على امتداد أكثر من قرن ونصف، رسّخت مجلة “الإيكونوميست” تقليدًا تحريريًا تُنشر بموجبه معظم موادها بلا توقيع، وكان غياب أسماء الكتّاب تعبيرًا عن هوية تتقدم فيها المؤسسة على أفرادها، ويقرأ الجمهور فيها موقف المجلة من دون أن يعرف بالضرورة الصحفي الذي صاغه.
من هنا تكتسب خدمة “إيكونوميست إنسايدر” دلالتها، فقد نقلت صحفيين اعتادوا مخاطبة الجمهور بالكتابة إلى الشاشة، ليتحدثوا ويناقشوا ويشرحوا كيف توصلوا إلى قراءاتهم للأحداث، وتجمع الخدمة، التي أُطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، برامج فيديو مطولة ونشرات بريدية ضمن عرض المجلة للمشتركين.
وكان إطلاقها من الأسباب التي استندت إليها لجنة تحكيم جوائز “مستقبل الإعلام”، التي تنظمها “برس غازيت”، لمنح المجلة لقب “ناشر العام” في سبتمبر 2026، إذ أشادت بإتاحة النقاشات والحوارات التي تقف خلف العمل الصحفي للمؤسسة.
وفي مؤتمر “مستقبل تكنولوجيا الإعلام”، الذي نظمته “برس غازيت” في لندن يوم 10 سبتمبر 2026، شرح المحرر التنفيذي أندرو بالمر كيف بُني المشروع، بحسب تقرير للصحفية شارلوت توبيت، وتقدم التفاصيل التي عرضها مادة تستحق التأمل في غرف الأخبار العربية، خصوصًا المؤسسات التي تأسست حول الصحافة المكتوبة وتبحث عن موقع لها في الفيديو.
خمسون حلقة قبل البث الأول
تقدم “إنسايدر” حلقتين أسبوعيًا، تشملان برنامجًا للتحليل الإخباري أو المقابلات تقدمه رئيسة التحرير زاني مينتون بيدوز، إلى جانب أربعة برامج شهرية يقودها صحفيون وتتوزع على التكنولوجيا والاقتصاد والجغرافيا السياسية والدفاع، وتتناوب هذه البرامج على الظهور أسبوعيًا.
وقبل إطلاق الخدمة، سجلت المجلة خمسين حلقة تجريبية، ويشرح بالمر أن هذه المرحلة استغرقت وقتًا طويلًا لتحديد الشكل المناسب، واختبار من يجيد الظهور أمام الكاميرا، وكيف يمكن أن يعمل البرنامج، وكانت أيضًا وسيلة لاكتشاف المواهب داخل المؤسسة واختيارها.
وتضع هذه التجربة مرحلة الاختبار ضمن صلب القرار التحريري، فشراء المعدات وتحديد مواعيد النشر لا يجيبان وحدهما عن أسئلة أساسية: من يستطيع تقديم الفكرة بوضوح؟ وأي صيغة تناسب معرفته وشخصيته؟ وهل يحتاج الموضوع إلى حوار أم شرح مباشر أم نقاش بين محررين؟
بالنسبة إلى المؤسسات العربية التي تستعد لإطلاق برامجها، تتيح الحلقات الداخلية الإجابة عن هذه الأسئلة قبل الالتزام بصيغة يصعب تغييرها لاحقًا، كما تمنح الصحفي فرصة للتدرب من دون أن تتحول محاولته الأولى إلى اختبار علني تُقاس نتيجته بعدد المشاهدات.
ولا يعني ذلك أن خمسين حلقة شرط للنجاح، أو أن التجريب يضمن تجنب الفشل، لكنه يساعد في اكتشاف مشكلات الأداء والإعداد والإنتاج مبكرًا، حين تكون مساحة التعديل أوسع وضغوط النشر أقل.
صحفيو المؤسسة أمام الكاميرا
اعتمدت “الإيكونوميست” على صحفييها لتقديم البرامج، في وقت جرّب فيه ناشرون بريطانيون، بينهم “ديلي ميل” ومجموعة “فيوتشر”، التعاون مع صناع محتوى ومؤثرين من خارج مؤسساتهم.
وأوضح بالمر أن المجلة تعاملت بحذر مع استقدام وجوه لا تربطها صلة بتحريرها، انطلاقًا من حرصها على هويتها ورؤيتها للعالم، ولذلك اختارت إدخال “إنسايدر” ضمن إيقاع غرفة الأخبار، بمشاركة الصحفيين الذين يواصلون إعداد التقارير وكتابة الأعمدة وتحرير المجلة.
ومن الأمثلة التي أوردها التقرير حلقة نُشرت يوم حديث بالمر، بعنوان “هل يشكل الإسلام السياسي تهديدًا لأوروبا؟”، وشارك فيها صحفيون من بريطانيا وأوروبا، وارتبطت بافتتاحية للمجلة عن الإسلام في أوروبا، بما أتاح شرح الخلفية التي قادتها إلى موقفها التحريري.
تقدم هذه الصلة بين المقال والبرنامج فكرة قابلة للنقاش عربيًا، خصوصًا داخل المؤسسات التي تعمل فيها فرق المنصات الرقمية بعيدًا عن فرق التحرير، إذ يمكن للفيديو أن يستفيد من المعرفة المتراكمة لدى محرر متخصص، ومن أسئلته ومصادره، بينما يساعده فريق الإنتاج في تحويلها إلى حديث مفهوم وجذاب.
وقد يبدأ ذلك من تحقيق منشور يناقش فريقه طريقة الوصول إلى المعلومات، أو من ملف اقتصادي يشرح محرره ما تعنيه الأرقام للناس، أو من تغطية دولية يعرض مراسلها ما تعذر استيعابه في التقرير المكتوب، وبذلك يضيف الفيديو إلى المادة الأصلية ويمنح الجمهور سببًا لمتابعته.
ولا تثبت تجربة المجلة أن الاستعانة بمقدمين من الخارج خيار خاطئ، لكنها تذكّر المؤسسات بأن الخبرة المطلوبة لبناء برنامج قد تكون موجودة بالفعل داخل غرفة الأخبار، وتحتاج إلى تدريب ودعم إنتاجي كي تظهر.
“من ستكون حين تقدّم؟”
يروي بالمر موقفًا يوضح صعوبة هذا الانتقال، فهو يكتب عمود “بارتلبي” عن العمل والإدارة، ويقدم البرنامج الصوتي “بوس كلاس”، وعندما بدأ التقديم سأله أحد أفراد فريق الإنتاج عن الشخصية التي سيظهر بها أمام الجمهور.
استغرب السؤال، إذ كان يتصور أن يكون نفسه ببساطة، وروى بطرافة أن فريق الإنتاج بدا كأنه يعدّ هذه الإجابة فكرة كارثية، ويكشف الموقف أسئلة لم يكن مضطرًا إلى مواجهتها وهو يكتب خلف الشاشة، تتعلق بطريقة الكلام والإيقاع ومقدار ما يظهر من شخصيته في العمل.
وجود خبرة تلفزيونية واسعة في الإعلام العربي لا يلغي هذه الأسئلة عند انتقال صحفيي الكتابة إلى التقديم، فالمحرر المتخصص قد يعرف ملفه بدقة، لكنه يحتاج إلى تعلم الاختصار الشفهي، وإدارة الحوار، وشرح المصطلحات، والتعامل مع لحظات التردد أو خروج النقاش عن مساره.
وتحتاج المؤسسة بدورها إلى تحديد ما تنتظره منه، وهل تسمح بظهور أسلوبه وشخصيته واختلاف تقديراته، أم تريد منه أداء دور المتحدث باسمها؟ وكيف يميز المشاهد بين رأي الصحفي والموقف التحريري المعتمد؟
هذه قرارات تمس طبيعة البرنامج ومصداقيته، ويستحسن حسمها خلال الإعداد والتجريب، مع ترك مساحة للصحفي كي يجد أسلوبًا يناسبه، بدل إلزامه بتقليد مقدم تلفزيوني أو صانع محتوى ناجح.
النموذج التجاري: الاشتراك أولًا
يقول بالمر إن خدمة المشتركين تقع في صلب “إنسايدر”، وإن لدى المجلة أدلة على أن الجمع بين الفيديو والنشرات البريدية يحسن التفاعل، كما يصف الخدمة بأنها وسيلة لجذب مشتركين جدد.
وبحسب تقرير “برس غازيت”، كانت الخدمة مشمولة في الاشتراك الأساسي للمجلة، البالغ سعره الكامل 279 جنيهًا إسترلينيًا سنويًا، وكانت المؤسسة تختبر عرضًا أقل سعرًا بنحو النصف تحت اسم “بلاي” في كندا والدنمارك والنرويج والسويد، يضم منتجاتها الصوتية والمرئية، ومنها “إنسايدر” وبرامجها الصوتية المدفوعة.
ويرى بالمر أن هذا العرض يحقق أثرًا يتجاوز الاشتراك فيه، إذ أشار إلى ارتفاع الإقبال على الاشتراك الأساسي في أسواق الاختبار، لكن التقرير لا يقدم بيانات تفصيلية تسمح بقياس حجم الزيادة أو عزل أثر العرض الجديد عن العوامل الأخرى.
ويؤدي يوتيوب دورًا في تعريف جمهور أوسع بالمحتوى، فتنشر المجلة عليه مقابلات مختارة كاملة، وتوجه المشاهدين في التعليقات إلى الاشتراك، واستشهد بالمر بمقابلة أجرتها مينتون بيدوز مع إيلون ماسك في يوليو/تموز، بلغت مدتها 85 دقيقة وتجاوزت ستة ملايين مشاهدة، بحسب الأرقام الواردة في التقرير.
وتضيف الرعاية مصدرًا آخر للإيرادات، إذ ذكر التقرير أن شركة الذكاء الاصطناعي “أنثروبيك” تدعم قسم “إنسايدر”، مع تنويه يوضح أنه منتج تابع لـ”الإيكونوميست” ويتمتع بالاستقلال التحريري.
ويحتاج نقل هذا النموذج إلى مؤسسة عربية إلى فهم جمهورها ومصادر تمويلها، فلا يمكن افتراض أن القدرة على الوصول إلى مشاهدين تعني استعدادهم للدفع، أو أن نجاح عرض اشتراك في أسواق معينة يجعله مناسبًا لأسواق أخرى.
أما الفكرة التي يمكن اختبارها على نطاق أوسع، فهي استخدام المحتوى المجاني لبناء علاقة مستمرة مع الجمهور، ينتقل فيها المشاهد إلى نشرة بريدية أو عضوية أو اشتراك أو صيغة دعم تناسب المؤسسة، ثم قياس هذا الانتقال بدل الاكتفاء بإحصاء المشاهدات.
وتستدعي الرعاية أيضًا قواعد تتجاوز الإعلان عن اسم الممول، خصوصًا إذا كانت أعماله تدخل ضمن نطاق التغطية الصحفية، فالإفصاح ينبغي أن تصاحبه حدود واضحة تمنع التدخل في الموضوعات والضيوف والأسئلة، وتحفظ حق الصحفيين في تغطية الجهة الراعية ومساءلتها.

