لم أكمل ثلث حلقة تمتد لنصف ساعة فقط على المنصة الحمراء، على الرغم من إنتاج الحلقة الجيد على مستوى التصوير والإخراج والصوتيات وغيرها من الأمور الهامة من أجل الصناعة نفسها، وأيضًا كانت الفكرة جيدة وملهمة وتحتوي على حكاية تستحق الحكي، لكن الأمر كان أعمق من ذلك. منذ اللحظة الأولى أدركت سوء الكتابة والاستعانة بإحدى أدوات الذكاء الاصطناعي المنتشرة؛ لم يتطلب الموضوع أدنى مجهود، طريقة الكتابة تفضح نفسها بتركيبات محفوظة ورتيبة من الجمل مثل: “الموضوع ليس كذا وكذا، بل إنه كذا وكذا…”، وغيرها من التراكيب التي تفتقر إلى روح الكاتب. بجانب كسل الكاتب، فأسلوب الكتابة هذا يفتقر لعدة أمور، منها روح الكاتب كما ذُكر مسبقاً والنبض الإنساني الحقيقي، لذلك فإنها وبلا شك تقتل الكتابة عالمياً والكتابة بالعربية تحديداً.
تفاقمت الأمور العام المنصرم بعد عدة أحداث متتابعة على المستوى العالمي؛ في مايو الماضي، أعلنت مؤسسة كومنولث عن الفائز بجائزة القصة القصيرة، لترتبط التهنئة فوراً باتهامات مباشرة للكاتب جامير نظير بالاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في قصته (الأفعى في البستان). قبلها، استُبعدت رواية الكاتب الكندي ثيليسون أوريليان (كان هذا أو الموت) من القائمة الطويلة لجائزة غونكور الفرنسية المرموقة للسبب ذاته. لكننا في الإعلام العربي لدينا أزمة أشد وأكثر كارثية لعدة أسباب، مثل: قلة الفرص بالأساس للكتاب، وضعف تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي مقارنة بباقي اللغات، وغيرها من الأزمات المختلفة.
هذا الضعف تجاه اللغة العربية لعدة أسباب، منها صعوبة اللغة العربية على مستوى علم اللغويات؛ مثلاً حركة واحدة قد تغير معنى كلمة بأكملها، وأيضاً تنوع اللهجات المحلية من المصرية إلى الخليجية إلى الشامية وغيرها، يُضاف إلى ذلك تغير اللهجة داخل البلد الواحد؛ المصرية البورسعيدية مثلًا تختلف عن الدلتائية عن الصعيدية، ولكل منها خصوصيته وقواعده. كل هذه الأمور تجعل من العسير على الذكاء الاصطناعي الإلمام بكامل اللغة العربية وجوهرها، لنحصل على لغة ركيكة ورتيبة وتفتقر إلى الجودة مقارنة باللغات الأخرى.
حتى في حالة وصول الذكاء الاصطناعي إلى قمة الكمال في العربية، إن الأمر أكثر تعقيداً وستظل الأزمة العالمية قائمة حول جودة المكتوب. الأزمة التي لا يدركها المدافعون عنه باستماتة بصفته المستقبل، أو أنه وسيلة سريعة لإنهاء العمل بسرعة وغيرها من التبريرات. الحقيقة أننا أمام أزمات مركبة ودوامة لا تنتهي، أولها وبالتأكيد ضمور الشعور البشري، أو على حد تعبير الفيلسوف بيونغ-تشول هان غياب القشعريرة؛ فإن الذكاء الاصطناعي سيظل آلة لا تشعر بذات الشعور البشري ولا تستطيع التعاطي معه إلا بلغة المعادلات الرياضية البحتة، فتجد أن اللهجة باتت موحدة ومعدومة الروح في كل شيء، مقال الفلسفة بات يشبه الطبخ بات يشبه الرياضة، كلها تفتقر إلى العقلانية الإنسانية والروح.
يترتب على هذه الأزمة أزمة أخرى وهي المصير الإنساني ذاته؛ فإذا صار كل شيء متشابهاً، فالمصير بين أن يكون الإنسان ذاته منزوع الروح يتحدث كما تتحدث الآلة، أو يعود مرة أخرى للكتابة البشرية وحينها لن يجد كُتّابًا بسبب اعتماد الجميع على الأداة السريعة الجذابة.
الأزمة الأخطر هي غياب الناتج المعرفي الحقيقي والتراكم المعرفي لدى البشر؛ المعرفة ستصبح مجموعة من المدخلات (inputs) تخرجها الأداة مجموعة من المخرجات (outputs) ذات المعلومات المرصوصة بلا سياق أو جودة معرفية حقيقية، لن يستطيع الكاتب إصلاح هذه الأزمة لأنه لم يتعاطَ مع المعرفة بشكل حقيقي عبر تعرضه المباشر للنص الأصلي، وتحليله والتفكير فيه لإخراج منتج حقيقي ذا قيمة، والآلة في النهاية أداة لن تستطيع تجاوز حدود مصادرها والأوامر المدخلة لها (prompt)، فإذا كان الأمر ناقصاً فإنها ستخرج معلومة مضللة بالتأكيد.
في حالة إدخال الأمر بالشكل الصحيح، فإن الناتج سيكون محايداً خالياً من الكلمة التي كررتها مراراً الروح، لأن الآلة لا تغضب ولا تحزن، لا تمتلك همًا إنسانيًا، ومن الصعب بل والمستحيل أن تُنتج آلة بروح إنسانية حتى وإن كنا نحن مصدرها ومحادثتنا، لأن الروح من أمر الله وأنها تتعامل مع محادثتنا تعاملها مع الرياضيات بالمعادلات الخوارزمية، لذلك فإن انتاجها النصي كالملوخية الصايصة بلا مذاق لكن أخضر اللون.
نتيجة البرود الآلي الناتج عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ستكون وببساطة انصراف الجمهور عن المحتوى الإعلامي والصحفي الجاد إلى محتوى فوضوي لكنه أكثر إنسانية، وربما يحتوي هذا المحتوى على شائعات أو مسبب للتعفن الدماغي بشدة، لكن ما يميزه هو روح الإنسان الغاضبة والمتسامحة، المخطئة تارة والمصيبة تارة أخرى، تلك الروح ذات التناقضات الطبيعية والجميلة بخطئها وصوابها وغضبها وحزنها ومشاكلها وتعقيدها.
الخطر والخوف الأكبر أن يعود الناس للمنتج البشري بعد فوات الأوان وبعد أن يشعروا بحصار الآلة لهم، بعد أن يملوا من المنتج المكرر والرتيب الخالي من الإنسانية الذي لن يتفوق على المنتج البشري بأخطائه، ويعودوا إلى أنفسهم فيجدون أن منابع الإنسانية قد جفت وما عاد هناك أقلام ولا موسيقيون ولا فنانون، وبالتالي مجتمعات إنسانية بلا روح.
بالطبع لا أقول بإنهاء العلاقة كلياً مع الذكاء الاصطناعي لأنني استخدمت الذكاء الاصطناعي أثناء كتابتي لمقالي هذا كمترجم لبعض المقالات العلمية حول الموضوع، لكنني أطالب بأن يُعامل كما تُعامل الآلات منذ الثورة الصناعية مع الحفاظ على خصوصية الكتابة المكتوبة يدويًا كجميع السلع الفنية المصنوعة يدوياً والتي تُستخدم فيها الآلات كمساعد بسيط في العملية. ظن الإنسان بعد الثورة الصناعية أن الآلة ستأخذ مكانه لكنها رفعت من قيمة الصنايعي الفنان، في المقابل ظل الإنسان مشغلًا للآلة الصناعية التجارية، تلك هي طبيعة الحياة فلا غنى عن الإنسانية في عالم لا يدور إلا بالبشر بأخطائهم.

