في يومٍ واحد، تبدّلت ملامح المشهد الإعلامي الرقمي في السعودية تبدّلًا يصعب اختزاله في بيان بورصة عابر. فقد أعلنت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، الثلاثاء 12 مايو 2026، عبر إفصاحٍ رسمي على «تداول السعودية»، عزمها رفع حصتها في شركة «ثمانية للنشر والتوزيع» من 51% إلى 75%، عبر ذراعها المملوكة بالكامل «الشركة العربية للوسائل»، مع التزامٍ بتمويلٍ إضافي يصل سقفه إلى 200 مليون ريال على مدى أربع سنوات.
غير أن الصفقة، على ضخامتها المالية، لم تكن وحدها الخبر؛ فقد تزامنت مع تسريباتٍ صحفية تحدّثت عن استقالةٍ لعبد الرحمن أبو مالح، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ«ثمانية»، إثر خلافاتٍ مع جمانة الراشد، الرئيس التنفيذي للمجموعة ورئيس مجلس مديري «ثمانية»، حول التوجّه الاستراتيجي المستقبلي للشركة. وهكذا تتقاطع ثلاث قصص في حدثٍ واحد: استحواذٌ مالي، ونزاعٌ على رؤية، ومنصةٌ بدأت بودكاست عربيًا متواضعًا، وأصبحت ناقلًا رسميًا لمنافسات كرة القدم السعودية بعقدٍ يبلغ 2.32 مليار ريال.
«ثمانية» اليوم لم تعد منصة بودكاست انخرطت فيها مجموعةٌ إعلامية كبرى؛ بل ذراعٌ رياضي ـ إعلامي للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، يتولّى نقل أهم منتجٍ ترفيهي في المملكة.
ماذا حدث في 12 مايو؟
دخلت «العربية للوسائل» في ترتيبٍ مع الشركاء الآخرين في «ثمانية»، وهم: عبد الرحمن أبو مالح، وأسيل صلاح باعبد الله، وشركة «ميم للبحوث والدراسات». يتألّف الترتيب من ثلاث طبقاتٍ مالية متمايزة، تتكامل لتُشكّل صفقةً واحدة.
الطبقة الأولى: رسملة دفعاتٍ وتمويلاتٍ سابقة سبق أن قدّمتها «العربية للوسائل» إلى «ثمانية» بإجمالي 52.36 مليون ريال، يجري تحويلها بموجب الاتفاق إلى حصصٍ في رأس المال بدلًا من بقائها قروضًا مستحقّة.
الطبقة الثانية: مدفوعاتٌ نقدية مباشرة بقيمة 45 مليون ريال للشركاء الثلاثة، لقاء تنازلهم عن جزءٍ من حصصهم.
أما الطبقة الثالثة، الأكبر والأكثر دلالةً على المستقبل، فهي التزامٌ بتمويلٍ إضافي يصل سقفه إلى 200 مليون ريال على مدى أربع سنوات، بشروطٍ اعتيادية وغير تفضيلية، لدعم العمليات التشغيلية والتوسّع المستقبلي. بهذه التركيبة، يبلغ الالتزام المالي الإجمالي المُعلَن للمجموعة في هذه الجولة نحو 297.4 مليون ريال.
وأوضحت المجموعة أن الأثر المالي للترتيب سيبدأ اعتبارًا من النصف الثاني من العام المالي 2026، وأن الصفقة مشروطةٌ باستكمال الموافقات النظامية اللازمة. كما أكّدت، التزامًا بمتطلّبات الإفصاح ومنعًا لأي تعارض مصالح، أن جمانة الراشد، بوصفها رئيس مجلس مديري «ثمانية»، لا تتمتّع بأي مصلحةٍ مباشرة في الصفقة.
اللافت في الأرقام يظهر بالمقارنة مع صفقة 2021 الأصلية، حين دخلت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام إلى «ثمانية» للمرة الأولى في يوليو من ذلك العام؛ فاستحوذت على 51% من الأسهم مقابل 33.31 مليون ريال فقط، بحسب بيانات منصة «أرقام». بعد أقلّ من خمس سنوات، باتت قيمة الالتزام الجديد أكثر من تسعة أضعاف قيمة الاستحواذ الأصلي، ما يعكس أمرين متلازمين: تضخّم القيمة الدفترية لـ«ثمانية» نفسها بعد دخولها سوق البثّ الرياضي، والقفزة في طموحات المجموعة لتحويلها من شبكة بودكاست إلى ذراع بثٍّ رياضي متكامل قادر على إدارة عقدٍ بمليارات الريالات.
الرهان على البثّ الرياضي
لا يمكن قراءة صفقة 12 مايو بمعزلٍ عن الحدث المؤسِّس الذي سبقها بخمسة أشهر: حصول «ثمانية» في يونيو 2025 على حقوق البثّ الحصرية لمسابقات كرة القدم السعودية، وهي: دوري روشن للمحترفين، ودوري يلو للدرجة الأولى، وكأس خادم الحرمين الشريفين، وكأس السوبر السعودي. وجاء ذلك وفق عقدٍ نهائي وقّعته الشركة في فبراير 2026، تبلغ قيمته الإجمالية 2.32 مليار ريال على ستة مواسم، من 2025/2026 إلى 2030/2031، بمعدّل سنوي يقارب 387 مليون ريال. بهذا العقد، صار الدوري السعودي رسميًا خامس أعلى دوري كرة قدم في العالم من حيث عوائد البثّ المحلي، متجاوزًا الدوري الفرنسي.
هذا الحجم لا يحتمل بنية «شركة بودكاست» وفق معايير الصناعة الكلاسيكية؛ فمن يبثّ دوري روشن يحتاج إلى استوديوهات إنتاج رياضي، وأطقم تعليقٍ وتحليل، وحقوق توزيع إقليمية تغطّي 22 دولة، وبنيةً تقنيةً قادرة على البثّ الحيّ المتزامن، ومسارَين تجاريَّين متوازيَين: قنوات فضائية مجانية، وباقات اشتراك مدفوعة. ومن هنا، يصبح ضخّ الـ200 مليون ريال الإضافية تمويلًا تشغيليًا أكثر منه استثمارًا في الملكية؛ فالشركة تحتاج رأس مالٍ عاملًا لتغطية فاتورة موسمٍ كامل، لا فقط لشراء نسبة في أسهمها.
الانتقال من 51% إلى 75% ليس انتقالًا رمزيًا؛ فهو يمنح المجموعة، بحسب نُظُم الحوكمة في الشركات السعودية، سيطرةً «خاصة» تتيح تمرير القرارات الاستراتيجية الكبرى دون الحاجة إلى توافقٍ مع الشركاء الآخرين: تعديلات النظام الأساسي، وزيادات رأس المال، والاندماج أو الاستحواذ، وتعيين كبار التنفيذيين. بصياغة أخرى: عند 51% كانت المجموعة شريكًا مسيطرًا تشغيليًا؛ أما عند 75%، فقد باتت تملك «ثمانية» بالمعنى التشريعي الكامل، وتحوّل بقية الشركاء إلى أقليّةٍ لا تستطيع تعطيل قرارٍ ولو اجتمعت كلمتها.
جمانة الراشد: مهندسة التحوّل وذراعه التنفيذية
لا تُفهم الصفقة كاملةً دون فهم الشخصية القائدة في مركزها. تولّت جمانة راشد الراشد منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام في أكتوبر 2020، لتكون أول امرأةٍ في تاريخ المجموعة، المؤسَّسة عام 1972، تتولّى هذا المنصب. تحمل بكالوريوس العلوم السياسية وماجستير الصحافة الدولية، وتجمع إلى جانب رئاستها التنفيذية أربعة مواقع حسّاسة: رئيس مجلس مديري «ثمانية»، ورئيس مجلس أمناء مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وعضو مجلس إدارة جامعة الملك سعود، وعضو مجلس إدارة المجموعة.
على مدى السنوات الخمس الماضية، قادت الراشد ما تصفه المجموعة بـ«التحوّل الرقمي الشامل»، وأطلقت سبع ركائز أعمالٍ جديدة وفق آخر إحصاءٍ معلَن، وأبرمت شراكاتٍ مع كبرى المؤسسات الإعلامية الدولية، من «بلومبيرغ ميديا» إلى «وارنر براذرز ديسكفري»، ومن «الإندبندنت» و«بيلبورد» إلى «بنسكي ميديا» و«شوئيشا اليابانية». بهذه الشراكات، وسّعت محفظة المجموعة لتضمّ أكثر من ثلاثين منصةً إعلامية تصل إلى مئات الملايين من المستهلكين عبر سبع لغات وأربع قارات.
في أكتوبر 2025، اختارت مجلة «تايم» الأمريكية الراشد ضمن قائمة «تايم 100 نكست» لأهم 100 شخصيةٍ صاعدة من قادة المستقبل في العالم، لتكون أول سعوديةٍ على الإطلاق تُدرَج في هذه القائمة. ووصفتها المجلة بأنها «مهندسة المشهد الإعلامي المتغيّر في الشرق الأوسط»، وهو توصيفٌ يلتقط طبيعة دورها: ليس فقط إدارة مجموعةٍ إعلامية كبرى، بل إعادة هندسة العلاقة بين الإعلام العربي وجمهوره من الداخل.
في ضوء هذا، تبدو صفقة 12 مايو 2026 أكثر من توسّعٍ مالي في إحدى الشركات التابعة؛ هي تنفيذٌ ميداني لرؤية الراشد عن دور الإعلام السعودي في الاقتصاد الترفيهي الجديد، حيث يتقاطع المحتوى مع الرياضة مع التقنية في منظومةٍ واحدة. وإذا كان الاستحواذ الأصلي على «ثمانية» في 2021 خطوةً في مشروع «التحوّل الرقمي»، فإن رفع الحصة إلى 75% خطوةٌ في مشروعٍ أكبر: تحويل المجموعة من ناشرٍ إعلامي تقليدي إلى لاعبٍ مركزي في صناعة الترفيه السعودية الصاعدة.
عبد الرحمن أبو مالح وجوهر الخلاف مع الراشد
بالتوازي مع إعلان الصفقة، تداولت أوساط الإعلام السعودي تسريباتٍ متطابقة، أبرزها ما نشره الإعلامي أحمد العجلان في 12 مايو، مفادها أن أبو مالح قدّم استقالته من منصبه على خلفية خلافاتٍ متصاعدة مع الراشد حول التوجّه المستقبلي للشركة. وأشارت روايةٌ ثانية إلى أن استقالته ترافقت مع استقالة فيصل الغامدي، الرئيس التشغيلي، وإن لم تؤكَّد رسميًا حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
بحسب الروايات المتداولة، تمسّك أبو مالح بـ«الرؤية التي عُرفت بها ثمانية منذ تأسيسها»: شركة محتوى عربي حُرّ، قائمة على البودكاست الفكري والثقافي والوثائقي، تسعى لإنتاجٍ معمّق يحاكي قضايا الجمهور العربي المثقّف. في المقابل، تدفع الراشد، وعبرها المجموعة، نحو نموذجٍ صناعي مختلف: شركة تقنية إعلامية متعدّدة المنصات، تتمحور حول البثّ الرياضي وحقوق المحتوى المرئي عالي الإيرادات، وتعمل بمنطق المؤسسات الإعلامية الكبرى، لا بمنطق الاستوديو الفكري المستقل.
الخلاف في جوهره ليس صدامَ شخصيات، بقدر ما هو صدامَ نموذجَين: نموذج المؤسس الذي يرى منتجَه امتدادًا لشخصه ورسالته، ونموذج المؤسسة الكبرى التي ترى في ذلك المنتج أصلًا استراتيجيًا قابلًا للتشكيل وفق متطلبات السوق الأكبر. وعندما تتقاطع رؤيتان كهاتين داخل شركةٍ سيطر مساهمها الأكبر على 75% من أسهمها، فإن النتيجة محسومةٌ سلفًا. استقالة أبو مالح، وإن جاءت في توقيت الصفقة، ليست مصادفةً تحريرية؛ بل تتويجٌ لمسار تهميشٍ تدريجي للمؤسس داخل الشركة التي أسّسها.
من «فنجان» إلى ناقل دوري روشن
عبد الرحمن بن علي أبو مالح، مواليد 1988 في خميس مشيط، مهندس برمجيات تخرّج من جامعة ولاية أريزونا عام 2015، ويُعدّ من رواد البودكاست في العالم العربي. في الحادي عشر من أبريل 2015، وهو لا يزال طالبًا في أريزونا، رفع حلقةً صوتيةً واحدةً إلى الإنترنت أطلق عليها اسم «فنجان». لم تكن مشروعًا تجاريًا ولا فكرةً مدروسة، بل تجربةً شخصية لشابٍ يحبّ الحوار المطوّل، ولا يجد له مكانًا في الإعلام العربي السائد.
بعد عودته إلى المملكة، أسّس في أكتوبر 2016 شركة «ثمانية للنشر والتوزيع» في الرياض بتمويلٍ ذاتي بالكامل، وانضمّت إليه الكاتبة أسيل باعبد الله شريكًا مؤسسًا في فبراير 2017. فتحوّلت «ثمانية» تدريجيًا من بودكاست واحد إلى شبكةٍ تضمّ «سقراط» و«سوالف بزنس»، وبدأت إنتاج الأفلام الوثائقية اعتبارًا من مارس 2018. على مدى أربع سنوات، بَنَت الشركة بهدوءٍ ما يشبه «المدرسة» في الحوار العربي العميق: حواراتٌ مطوّلة لم تشهدها الساحة الرقمية من قبل، ضيوفٌ من خارج الأطر التلفزيونية التقليدية، انفتاحٌ على الأكاديميين والباحثين والصحفيين العرب من خارج الجغرافيا السعودية، وتقديمٌ هادئ يميل إلى الإصغاء أكثر من المحاورة الاستجوابية. وقد حقّقت إحدى حلقاته مع ياسر الحزيمي، في نوفمبر 2022، رقمًا قياسيًا بمائة مليون مشاهدة على يوتيوب، وُصفت بأنها «الأعلى مشاهدةً في تاريخ البودكاست عربيًا وأجنبيًا».
نقطة التحوّل الكبرى جاءت في الرابع عشر من يوليو 2021، حين استحوذت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام على 51% من أسهم «ثمانية» مقابل 33.31 مليون ريال. في العام نفسه، استحوذت «ثمانية» بدورها على شركة «ميم» المالكة لبودكاست «سقراط»، ثم على «كوميدي بود» في مايو 2024. وفي يناير 2024، أعلنت تحوّلها رسميًا من «شركة محتوى» إلى «شركة تقنية إعلامية متعدّدة المنصّات»، وهو انتقالٌ يعكس استراتيجية المجموعة الأكبر أكثر منه قرارًا داخليًا.
الضربة الكبرى جاءت في يونيو 2025، حين فازت «ثمانية» بحقوق البثّ الحصرية لمنافسات كرة القدم السعودية لستة مواسم، بدأ نفاذها في 19 أغسطس 2025. الشركة التي صعدت ببودكاست الفكر والثقافة، باتت فجأةً أكبر ناقلٍ رياضي في المملكة.
واليوم، في 12 مايو 2026، اكتمل المشهد بإعلان رفع حصة المجموعة إلى 75% وضخّ 200 مليون ريال إضافية، بالتزامن مع تسريبات استقالة المؤسس. ليُختتم بذلك مسارٌ بدأ بحلقةٍ صوتية فردية في غرفةٍ طلابية بأريزونا، وانتهى بشركةٍ تنقل أهم منتجٍ ترفيهي في الخليج، لكنها فقدت في الطريق الصوتَ الذي صنعها.
نهاية أسطورة المؤسس المستقل
منذ منتصف العقد الماضي، تشكّلت في الخليج طبقةٌ من «المؤسسين الرقميين» الذين أقاموا منصاتٍ مؤثّرة بهويةٍ شخصية واضحة: أبو مالح في السعودية، وأمثاله في الإمارات والكويت. بعضهم احتفظ باستقلاله، وبعضهم انضمّ إلى مجموعاتٍ كبرى مقابل رأس مالٍ ووصولٍ أوسع. لكن التجربة السعودية الجارية تكشف أن «التزاوج» بين الشركة الكبرى ومنصة المؤسس له سقفٌ زمني، وأنه عندما يأتي وقت القرارات الكبرى، فإن منطق المؤسسة يتقدّم على منطق المؤسس.
كان السوق السعودي لحقوق البث الرياضي، تاريخيًا، ميدانًا للمنافسة بين قنواتٍ إقليمية متعددة، من «إيه آر تي»، إلى «الجزيرة الرياضية»، فـ«بي إن سبورتس»، فـ«إس إس سي»، فـ«شاهد». بصفقة «ثمانية»، انتقل المحتوى الرياضي السعودي إلى منصةٍ سعودية مملوكة لمجموعةٍ سعودية كبرى تخضع لإشراف الدولة بشكلٍ مباشر. هذه ليست بالضرورة تطوّرًا سلبيًا؛ فمعظم الدول الكبرى تحرص على «التحكم السيادي» بحقوق محتواها الرياضي، لكنها تحوّلٌ جوهري في خريطة القوى الإعلامية الخليجية يستحق التوثيق.
السؤال الأكثر إلحاحًا، إعلاميًا، ليس عن المال ولا عن الحوكمة، بل عن المنتج: ماذا سيحدث لبودكاست «فنجان» في غياب مؤسسه؟ هل تستمرّ «ثمانية» في إنتاج البودكاست الفكري والوثائقيات بالعمق ذاته الذي ميّزها؟ أم أن منطق «شركة البثّ الرياضي» سيُعيد توزيع الموارد التحريرية لصالح المنتج الأعلى عائدًا، ويُحوّل البودكاست إلى جزءٍ هامشي في محفظةٍ ضخمة؟

