يزداد اتكاء الصحفيين على أدوات الذكاء الاصطناعي في صقل سيرهم الذاتية وملفاتهم المهنية والاستعداد لمقابلات العمل، غير أن مديري التوظيف ما زالوا يريدون طلباً يبدو أن إنساناً حقيقياً كتبه.
من هذه المفارقة ينطلق دليل عملي نشره موقع «صحافة بريطانيا»، والذي كتبته الصحفية ديانا سييرا، مستنداً إلى 3 أصوات من داخل المهنة: مارك فرانكل، رئيس الشؤون العامة في منظمة التحقق البريطانية «فول فاكت»؛ ونيك رين، مستشار الشراكات في المجلس الوطني لتدريب الصحفيين؛ والباحثة شانغيوان وو من جامعة سنغافورة الوطنية، صاحبة دراسة تفحص ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يقود إلى «نزع مهارات» الصحفيين.
السؤال المركزي الذي يجيب عنه الدليل واضح: كيف يشقّ الخريج طريقه في سوقٍ صار الجميع فيه يستخدمون الأدوات نفسها؟ والإجابة التي يتقاطع عندها الخبراء الثلاثة أوضح: لا يكفي أن تُظهر أنك تجيد استخدام الذكاء الاصطناعي؛ أظهِر أنك قادر على ما لا تقدر عليه الآلة.
السيرة الذاتية: الآلة تنظّم والصوت البشري يحسم
يقرّ رين بأن الذكاء الاصطناعي بارع في انتقاء الكلمات المفتاحية وهيكلة السيرة الذاتية وتفصيلها على مقاس جهة توظيف بعينها، لكنه يحذّر من أن المؤسسات تلتقط الطلب المكتوب آلياً من مسافة بعيدة — بحسب تعبيره — وأن السير التي تبرز هي تلك المكتوبة بصوت صاحبها، ولو كلّف ذلك جهداً إضافياً. وينصح الخريجين بعرض خبراتهم بثقة حتى لو اكتُسبت ضمن عمل جماعي؛ فالبحث والإعداد الخلفي والدعم الإنتاجي كلها — في تقديره — خبرة صحفية حقيقية تستحق الذكر.
أما فرانكل فينقل الاختبار إلى غرفة المقابلة: ما يشغله هو قدرة المرشح على قراءة البيانات والإحصاءات، ويرى أن أقوى المتقدمين من يمزج الإلمام التقني بالحسّ الصحفي الأصيل — أن يعرف كيف يسائل المعلومة ويتحقق منها ويضعها في سياقها قبل أن يقدّمها إلى الجمهور.
الملف المهني: الفضول لا يُولَّد آلياً
في بناء الملف المهني، يجب التركيز على قيمة العمل الأصلي: أفكار قصص يبتكرها المتقدم بنفسه، ومقابلات يجريها بنفسه، وصوت كتابي خاص يميّزه. ويوافق فرانكل: لا أحد يتوقع من خريج أن يكون خبيراً، لكن أصحاب العمل يبحثون عن عقل فضولي وعلامة ملموسة على القدرة على الحفر في القصة — وهي تحديداً المساحة التي لا تنتجها الأدوات نيابة عن أحد.
مهارات مزدوجة: من كتابة الأوامر إلى الاستخبارات المفتوحة
لا يعني ذلك أن المهارات التقنية ثانوية؛ فغرف الأخبار — بحسب الدليل — تطلبها بإلحاح متزايد. يقول رين إن من يجيد التعامل مع أدوات مثل «كلود» أو يتقن ما بات يُعرف بـ«البرمجة بالتوجيه» يملك أفضلية حقيقية على من لا يجيدها. بالإضافة إلى كتابة الأوامر (Prompts) مهارة مفصلية بذاتها: الأمر المصوغ جيداً هو الفارق بين مخرَج آلي عام وشيء نافع فعلاً.
ويضع فرانكل التحقق وتدقيق الحقائق في صدارة العدّة التقنية المطلوبة: الاستخبارات مفتوحة المصدر، ونظام العلامة المائية للمحتوى المولَّد آلياً «سينث آي دي» من غوغل، وتحديد المواقع الجغرافية، والبحث العكسي عن الصور، والتحقق من مقاطع الفيديو. لكنه يذكّر بأن أياً من ذلك لا يسبق الأساسيات الست: من، وماذا، ومتى، وأين، ولماذا، وكيف — مع فضول وذهن مفتوح وقدرة على التفكير الجانبي. ويجمع الخبراء الثلاثة على خلاصة واحدة: الحكم البشري لا بديل عنه؛ فالآلة قد ترصد الأنماط، لكن الصحفي وحده من يفسّر المعلومة وينسج الأدلة في قصة ذات معنى — الذكاء الاصطناعي يدعم العملية ولا يديرها.
الشفافية أولاً… والصورة الحقيقية قد تضلّل كالمزيفة
على الجانب الأخلاقي، يقدّم فرانكل نصيحة قد تبدو مفارِقة: الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يميّز طلبك بدل أن يضعفه — إن استخدمته في بحث قصة أو كتابتها فقُل ذلك صراحة. وينصح بمواكبة الجانبين الأخلاقي والقانوني عبر متابعة المطبوعات الصحفية والمدونات المتخصصة والبحث الأكاديمي.
ومن أبرز خلاصات الدليل ملاحظة ميدانية سجّلها فرانكل من عمله في «فول فاكت»: كثير من الصور المضلِّلة المتداولة ليست مولّدة آلياً أصلاً، بل صور حقيقية قُدّمت خارج سياقها؛ فالصورة الصادقة الملصقة بحدث أو مكان أو تاريخ خاطئ قد تضلّل تماماً كما يضلّل التزييف المصنوع — ومن هنا تأتي أهمية التحقق من أصل المحتوى البصري وتاريخه لا من طبيعته فحسب.
رهان «الإنسانية»
يختم الدليل بأن مواكبة المهارات الرقمية لم تعد خياراً مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في الصناعة، كما يقول رين. غير أن بحث وو يشير إلى ما هو أبعد من سباق الأدوات: مستقبل الصحافة سيتوقف على قدرة الصحفيين على إظهار «إنسانيتهم» — أن يكتبوا بأصواتهم، وأن يوجّهوا الآلات لا أن تنقاد أقلامهم لها، وأن يتمسكوا بمبادئهم الأخلاقية، وأن يظلوا مصدر الأفكار الأصلية والإبداعية.
وفي سوقٍ صار الجميع فيه يملكون الأدوات نفسها، لم يعد التميّز في الأداة — بل في اليد التي تمسكها.

