قد يختار المستخدم مشاهدة مقطع عن حفل زفاف أحد المشاهير، ويتجاوز خبر استقالة مسؤول، لكنه حين يُسأل عما يعدّه أخبارًا، يمنح الإجابة المعاكسة تقريبًا، هذه الفجوة بين ما يراه الجمهور جديرًا بصفة “الخبر” وما يرغب في متابعته تتصدر دراسة جديدة لمعهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، وتطرح على المؤسسات الإعلامية سؤالًا يتجاوز أرقام المشاهدات: ماذا يعتقد الجمهور أننا نقدم له؟
في أحد اختبارات الدراسة، اعتبر 86% من المشاركين معلومات عن استقالة سياسي أخبارًا، وأبدى 77% استعدادًا للتفاعل معها بالقراءة أو المشاهدة أو الاستماع، بينما عدّ 27% فقط معلومات عن زفاف أحد المشاهير أخبارًا، لكن نسبة الراغبين في متابعتها بلغت 51%.
الفارق لا يثبت أن المحتوى الخفيف يضر الصحافة، لكنه يكشف أن جذب الانتباه والاعتراف بالقيمة الإخبارية أمران مختلفان، وأن ارتفاع التفاعل وحده لا يكفي للحكم على موقع المؤسسة لدى جمهورها.
دراسة عن تعريف الخبر، لا عن الجمهور العربي
صدرت الدراسة في سبتمبر 2026 بعنوان “تغير تعريفات الأخبار في البيئة الرقمية: كيف يعرّف الجمهور الأخبار عبر ست دول”، وأعدّها تالي أهاروني ووقاص إعجاز وإيمي روس أرغيداس وريتشارد فليتشر.
واعتمدت على يوميات إعلامية ومقابلات معمقة مع 40 مشاركًا في أربع دول، ثم استطلاع إلكتروني شمل نحو 12 ألف مشارك في الأرجنتين واليابان والنرويج وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، خلال أبريل/نيسان 2026.
لم تشمل الدراسة دولة عربية، ولذلك تُقرأ نتائجها باعتبارها أسئلة ومداخل قابلة للاختبار في غرف الأخبار العربية، وليست وصفًا مثبتًا لسلوك جماهيرها، كما أن بياناتها تعتمد على إجابات المشاركين ونواياهم المعلنة، ولا تعادل قياسًا مباشرًا لسلوك المشاهدة الفعلي.
الشباب يوسعون مفهوم الأخبار ولا يهجرون أساسه
وجد الباحثون أن 49% من المشاركين يتبنون تعريفًا تقليديًا للأخبار، يرتبط بالصحفيين والخبراء والمؤسسات المتخصصة وموضوعات السياسة والاقتصاد، فيما يتبنى 26% تعريفًا أوسع يضم هذه العناصر ويضيف إليها صناع المحتوى والبودكاست والفيديو القصير وموضوعات مثل الألعاب والموضة.
أما الذين تبنوا العناصر الأوسع دون الاحتفاظ بالمكونات التقليدية، فبلغوا 4% فقط، ولم يندرج 21% ضمن هذه التصنيفات، بسبب إجابات غير حاسمة أو تعريفات مختلطة.
وتظهر المقارنة العمرية أن 37% من الفئة بين 18 و24 عامًا يجمعون بين التعريف التقليدي والموسع، مقابل 20% ممن بلغوا 55 عامًا فأكثر، لكن الاحتفاظ بالعناصر التقليدية، سواء منفردة أو ضمن التعريف الموسع، ظل متقاربًا بين الفئتين، عند 74% و76%.
بالنسبة إلى مؤسسة عربية تسعى للوصول إلى الشباب، تدعو هذه النتيجة إلى اختبار طرق جديدة لتقديم العمل الصحفي، مع الاحتفاظ بما يمنحه قيمته، فقبول الفيديو القصير أو المقدم الفرد لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الأدلة والسياق والمساءلة.
التحقق يحتاج إلى أن يراه الجمهور
اعتبر 65% من المشاركين أن استناد الأخبار إلى معلومات دقيقة وقابلة للتحقق شرط أساسي، وأظهرت المقابلات أهمية وجود جهة تتحمل مسؤولية المادة وتصحح أخطاءها.
كما رصد الباحثون ارتباطًا بين ثقة مستخدمي العلامات الإعلامية بها واعتقادهم أن معظم ما تنشره يستحق وصف الأخبار، لكن هذا الارتباط لا يثبت أن توسيع المحتوى يسبب انخفاض الثقة، أو أن الاقتصار على الأخبار التقليدية يضمنها.
ويقترح التقرير إظهار المصادر، وتحديد صاحب المادة، وتوضيح مواطن عدم اليقين، والفصل بين التغطية والتحليل والرأي، خصوصًا عندما ينتقل المحتوى إلى منصات تختلط فيها المواد الصحفية بالإعلانات والترفيه.
وعربيًا، يمكن ترجمة ذلك إلى ممارسات داخل المنتج نفسه: إظهار مصدر الرقم في الفيديو، وتحديد تاريخ المشهد المتداول، وشرح ما تأكد وما يزال محل تحقق، وإرفاق مسار يصل منه المتابع إلى التقرير الكامل.
الفيديو القصير مدخل يحتاج إلى سياق
أظهرت المقابلات أن بعض المشاركين يفضلون المقاطع القصيرة لأنها أسهل استهلاكًا، وقد تدفعهم إلى البحث عن تفاصيل إضافية، بينما رأى آخرون أنها تتركهم أمام معرفة سطحية تحتاج إلى خلفية لفهمها.
وهنا تبرز فرصة للصحافة العربية في تصميم علاقة واضحة بين المقطع والتقرير، بحيث يقدم الفيديو سؤالًا ووقائع أساسية، ويتيح الوصول إلى شرح أوسع ووثائق ومصادر، ويمكن اختبار الشراكة مع صناع المحتوى ضمن مسؤولية تحريرية معلنة ومعايير تحقق وتصحيح واضحة.
هذه تطبيقات مستنبطة من النتائج، وليست وصفة اختبرتها الدراسة داخل مؤسسات عربية.
الإرهاق لا يعني انعدام الاهتمام
تكشف الدراسة أيضًا أن الجمهور قد يقدّر الأخبار الجادة ويتجنبها في الوقت نفسه، فقد تحدث مشاركون عن العبء النفسي للتغطيات المتواصلة للحروب والأزمات، وعن التكرار والشعور بالعجز أمام ما يتابعونه.
وفي المقابل، وجد بعضهم قيمة في الأخبار المحلية والمعلومات العملية والقصص التي توضح كيف تُعالَج المشكلات، وهي نتيجة تفتح سؤالًا أمام غرف الأخبار العربية: هل تمنح التغطية الجمهور معرفة تساعده على فهم الحدث وتبعاته، أم تضيف تحديثًا آخر إلى سلسلة متشابهة؟
يمكن اختبار الإجابة بتقليل التكرار، وشرح أثر القرارات على الحياة اليومية، ومتابعة الاستجابات للمشكلات وفحص نتائجها، مع مواصلة مساءلة المسؤولين وتوثيق الوقائع.
وتظل الخلاصة العملية للدراسة أن قياس نجاح الصحافة يحتاج إلى أكثر من عدّ النقرات، فالمؤسسة تحتاج أيضًا إلى معرفة ما فهمه الجمهور، وما وثق به، وما دفعه إلى العودة إليها، وهي أسئلة تستحق بحثًا عربيًا مستقلًا يختبرها في سياقاتها المحلية.

