اسم الصحفي أم شعار القناة.. مَن يجذب الجمهور؟

اسم الصحفي أم شعار القناة.. مَن يجذب الجمهور؟

Author

  • منصة بحثية وتحليلية مستقلة، متخصصة في رصد أداء الإعلام العربي وتحليل سياساته ومحتواه، بهدف تعزيز الشفافية وكشف الحقائق للجمهور

حين تنشر قناة تقريرًا وتضع بجواره رابط حساب المراسل الذي أعدّه، فإنها تمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى الشخص وراء الخبر. يستطيع المشاهد أن ينتقل من المقطع إلى حساب الصحفي، ويتابع أعماله، ويسأله عن تفاصيل التغطية، وربما يواصل متابعته بعد انتقاله إلى مؤسسة أخرى.

هذه الإشارة الصغيرة تفتح علاقة تتجاوز التعريف بصاحب العمل، فالقناة تساعد الصحفي على بناء جمهوره، وحساب الصحفي يمكن أن يصبح طريقًا إضافيًا لوصول محتواها إلى الناس، وبين الطرفين تنشأ مساحة مشتركة يصعب فصل ما يعود فيها إلى اسم المؤسسة عما صنعه الصحفي بخبرته وحضوره.

تثير تجارب التلفزيون العربي والجزيرة والعربية والحدث وسكاي نيوز عربية أسئلة عن أشكال هذه العلاقة، لكن المقارنة تحتاج إلى التمييز بين ثلاثة أمور: إبراز اسم الصحفي، وتوجيه الجمهور إلى حسابه، وتنظيم ما ينشره خارج منصات المؤسسة، فهذه ممارسات مختلفة، وقد تجمع القناة الواحدة بينها.

من التعريف بالصحفي إلى الوصول عبره

يتناول مقال نشره موقع “جورناليزم دوت كو” البريطاني عن بناء الحضور الشخصي للصحفي تحولًا في وظيفة هذا الحضور، فالتعريف بالاسم والخبرة وتطوير المسار المهني أصبح يتداخل مع مهمة أخرى، هي الوصول بالمحتوى إلى الجمهور عبر علاقة مباشرة مع صاحبه.

يمكن فهم ذلك من تجربة المتابعة نفسها، فقد يختار شخص مشاهدة تقرير لأنه يثق بالمراسل الذي يقدمه، أو يعود إلى حوار لأنه يعرف طريقة المذيع في طرح الأسئلة. هنا يستفيد اسم المؤسسة من علاقة بناها أحد صحفييها مع الجمهور، كما يستفيد الصحفي من الموارد والمنبر اللذين توفرهما له.

ولا يعني هذا أن الثقة بالأفراد تتفوق دائمًا على الثقة بالمؤسسات، أو أن جمهور الصحفي منفصل عن جمهور قناته، فقد تكون المؤسسة نفسها سبب التعرف إليه والثقة بعمله، وقد تتداخل الدائرتان بدرجة كبيرة، ولهذا لا يكفي عدد المتابعين وحده لمعرفة مقدار ما يضيفه كل طرف إلى الآخر.

الجزيرة: تقديم الوجوه داخل المؤسسة

تُظهر صفحات التعريف بالمذيعين على موقع شبكة الجزيرة طريقة أخرى لربط الاسم الفردي بالمؤسسة، ففي صفحة ليلى الشيخلي، على سبيل المثال، تُعرض مسيرتها المهنية وتغطياتها ومقابلاتها، ثم تظهر إحالات إلى “وجوه أخرى” في الشبكة، ويظل التعريف بالصحفية جزءًا من التعريف بفريق المؤسسة وخبراته.

هنا يستطيع الزائر التعرف إلى الوجه الذي يشاهده، بينما ينتقل داخل موقع الشبكة بين أسماء أخرى، وهذه صيغة تمنح المؤسسة ملامح بشرية، وتقدم خبرات العاملين فيها بوصفها جزءًا من قيمتها المهنية.

لكن غياب رابط حساب شخصي من صفحة تعريفية لا يثبت أن الجزيرة تتبنى سياسة تمنع توجيه الجمهور إلى صحفييها، كما لا يجعلها نقيضًا كاملًا للتلفزيون العربي، فصفحة السيرة المهنية تؤدي وظيفة مختلفة عن منشور على “إكس”، والمقارنة الحاسمة تحتاج إلى فحص النوع نفسه من المحتوى لدى القناتين.

ما تكشفه هذه الصفحات هو طريقة تقديم الصحفي داخل الموقع، أما سياسة العلاقة بحساباته الشخصية فتحتاج إلى أدلة أوسع من تصميم صفحة واحدة.

التلفزيون العربي: الحساب الشخصي قريب من المادة

تنطلق حالة التلفزيون العربي في هذه القراءة من ملاحظة إرفاق حسابات صحفييه ومقدميه بمنشورات القناة على “إكس” و”إنستغرام”، وهي ممارسة تتيح الانتقال مباشرة من العمل المنشور إلى صاحبه، لكن تحديد مدى انتظامها يحتاج إلى رصد منشورات خلال فترة معلومة، ولا يصح وصفها بأنها تشمل كل تقرير أو برنامج.

الدلالة المباشرة لهذا الربط واضحة: اسم الصحفي لا يبقى توقيعًا أسفل المادة، بل يصبح مدخلًا للتواصل معه ومتابعة أعماله، وإذا أعاد نشر التقرير على حسابه، أمكن للمادة أن تصل إلى متابعين من طريق آخر.

وتحمل الممارسة أيضًا معنى مهنيًا يستحق الانتباه، هو الاعتراف بمن أنجز العمل، فإظهار اسم المراسل وحسابه يساعد على نسبة المادة إلى صاحبها، ويمنح الجمهور فرصة لفهم اختصاصه وخبرته، لذلك لا ينبغي اختزال الإشارة إليه في وظيفة تسويقية وحدها.

أما القول إن هذه الإشارات تزيد متابعي الصحفي أو ترفع مشاهدة القناة، فيحتاج إلى بيانات، فإتاحة الطريق إلى الحساب لا تعني بالضرورة أن الجمهور سلكه، كما أن نمو الحساب قد يرتبط بتغطية بارزة أو نشاط شخصي أو عوامل أخرى.

اسم البرنامج ووجه مقدمه

تظهر العلاقة بين الشخص والمؤسسة أيضًا من خلال البرامج المرتبطة بمقدميها، ومن أمثلتها “سؤال مباشر” على العربية مع خالد مدخلي، حيث يصبح اسم المقدم جزءًا من التعريف بالحوار وطريقته، إلى جانب اسم البرنامج والقناة.

هذا الارتباط يختلف عن دعوة الجمهور إلى متابعة حساب المذيع، فقد يعرف المشاهد البرنامج بمقدمه، ويبحث عن حلقاته باسمه، بينما يظل استهلاك المحتوى على منصات المؤسسة، ولذلك لا يكفي حضور أسماء المذيعين في الترويج لتصنيف العربية والحدث ضمن سياسة موحدة تجاه الحسابات الشخصية.

وبالمثل، يوضح وجود برنامج “أون ستريم” على موقع سكاي نيوز عربية اهتمام القناة بموضوعات المنصات والتكنولوجيا، لكنه لا يقدم، بمفرده، دليلًا على تشجيع حسابات مقدميه أو تقييدها، فالحديث عن المنصات شيء، وإدارة علاقة المؤسسة بالحضور الشخصي لصحفييها شيء آخر.

تساعد هذه الفروق على تجنب تقسيم القنوات إلى مؤسسات تراهن على الأشخاص وأخرى تراهن على الشعار، إذ يمكن للمؤسسة أن تبني برنامجًا حول مذيع معروف، وتروج لحساباته أحيانًا، وتضع في الوقت نفسه قيودًا على آرائه المنشورة.

“بي بي سي”: ضوابط الحضور الشخصي

تضيف تجربة “بي بي سي” جانبًا آخر إلى المقارنة، هو مسؤولية الصحفي عما ينشره على حساب يحمل اسمه، ففي سياسة الاستخدام الشخصي لوسائل التواصل، المنشورة بصيغة محدثة في مايو 2018، تؤكد الهيئة أن العاملين ليسوا ممنوعين من استخدام المنصات بصفتهم الشخصية، لكنها تطالبهم بألا يضر نشاطهم بحياد المؤسسة أو سمعتها المهنية، وتلفت إلى أن الجمهور قد يربطهم بها حتى حين ينشرون خارج العمل.

وهذا لا يساوي رفض استخدام الحسابات الشخصية لنشر الصحافة، فتنظيم التعبير عن الرأي يختلف عن تنظيم توزيع المحتوى، ويمكن للمؤسسة أن تستفيد من وصول صحفييها إلى الجمهور، مع مطالبتهم بالتزام معايير مهنية في هذا الحضور.

تكشف التجربة صعوبة الفصل بين الشخص ووظيفته، فالصحفي يكتب باسمه، لكن القارئ قد يستقبل كلامه بوصفه صادرًا عن أحد وجوه القناة، وتصبح السمعة مشتركة في المكاسب والأضرار معًا.

مكاسب مشتركة ومسؤوليات تحتاج إلى وضوح

من جانب الصحفي، يتيح الحساب الشخصي الاحتفاظ بعلاقة مباشرة مع الجمهور، وعرض أعماله وخبرته، وبناء حضور قد يستمر بعد انتهاء عقده، ومن جانب المؤسسة، يمكن لهذه العلاقة أن توسع وصول المحتوى وتقرّبه من الناس.

لكن هذا التداخل يطرح أسئلة عملية: هل النشر على الحساب الشخصي جزء من العمل؟ ومَن يقدم الدعم إذا تعرض الصحفي للإساءة بسبب مادة مؤسسية؟ وكيف تُصحح معلومة نشرها على حسابه؟ وما الحدود بين رأيه الشخصي وموقف القناة؟

لا تتوافر سياسات معلنة تكفي للإجابة عن هذه الأسئلة لدى القنوات العربية، ولذلك تظل الممارسات الظاهرة مدخلًا لفهم العلاقة، لا دليلًا كاملًا على شروطها.

والجمهور نفسه لا ينتقل بالضرورة مع الصحفي كله، ولا يبقى مع المؤسسة كله، فقد يتابع المراسل بسبب خبرته، ويعود إلى القناة بسبب تنوع تغطيتها. ما يستحق القياس هو قدرة هذا الارتباط على تقديم صحافة أفضل والوصول بها إلى الناس، مع وضوح مسؤولية الطرفين عن العمل الذي يجمعهما.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي