مسابقات الجمال وصناعة وجوه الإعلام في لبنان

في صباح أيّ يوم على إحدى القنوات اللبنانيّة، تظهر مذيعة الـ Morning Talk لتعلن الافتتاح

في صباح أيّ يوم على إحدى القنوات اللبنانيّة، تظهر مذيعة الـ Morning Talk لتعلن الافتتاح، وقد كانت قبل ثلاث سنوات تخطو على منصّة Miss Lebanon بوشاحٍ أبيض كوصيفةٍ أولى. على القناة المنافسة، تطلّ مذيعة الـ Side Ball لتقدّم تحليلَ مباراة، وكانت قبل سنواتٍ ضمن Top 10 في المسابقة نفسها. وفي نشرة أخبار مسائيّة على قناةٍ عربيّة من دبي، تظهر مذيعة كانت عام ٢٠١١ وصيفةً أولى في بيروت. ما يبدو مصادفات منفصلة، يتبيّن — عند تتبّعه على ربع قرن — أنّه نمط منتظم.

رصد فريق مرصد الإعلام العربي 31 حالة موثّقة بين عامَيْ 2000 و2025 لمشاركاتٍ في مسابقة Miss Lebanon انتقلن إلى الإعلام التلفزيوني. الفائزات وحدهنّ يشكّلن نسبة 60% من إجمالي الفائزات في تلك الفترة (أي 12 من أصل 20 فائزة). أمّا الوصيفات، فلا تتجاوز نسبتهنّ في الإعلام 15%. الفارقُ أربعةُ أضعاف، ويقول شيئاً عن طبيعة الاختيار: ليست الكاريزما العامة ولا الحضور المسرحي ما يفتح باب الشاشة، بل التاج تحديداً.

60% من الفائزات يتحوّلن إلى مذيعات. 15% من الوصيفات. الفائزةُ أكثرُ تحوّلاً بأربعة أضعاف.»

القناتان الكبيرتان… والتصدير الإقليمي

داخل لبنان، تستحوذ قناتا MTV و LBCI على ثلاثة أرباع الحالات المحلّيّة: أربع عشرة إعلاميّة مرّت أو تعمل على MTV، وعشرة على LBCI. لكنّ المسار لا يبقى محلّيّاً. 14 حالة من الـ 31 — أي 45%— انتقلن إلى منصّاتٍ عربيّة أو دوليّة. تتوزّعن على المحور السعودي (MBC و Al Arabiya و Rotana) والمحور الإماراتي (Dubai TV و Sky News Arabia و Abu Dhabi TV) بالنسبة الأكبر، إضافةً إلى حالةٍ واحدة في السينما المصريّة، وثلاث في الفضاء الدوليّ (هارفارد، مهرجان برلين السينمائي، Miss World Australia). بعض الحالات شملت أكثر من سوقٍ إقليميّ في الوقت ذاته.

الأنبوب الذي يبدو محلّيّاً، نصفه تصديريّ. والفائزة بمسابقة جمال لبنانيّة تجد نفسها، بعد سنواتٍ قليلة، وجهاً عربياً يقدّم برامج لجمهورٍ ممتد. هذا التأثيرُ، حين يُجمَع، يصير أكبر بكثير من نسخةٍ سنويّة من مسابقةٍ في فندقٍ ببيروت.

حين تنوبُ الصورةُ عن الشهادة

ها هنا يأتي السؤال الجوهري: ما الذي درسته هؤلاء قبل أن يجلسن على الكرسي؟

من بين الحالات الـ 31، تتوفّر معلوماتٌ تعليميّة موثّقة لـ 19. من هؤلاء، 8 فقط درسن الإعلام أو الصحافة بشكلٍ أكاديميّ مباشر. هذه 26% من المجموع، أو 42% من المعروفين تعليميّاً. واحدةٌ منهنّ تحملُ ماجستيراً في الصحافة (نبيلة عوّاد، من الجامعة اللبنانيّة). الباقياتُ درسن إدارة الأعمال، أو القانون، أو التصميم الداخلي، أو الهندسة المدنيّة، أو الديكور الداخلي، أو التغذية الإكلينيكيّة.

ليست الفكرةُ أنّ الإعلام مهنةٌ محصورةٌ بدارسيها. فالإعلامُ تاريخياً مهنةٌ مفتوحةٌ على خلفياتٍ متعدّدة، ومن الطبيعي أن تتنوّع الخلفياتُ الأكاديميّة لمن يعملون فيها. الفكرةُ أنّ هذه ليست عيّنةً عشوائيّةً من المجتمع اللبناني. هي عيّنةٌ محدّدةٌ بمعيارٍ واحد: الفوز بمسابقة جمال أو الوصول لمراتب متقدمة فيها. ثمّ تتحوّل هذه العيّنة، بنسبة 60% إلى مهنةٍ لا ينبغي أن يكون الجمالُ معياراً مهنيّاً منفرداً فيها.

من زاويةٍ أخرى، تبدو الأرقام أكثر دلالة: في فئة الأخبار السياسيّة الجادّة — وهي قلبُ الصحافة — لا نجد إلّا ثلاث حالاتٍ من الـ 31. أقلّ من 10%.
الباقي في فئات الـ Reality TV، الدراما والتمثيل، البرامج الصباحيّة، التقديم العامّ، وتقديم Miss Lebanon نفسها.

«26% فقط درسن الإعلام. 10% فقط يعملن في الأخبار السياسيّة الجادّة. والباقي على كراسٍ لم يتدرّبن مهنياً عليها.»

الحلقة المغلقة

ولأنّ المنطقَ بنيويٌّ لا فرديّ، تتكرّر الدائرة. ساندرا رزق، الفائزة عام 2000، قدّمت Miss Lebanon ثلاث مرّاتٍ على LBC قبل أن تنتقل إلى Al Arabiya. كريستينا صوايا، الفائزة عام 2001 عادت لتقديم المسابقة عام 2007 . نادين نسيب نجيم وأنابيلا هلال جلستا على كرسي لجنة التحكيم في نسخة 2018. ياسمينا زيتون، الفائزة عام 2022، قدّمت النسختين التاليتين (2024 و2025)، وهي لمّا تكمل عامها الرابع على الشاشة. فاليري أبو شقرا، فائزة 2015، كانت من حكّام النسخة الأخيرة عام 2025.

هذه ليست أمثلةً متفرّقة. هي بنيةٌ منتظمة: الفائزةُ تتحوّل إلى مذيعة، فإلى مقدّمةٍ للمسابقة، فإلى عضو لجنة تحكيمٍ تختار الفائزةَ المقبلة. الفائزةُ الجديدةُ ستسير في الطريق ذاته. هكذا تنتج المسابقةُ كادرها الإعلاميّ بنفسها، عبر دورةٍ مغلقةٍ لا تحتاج إلى أبوابٍ أخرى.

نموذج تطبيقيّ: قراءة في دفعة واحدة

لنأخذ سنة 2018 نموذجاً للنمط. فازت يومها مايا رعيدي. لكنّ الوصيفات اللواتي وقفن معها على المنصّة لم يبتعدن طويلاً عن الشاشة: ميرا طفيلي، الوصيفة الأولى، استأنفت تقديم برنامج «الليلة سوا» على MTV. تاتيانا ساروفيم، الوصيفة الرابعة، انتقلت إلى MTV وقناة الوسط معاً. ناتالي عوّاد، التي حلّت ضمن Top 10، صارت بعد ثلاث سنوات معلّقةً رياضيّةً على MTV ثمّ على LBCI.

ثلاث مشاركات من Top 10 لنسخةٍ واحدة، انتقلن كلّهن إلى الإعلام. خلفياتهنّ التعليميّة مختلفة (هندسة الديكور الداخلي عند ميرا، تغذية إكلينيكيّة ودكتوراه عند ناتالي، غير محسومة عند الأخريات)، لكنّ المسار واحد. هذا ليس استثناءً بل تطبيقاً نموذجياً لما تكشفه الأرقام.

استثناءاتٌ تستحقّ الذكر

من الإنصاف ذكرُ أنّ في العيّنة استثناءاتٍ حقيقيّةً تتجاوز التعميم. كارولينا نصار، الوصيفة الأولى عام 2011، تحمل شهادةَ قانونٍ من بيروت ودبلوماً من مدرسة فليتشر للقانون والدبلوماسيّة بجامعة تافتس الأميركيّة، وتعمل اليوم مذيعةَ أخبارٍ على Sky News Arabia. نادين ويلسون نجيم، الفائزة عام 2007، أكملت ماجستيرَ إدارة الأعمال من جامعة هارفارد عام 2024. أنابيلا هلال تحمل دكتوراه في القانون منذ عام 2022. ناتالي عوّاد، صاحبة Top 10 عام 2018 هي طالبة دكتوراه من جامعة Audencia في فرنسا قبل أن تصبح معلّقةً رياضيّة. مايا أبو حصن وياسمينا زيتون درسن الإعلام أكاديميّاً قبل المسابقة.

هؤلاءِ يعكسن أنّ المسار من المسابقة إلى الإعلام ليس بالضرورة بديلاً عن الكفاءة — بعضهنّ يحملن مؤهّلاتٍ تنافس أيّ صحفيّةٍ في العالم العربيّ. لكنّ وجود الاستثناءات لا يلغي القاعدة: غالبيّة العيّنة لم يتدرّبن على مهنة الصحافة قبل أن يجلسن على كرسيّها. 26% فقط، تذكيراً.

ملاحظات منهجيّة

تتوجّب هنا الإشارة إلى حدود البحث. الـ 31 حالة المرصودة عيّنة دلاليّة، لا حصرٌ شاملٌ لكلّ من جلسن على كرسيّ تلفزيونيّ في لبنان منذ عام 2000. والـ 31 ذاتها قد تنمو مع البحث المستمرّ — خمسُ حالاتٍ منها أُضيفت في الأشهر الأخيرة (لاميتا فرنجية في السينما المصريّة، كارولينا نصار في Sky News Arabia، ريم خوري في السينما الفنّيّة الدوليّة، ميرا طفيلي وتاتيانا ساروفيم على MTV وقناة الوسط).

ولا يقصد البحثُ الإيحاء بأنّ كلَّ إعلاميّةٍ لبنانيّةٍ مرّت بهذا المسار. هناك صحفيّاتٌ لبنانيّاتٌ بارزاتٌ لم يقتربن من مسابقات الجمال، وكفاءاتٌ إعلاميّة وُلدت من رحم العمل الميدانيّ، ودخلت الشاشة من بوّابة الخبر لا من بوّابة المنصّة.

ما يقدّمه هذا البحث مؤشّرٌ، لا حكم. حين تتكرّر 31 حالةً بالبنية ذاتها، خلال ربع قرن، عبر معظم القنوات اللبنانيّة الكبرى، فإنّ المسألة تتجاوز المصادفةَ الفرديّة. هذا تيّارٌ، له منطقُه ومصلحتُه الإنتاجيّة، ويستحقّ الفحصَ المهنيّ.

الصورة في أرقام

المؤشّر القيمة الدلالة
إجمالي الحالات الموثّقة 31 بين 2000 و2025
نسبة الفائزات في الإعلام 60% 12 من 20 فائزة
نسبة الوصيفات في الإعلام 15% الفائزة أكثرُ تحوّلاً بأربعة أضعاف
نسبة من خرجن إقليمياً/دولياً 45% 14 من 31— المسار تصديريّ
نسبة من درسن الإعلام أكاديمياً 26% غالبيّتهنّ خلفياتٌ غير صحفيّة
نسبة في الأخبار السياسيّة الجادّة 10% 3 من 31 فقط
متوسّط مدّة الاستمرار في الإعلام 9.7 سنة الأطول: 26 سنة (ساندرا رزق)
القناة الأكثر استقطاباً محلياً MTV 14 حالة، تليها LBCI بـ 10 حالات
السنة الذهبيّة 2022 6 حالات من 17 مشاركة = 35%
ثاني أكثر سنة إنتاجاً 2018 3 حالات من Top 10 و2 هامشيّة

 

ماذا يعني هذا للصحافة؟

التلفزيون كصناعةٍ في حاجةٍ إلى وجوه — هذا صحيح. لكنّه أيضاً مسؤوليّةٌ عامّة، منصّةٌ تشكّل الرأي والمعلومة. حين يصير اختيار من يقدّمها مرهوناً بمعيارٍ جماليّ، تتأذّى الصحافة في موضعَيْن على الأقلّ:

الأوّل: تنشئة الكفاءات. حين تجد خرّيجةُ كلّيّة الإعلام أنّ بابها مغلقٌ لصالح من دخلت من بوّابة مسابقة جمال، تنهار الحوافزُ الأكاديميّة لمهنةٍ بحاجةٍ شديدةٍ إلى الجدّيّة. الرسالةُ الضمنيّةُ التي تصل لجيلٍ كاملٍ من الفتيات: ادرسي ما تشائين، لكن المسارُ الحقيقيّ يمرّ عبر منصّةٍ أخرى.

الثاني: ثقة المتلقّي. حين يصبح وجهُ الإعلاميّة هو القيمةَ الأولى لما تقول، تتراجعُ ثقةُ الجمهور بمضمون ما يُقال. تنشأ علاقةٌ استهلاكيّةٌ لا علاقةٌ معرفيّة. تصبح النشرةُ عرضاً، لا مهنة. وهذا لا يخدم لا الإعلاميّةَ نفسها — التي تختزل في مظهرها — ولا الجمهورَ الذي يحتاج إلى مرجعيّةٍ مهنيّة في مساحةٍ عامّةٍ متعبة.

المسألةُ ليست أخلاقيّةً بحتةً. هي مهنيّةٌ، اقتصاديّةٌ، اجتماعيّةٌ في آن. وهي تتجاوز لبنان كحالةٍ معزولة — حيث إنّ هذا الأنبوب يتفرّع إلى عواصمَ عربيّةٍ، يتشكّل في الإمارات والسعوديّة ومصر، يحدّد لوناً معيّناً من الإعلاميّ «المقبول» في الفضاء العربيّ كلّه.

الأسئلة المعلّقة

لا يدّعي هذا التقريرُ أنّه يحلّ قضيّةً أو يفتح ملفّاً. الأرقامُ موجودة، البنيةُ موثّقة، النمطُ مستمرّ. والأسئلة التي يطرحُها لا تتوقّع إجاباتٍ سهلة:

على القنواتِ أن تجيب: ما هي معايير اختيار الإعلاميّات الفعليّة؟ وكيف تُوضع؟ ومن يقرّرها؟

على كلّيّات الإعلام أن تسأل: لماذا تخسر خرّيجاتُها أمام بدائلَ لا تحمل التدريبَ نفسه؟ وماذا تفعل لإعادة فتح الباب؟

على نقابة الصحفيّين أن تنظر: هل ثمّة معيارٌ مهنيٌّ متّفقٌ عليه لمن يجلسُ على كرسيّ الإعلاميّة، أم أنّ الكرسيَّ مفتوحٌ لمن يصلُ بأيّ طريقة؟

أمّا الجمهورُ، فعلى الأرجح يستحقّ نقاشاً صريحاً — لا حكماً، بل سؤالاً: هل نُريد مذيعاتٍ تختارهنّ مسابقاتُ الجمال، أم معاييرُ صحفيّةٌ شفّافة؟

«الأرقام لا تكذب. 31 حالة في ربع قرن ليست مصادفة، بل بنيةٌ تستحقّ نقاشاً مهنياً مفتوحاً.»

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي