الإعلام بين الجمود والتجديد: صحافيون أم مؤثرون؟

دراسة Nieman Reports تسلّط الضوء على ما يقدمه الصحفيون والمؤثرون وصنّاع المحتوى من تجارب جديدة

Author

لم يعد الخبر في يومنا حِكرًا على شاشة التلفزيون أو صفحات الجريدة؛ إذ يتلقّى ملايين الشباب أخبارهم من فيديو قصير على “تيك توك” أو “إنستغرام” يقدّمه صانع محتوى يتحدث بلغتهم بلهجة قريبة وبأسلوب مباشر وبسيط.

الحقيقة أن هذه الظاهرة تكشف ضعفاً أساسياً في غرف الأخبار يبرز من خلال ضعف الصلة بالجمهور وفق ما ينقله موقع  Nieman Reports. 

بحسب تقرير الموقع، لا يحتاج صانع المحتوى إلى استوديو أو إنتاج ضخم ليكسب ثقة المتابعين، بل يكفيه أن يكون شفافًا، ويذكر مصادره، ويتفاعل مع جمهوره بصدق. هذه عناصر افتقدتها بعض المؤسسات الإعلامية التي بقيت أسيرة الرسمية والجمود.

صعود صانعي المحتوى الإخباري والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي ليس موجة عابرة، بل تحوّل عميق في طبيعة العلاقة بين الجمهور والمعلومة. هؤلاء أثبتوا أن الثقة تُبنى بالبساطة والاقتراب من الناس والشفافية، أكثر مما تُبنى عبر المكاتب الفخمة أو الشعارات الكبيرة.

لكن عوضًا عن اعتبار صانعي المحتوى خصوماً، يمكن للصحافة التقليدية أن تتعلم منهم: أن تكون أقرب، وأكثر وضوحاً، وأكثر استعدادًا للحوار لا مجرد الإلقاء. 

أي مستقبل ينتظر الصحافة التقليدية؟

الإعلام التقليدي اليوم أمام خيارين: إما أن يظل أسير نماذجه القديمة فيخسر جيلاً كاملاً من الجمهور، أو أن يتعلم من هذه التجربة ويعيد صياغة خطابه بما يليق بروح العصر. ليست القضية تقنية فحسب، بل فلسفية: كيف نخاطب الناس؟ كيف نجعلهم شركاء في الحوار لا مجرد متلقين؟

ومع تحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى المصدر الأساسي للأخبار لدى شرائح واسعة من الجمهور، تجد غرف الأخبار التقليدية نفسها أمام تحدٍ يتجاوز مجرد التكيّف، ليصل إلى إعادة التفكير في طرق الوصول للجمهور والتفاعل معه. 

دراسة Nieman Reports تسلّط الضوء على ما يقدمه الصحفيون والمؤثرون وصنّاع المحتوى من تجارب جديدة، وما الذي يمكن للمؤسسات الإعلامية التقليدية أن تستفيده من هذا التحول، ننقل لكم في مرصد الإعلام العربي خلاصة ترجمتها.

صعود منظومة الإعلام البديل

  • وفق الدراسة، يعتمد عدد متزايد من الجمهور – في الولايات المتحدة وخارجها – على الأخبار القادمة مباشرة من المنصات الرقمية والفيديوهات القصيرة، أكثر من اعتمادهم على الصحف أو شاشات التلفزيون.
  • هؤلاء الصنّاع ينتمون إلى خلفيات متنوعة: بعضهم صحفيون سابقون، والبعض الآخر لا يمتلك تدريباً مهنياً تقليدياً، لكنهم جميعاً يساهمون في بناء منظومة متنامية من الإعلام البديل.

سر جاذبية محتوى المؤثرين

تشير نتائج البحث إلى عدة عناصر أساسية تميز هذا المحتوى:

  • القرب والحميمية: يظهر الفيديو وكأنه صديق يشرح الحدث بدلاً من مذيع رسمي بعيد. النبرة محادثة، والبيئة يومية، ما يجعل الرسالة أكثر قرباً.
  • الشفافية والبساطة: عرض المصادر بوضوح، تبسيط المفاهيم، واستخدام لغة مباشرة يعزز الثقة.
  • توظيف أدوات المنصة: من خلال الاستفادة من خصائص المنصات (كالمؤثرات البصرية على تيك توك أو الرموز الثقافية المتداولة)، يصبح المحتوى أصيلاً وغير منقول من سياق آخر.
  • التفاعل مع الجمهور: الناجحون لا يكتفون بالنشر، بل يردّون على التعليقات، يتابعون الأسئلة، ويبنون علاقة قائمة على الحوار والثقة.

التحديات والمخاطر

  • غياب التدقيق التحريري الصارم قد يفتح المجال أمام تضليل أو تحيز غير مقصود.
  • إشكاليات الملكية والعوائد، حيث تحافظ الشخصيات المؤثرة على جمهورها المستقل بينما تسعى المؤسسات التقليدية لإيجاد نماذج تعاون أو منافسة.
  • قضايا النسب والأخلاقيات، خصوصاً عند إعادة استخدام مواد من وسائل إعلامية أخرى أو عند الابتعاد عن المعايير المهنية الراسخة.

دروس لغرف الأخبار التقليدية

  1. تبني عقلية “المؤثر”: التفكير في الصحفيين كأفراد ذوي حضور مستقل، لا مجرد ممثلين للمؤسسة.
  2. التكيّف مع ثقافة المنصات: إنتاج محتوى يتناسب مع لغة وخصوصيات كل منصة، بدلاً من إعادة تدوير أشكال تقليدية.
  3. أنسنة الأخبار: تعزيز الحضور الشخصي والشفافية لبناء جسر ثقة مع الجمهور.
  4. التفاعل لا البث الأحادي: إشراك الجمهور عبر الردود والمحتوى التفاعلي والمتابعة المستمرة.
  5. ابتكار نماذج مستدامة: تطوير آليات تمويل وملكية محتوى تواكب هذه البيئة المتغيرة.

خلاصة الدراسة تشير إلى أن صعود الصحفيين المؤثرين وصنّاع المحتوى ليس ظاهرة هامشية بل تحول جوهري في كيفية تلقي الأخبار. غرف الأخبار التي تظل أسيرة لأساليبها القديمة مهددة بفقدان الصلة بجمهورها، بينما التي تستوعب دروس هذا المشهد الجديد – من القرب والشفافية إلى التفاعل والابتكار – قادرة على إعادة بناء الثقة وتعزيز حضورها. 

باختصار، التكيف اليوم لم يعد مسألة تقنية أو شكلية، بل هو إعادة تعريف لدور الإعلام في عصر يعتمد على العلاقة المباشرة بين الصحفي والجمهور.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي