة وصولها، ويُربط التقرير المنشور بأصوله الكاملة، وتُنشأ نسخ احتياطية في مواقع منفصلة، وتتاح واجهة بحث تُمكّن المحررين والباحثين من معرفة ما تملكه المؤسسة.
القناة التي تنفرد بصورة لا يملكها غيرها لا تنتج مادة ليوم واحد، بل تسجل جزءًا من ذاكرة المنطقة، وإهمال هذه الصورة بعد بثها لا يقلل فقط من قيمة ما أنفقته المؤسسة على إنتاجها، بل يحرم الأجيال اللاحقة من شاهد ربما لا يمكن تعويضه.
المشكلة إذن ليست أن القنوات العربية لا تنتج أرشيفًا، فهي تنتجه كل ساعة، وإنما أنها لا تتعامل دائمًا مع ما تنتجه باعتباره أرشيفًا، وبين التصوير والحفظ تضيع مقابلات كاملة، وتذوب لقطات نادرة داخل المونتاج، وتتحول سنوات من البث إلى ملفات مغلقة بلا مفاتيح.

