“العرب في بريطانيا”.. صحافة تولد من احتياجات الجالية

"العرب في بريطانيا": صحافة خدمية تولد من احتياجات الجالية العربية

تنظر غالبية وسائل الإعلام العربية إلى بريطانيا من بوابة السياسة والحكومة والانتخابات، أما منصة “العرب في بريطانيا” فاختارت مدخلًا مختلفًا، يبدأ من سؤال أقرب إلى الحياة اليومية: ماذا يحتاج العربي كي يفهم البلد الذي انتقل إليه، ويتعامل مع قوانينه ومؤسساته، ويجد مكانه داخل مجتمعه الجديد.

من هذه المساحة انطلقت التجربة التي أسسها ويرأس تحريرها الصحفي الفلسطيني البريطاني عدنان حميدان، وبدأت عملها عام 2021، مقدمة نفسها بوصفها منصة “من العرب في بريطانيا وإليهم”، تخاطب المقيم في المملكة المتحدة أو الراغب في الانتقال إليها، وتربط الأخبار بالأنشطة والفعاليات والخدمات التي يحتاجها المجتمع العربي، هذا التعريف يضع الموقع في منطقة تتقاطع فيها ثلاثة أدوار: وسيلة أخبار بريطانية باللغة العربية، وصحافة جالية تتابع أنشطة العرب وقصصهم، ومنصة خدمية تحاول تفكيك النظام البريطاني للقارئ الجديد أو غير المتخصص.

الخبر بوصفه خدمة

تظهر هذه الهوية بوضوح في خريطة أقسام الموقع، فإلى جانب أخبار السياسة والاقتصاد والصحف البريطانية، توجد مساحات مستقلة للخدمات والسكن، والتعليم والمدارس، والهجرة واللجوء، والعمل والاستثمار، والوظائف والفرص، وهي موضوعات لا يتعامل معها الموقع كملحق ثانوي، بل بوصفها جزءًا أساسيًا من أجندته التحريرية.

وتتراوح المواد بين شرح التغييرات في قوانين الهجرة، ومتابعة أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، والتعريف بالمنح وفرص العمل، وتقديم أدلة عملية للمدارس والمعاهد والخدمات والمناسبات الدينية.

بهذا المعنى، لا تقاس قيمة الخبر هنا بضخامته السياسية وحدها، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال عملي: كيف سيؤثر هذا القرار في الإقامة أو الدخل أو السكن أو تعليم الأبناء، وماذا ينبغي للقارئ أن يعرف أو يفعل بعد قراءته.

غرفة أخبار داخل المجتمع

لا تكتفي “العرب في بريطانيا” بمراقبة الجالية من الخارج، بل تعمل من داخل مساحتها الاجتماعية، فتغطي أنشطة الجمعيات والمدارس العربية والمساجد والفعاليات الثقافية وحملات التضامن، وتنظم بدورها ندوات تجمع قانونيين ورواد أعمال وشخصيات عامة، إلى جانب برامج تدريب ومبادرات وجائزة سنوية للشخصية العربية المتميزة في بريطانيا.

هذا الحضور يجعل العلاقة مع الجمهور أقرب إلى عضوية في شبكة اجتماعية منها إلى العلاقة التقليدية بين صحيفة وقرائها، فالجمهور مصدر للقصص، ومستفيد من الخدمة، ومشارك محتمل في الفعاليات، وأحيانًا مساهم في إنتاج المحتوى، إذ تدعو المنصة العرب المقيمين في بريطانيا إلى الكتابة والتحرير ونقل تجاربهم.

لكن هذا القرب يضع التجربة أيضًا أمام اختبار مهني دائم، يتعلق بوضوح الحدود بين الخبر والمبادرة، وبين التغطية والترويج، خصوصًا حين تكون المنصة نفسها منظمة للفعالية أو شريكة فيها، وكلما اتسع نشاطها المجتمعي ازدادت أهمية الإفصاح عن هذا الدور والفصل الواضح بين المادة الصحفية والمحتوى التعريفي أو الدعائي.

بصمة عدنان حميدان

تنسجم طبيعة المنصة مع المسار المهني لمؤسسها، عمل حميدان في الإذاعة والتلفزيون قبل تأسيس الموقع، وقدم برامج اجتماعية وإخبارية في إذاعة “حياة إف إم” الأردنية وقناة “الحوار” في لندن، إلى جانب نشاطه في التدريب والعمل الأهلي.

ويبدو أثر هذه الخلفية في تحويل “العرب في بريطانيا” من موقع ينشر الأخبار إلى مساحة تجمع الإعلام بالتشبيك والتدريب والفعاليات، وفي الحضور الشخصي لحميدان داخل التغطيات والندوات والمبادرات، وقد توسعت المنصة إلى البودكاست والفيديو، ووصلت قناتها على يوتيوب إلى نحو 150 ألف مشترك في أغسطس 2026.

بريطانيا بعدسة لندنية

يحمل الموقع اسم بريطانيا ويغطي مدنًا مثل مانشستر وبرمنغهام وشيفيلد وبرايتون، كما تضم قائمة فريقه مراسلتين في شيفيلد وبرايتون، إلا أن مركز ثقله ما يزال في لندن، حيث المقر ومعظم الندوات والفعاليات والشبكات التي تتحرك حولها المنصة.

ولا يلغي هذا التركيز القيمة الخدمية للموقع، لكنه يحدد التحدي المقبل أمامه: أن يحول اتساع الاسم إلى شبكة محلية أكثر انتظامًا خارج العاصمة، تعكس اختلاف تجارب العرب بين إنجلترا واسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، وبين المدن الكبرى والتجمعات الأصغر.

تقدم “العرب في بريطانيا” في النهاية نموذجًا لصحافة لا تأتي إلى الجالية من أعلى، بل تخرج من أسئلتها اليومية وعلاقاتها الداخلية، وقوتها الأساسية أنها تفهم الخبر بوصفه خدمة، أما اختبار نضجها فيبقى في توسيع تمثيلها الجغرافي، وترسيخ المسافة المهنية التي تضمن أن يظل قربها من المجتمع مصدر معرفة وثقة، لا سببًا لاختلاط الأدوار.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي