المغرب يقرّ قانون إعادة هيكلة مجلس الصحافة.. و«المادة 19» تحذّر من مؤسسة بلا شرعية مهنية

المغرب يقرّ قانون إعادة هيكلة مجلس الصحافة.. و«المادة 19» تحذّر من مؤسسة بلا شرعية مهنية

Author

أقرّ البرلمان المغربي في يونيو 2026 مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة هيكلة المجلس الوطني للصحافة، ليطوي بذلك مساراً تشريعياً متعثراً امتد لأكثر من عام، مرّ خلاله النص على المحكمة الدستورية التي أبطلت عدداً من أحكامه. غير أن منظمة «المادة 19» المعنية بحرية التعبير والإعلام رأت، في بيان أصدرته الاثنين 6 يوليو 2026، أن القانون الجديد — بمضمونه وبالطريقة التي اعتُمد بها — قد يقوّض فعالية المجلس وشرعيته بوصفه آلية مستقلة للتنظيم الذاتي لقطاع الإعلام.

جوهر اعتراض المنظمة لا يقف عند بنودٍ بعينها، بل يطال المسار كله: فالقانون الذي يُفترض أن يجسّد قدرة المهنة على تنظيم نفسها بنفسها اعتُمد — بحسب البيان — في ظل انخراط محدود مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني، رغم مطالباتهم المتكررة طوال مراحل الإصلاح بمشاورات جادة وشاملة حول مستقبل المجلس. وتعتبر «المادة 19» هذا الإخفاق مقلقاً على نحو خاص، لأن فعالية أي آلية للتنظيم الذاتي ومصداقيتها تتوقفان في نهاية المطاف على ثقة المهنة التي وُجدت الآلية لخدمتها وشعورها بملكيتها.

التعيين والعقوبات: ثغرتان في بنية الاستقلال

على مستوى المضمون، تتوقف المنظمة عند احتفاظ القانون بآلية تفويضٍ لتعيين بعض أعضاء المجلس، محذّرةً من أن بنية التعيين المقترحة قد لا تستوفي بالكامل متطلبات المعايير الدولية، التي تشدّد على أن مصداقية أي مجلس للصحافة وفعاليته ترتبطان بإجراءات تعيين شفافة وتشاركية ومحصّنة من التأثير السياسي. وتذكّر «المادة 19» بأن مبادئ التنظيم الذاتي تقتضي أن يُنتخب أعضاء المجلس حصرياً من جانب المهنيين الإعلاميين وممثلي الجمعيات الحقوقية وجمعيات حماية المستهلك ذات الصلة.

وجدّدت المنظمة كذلك تحفظاتها الأوسع على صلاحية المجلس في توقيع عقوبات زجرية، معتبرةً أن التنظيم الذاتي لأفضل الممارسات المهنية يستلزم فصلاً واضحاً عن السلطات العقابية صوناً لاستقلال المؤسسة. وفي المقابل، رحّب البيان بجملة تعديلات إيجابية أدخلها القانون، أبرزها التمثيل المتساوي بين الصحفيين والناشرين، وإلغاء المقاعد المخصصة سلفاً للناشرين، واعتماد نظام التمثيل النسبي للهيئات المهنية للناشرين — مستدركاً أن هذه التحسينات لا يمكن تقييمها بمعزل عن المسار الذي اعتُمدت من خلاله.

وتخلص المنظمة من ذلك إلى خشيتها أن يُنظر إلى المجلس الجديد بوصفه مؤسسة مفروضة من فوق، لا هيئة تنظيم ذاتي حقيقية، وهو ما ينذر — بتعبير البيان — بمؤسسةٍ تبقى شرعيتها موضع نزاع، وتتقلص قدرتها على تنظيم القطاع تنظيماً فعالاً، لا سيما أن اعتماد القانون جاء في سياق يتسم بعزوف واسع بين الإعلاميين، وهو ما يناقض في نظرها جوهر التنظيم الذاتي القائم على أن يضع المهنيون معاييرهم الأخلاقية ويصونوها ويطبّقوها بأنفسهم دون تدخل حكومي مباشر.

عقد من التقدم في مهب الإصلاح

لا تكتمل دلالة القانون الجديد إلا على خلفية عقدٍ كامل من تجربة تنظيم الصحافة في المغرب. فالمجلس الوطني للصحافة، الذي أُنشئ عام 2016 بموجب القانون رقم 90.13، عُدّ آنذاك إنجازاً بارزاً لا للمغرب وحده بل للمنطقة بأسرها، حيث تظل هيئات التنظيم الذاتي للإعلام نادرة على نحو استثنائي. وعلى الرغم من أوجه قصور مُقرّ بها — في مقدمتها نشأته هيئةً قانونية لا مستقلة استقلالاً تاماً — مثّل المجلس تقدماً حقيقياً في تعزيز حرية الصحافة وترسيخ المعايير الأخلاقية للمهنة.

غير أن هذا المسار بدأ يتعثر مع انتهاء ولاية المجلس الأولى عام 2022 دون تجديدها، إذ حالت عقبات إدارية وسياسية دون تنظيم انتخابات جديدة، فدخلت المؤسسة طوراً من الشلل المؤسسي المديد. ومدّدت الحكومة الولاية 6 أشهر قبل أن تنقل صلاحيات المجلس عام 2023 إلى لجنة مؤقتة كُلّفت بالإشراف على قطاع الصحافة والنشر لمدة عامين بموجب القانون رقم 15.23، وهو نصٌّ حذّرت منظمات حقوقية حينها من أن بعض أحكامه تحمل تراجعات قد تنسف ما تحقق في التنظيم الذاتي وتمسّ حرية الصحافة.

وحين استؤنف مسار الإصلاح عام 2025 بمشروع القانون رقم 26.25، أثار النص بدوره مخاوف الصحفيين والمنظمات الحقوقية من أحكام قد تمنح الحكومة قبضة أشد على الإعلام، واعتُبر على نطاق واسع انتكاسة خطيرة لحرية الصحافة والتعبير. وإثر اعتراضات برلمانية، أُحيل المشروع على المحكمة الدستورية التي قضت في يناير 2026 بعدم دستورية عدد من أحكامه، فتقدّمت الحكومة بصيغة معدّلة حملت الرقم 09.26 — وهي الصيغة التي صادق عليها البرلمان الشهر الماضي.

سابقة إقليمية مقلوبة

في التقييم الأشمل، ترى «المادة 19» أن القانون الجديد ومساره يمثلان خطوة إلى الوراء لا لتنظيم الصحافة في المغرب فحسب، بل لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا برمّتها، حيث كان المجلس المغربي واحداً من الهيئات القليلة للتنظيم الذاتي في الإقليم، ونموذجاً مهماً — وإن ظل ناقصاً — في بيئةٍ ما زالت فيها حرية الصحافة واستقلال الإعلام يواجهان تحديات جسيمة. وبدلاً من البناء على أسس 2016 وتمتينها، أدخل مسار الإصلاح — بحسب المنظمة — مواطن هشاشة جديدة تهدد استقلال التنظيم الذاتي للإعلام ومصداقيته، وقد تشكّل سابقة سلبية لجهود إصلاح مماثلة في المنطقة. فالتجربة التي قدّمها المغرب للإقليم قبل عقدٍ بوصفها ممكنة، يعيد تقديمها اليوم درساً في كيف تتآكل.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي