كشف تحقيق نشرته مجلة «+972» الإسرائيلية المستقلة أن منصة «جسور نيوز» الناطقة بالعربية، التي تقدّم نفسها «منصة إعلامية مستقلة غير مرتبطة بأي كيان سياسي»، تعمل ضمن عملية تأثير طويلة المدى تديرها منظمة أميركية موالية لإسرائيل، وأن وثائق مسرّبة من أبرز مراكز التفكير الأمنية الإسرائيلية تُظهر ربط القائمين عليها بـ«المؤسسة الاستخباراتية» الإسرائيلية.
وقال التحقيق، الذي أعدّه الصحفيان يوسي بارطال وأمين المغربي، إن المنصة التي انطلقت في مارس 2024 وتجاوز جمهورها مليون متابع على فيسبوك، ونشرت قرابة 6,000 فيديو على يوتيوب حصدت أكثر من 80 مليون مشاهدة، بنت شهرتها الأولى على تغطية سقوط نظام بشار الأسد في سوريا — حيث حاورت وزراء ومحافظين ومعتقلين محرَّرين — قبل أن تتحول إلى نافذة شبه حصرية على مناطق في غزة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي وتُحظر على سائر وسائل الإعلام.
ما الذي كشفته الوثائق المسرّبة؟
استند التحقيق إلى تسريبات من اختراقٍ طال «معهد دراسات الأمن القومي» في تل أبيب — المركز الوثيق الصلة بالموساد والشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية — نفّذه قراصنة يُرجَّح ارتباطهم بإيران، وأتاحته للصحفيين منظمة «التوزيع الموزّع للأسرار» (DDoSecrets).
وبحسب الوثائق، عُقد في أكتوبر 2024 اجتماع عبر «زوم» بين باحثي المعهد وجوزيف براود، مؤسس «مركز اتصالات السلام»، وهي منظمة أميركية وُصفت في المراسلات بأنها تدير «حملات وعي إبداعية ضد أعداء إسرائيل، مع تركيز حديث على حماس وحزب الله»، وتسعى إلى «شراكات مع جهات أمنية وسياسية في إسرائيل».
وتلخّص وثيقة لاحقة نتيجة الاجتماع بأنه جرى «ربط جوزيف براود بالمصادر المعنية في المؤسسة الاستخباراتية» دعماً لعمل المركز في «نشر الفكر الموالي للغرب ولإسرائيل» في دول «المحور الشيعي». وتشير وثيقة مسرّبة أخرى، وفق التحقيق، إلى أن «جسور» هي الأداة الرئيسية لهذا المشروع.
وكشفت التسريبات كذلك عن ورشة سرّية عُقدت في قبرص في سبتمبر 2025 «نظّمها مركز اتصالات السلام وقناة جسور بقيادة جوزيف براود وفريقه»، بحضور باحث من المعهد ونائب السفير الإسرائيلي في الأردن وصحفيين ومؤثرين إسرائيليين وأردنيين، لبحث «الإجراءات المطلوبة إعلامياً لتحسين العلاقات بين إسرائيل والأردن».
ويذكر ملخص الاجتماع المسرّب أن غالبية المشاركين الأردنيين «يشاركون، علناً أو سراً، في أنشطة جسور»، وأن المجتمعين اتفقوا على إنتاج فيديوهات «تدحض نظريات المؤامرة المعادية لإسرائيل» وتُظهر متحدثين إسرائيليين «يعبّرون عن تقديرهم للبيت الملكي الأردني».
ولاحظ التحقيق أن صحفيَّين إسرائيليَّين شاركا في الورشة دافعا لاحقاً عن المنصة على قنواتهما: ليؤور بن أري، مراسل «واينت» لشؤون العالم العربي، الذي أجرى في ديسمبر الماضي مقابلة متعاطفة مع رئيسة تحرير «جسور» هديل عويس؛ وروعي كايس، مراسل هيئة البث الرسمية «كان»، الذي دافع عنها بعد حظرها المؤقت في سوريا في مارس 2026. ولم يردّ المعهد ولا الصحفيان على أسئلة المجلة.
من «المجلس العربي» إلى «جسور»: الخيط الظاهر
إلى جانب التسريبات، وثّق التحقيق صلاتٍ علنية ظلت بعيدة عن الانتباه. فسجلات الشفافية في صفحة «جسور» على فيسبوك تُظهر أن الحساب أُنشئ عام 2019 باسم «المجلس العربي للتكامل الإقليمي» — أولى مبادرات المركز الكبرى، التي ناهضت حركة مقاطعة إسرائيل ومهّدت لاتفاقات أبراهام، وحظيت بإشادة علنية من وزير الخارجية الأميركي آنذاك مايك بومبيو ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير — قبل أن يتغير الاسم إلى «جسور نيوز» في مارس 2024.
أما مؤسس المركز جوزيف براود، الباحث الأميركي من أصول يهودية عراقية والمدان عام 2004 بتهريب آثار عراقية، فقد عمل مع «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» القريب من اللوبي الموالي لإسرائيل، ونشر عام 2019 كتاباً يُوصف بأنه حجر الأساس للمركز، يقترح فيه حملة دعائية ممنهجة بالتعاون مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، تشمل «إعداد ملفات» عن وسائل الإعلام المعادية وملكيّتها والعاملين فيها.
ويعمل المركز من لونغ آيلاند في نيويورك بموازنة سنوية معلنة نحو 1.5 مليون دولار، وجميع مانحيه المعلنين داعمون لمبادرات يهودية وموالية لإسرائيل.
ورئيسة تحرير المنصة هديل عويس — السورية التي عُرفت مطلع الثورة السورية باسم هديل كوكي، وظهرت عام 2012 في فعاليات لمنظمة «UN Watch» الموالية لإسرائيل قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة — موظفة مباشرةً لدى المركز، الذي يعرّفها على موقعه بأنها «تقود الاتصالات العربية باسمه».
غزة: تلميع الميليشيات وطلب مشاهد تنفي المجاعة
في الميدان، وثّق التحقيق انفراد «جسور» بالبث من منطقة شرق رفح الخاضعة للجيش الإسرائيلي، حيث تنشط ميليشيا «القوات الشعبية» المعروفة بمجموعة أبو شباب؛ وأكثر فيديوهات المنصة مشاهدةً جولة مع قائدها الحالي غسان دهين. كما لمّعت المنصة قادة ميليشيات آخرين مدعومين من إسرائيل، بينهم شوقي أبو نصيرة وحسام الأسطل، الذي وصفته بـ«منسق المنطقة الإنسانية»، متبنيةً التوصيف الإسرائيلي.
وفي واقعة لافتة، طلب محرر بارز في المنصة في مايو/2024 — في ذروة التحذيرات الأممية من المجاعة — لقطات لأسواق مليئة بالطعام وأمهات يشترين حليب الأطفال، وهي مشاهد كانت كفيلة بنفي صورة التجويع، بحسب رسائل اطلعت عليها المجلة.
وقال متعاونون محليون في سوريا وغزة للمجلة إنهم جهلوا تماماً صلات المنصة بإسرائيل، وإن مراسليها في غزة يعملون بلا شعار، ما يعرّض من يقابلونهم لملاحقة حماس من دون علمهم.
وتراوحت الأجور بين 600 دولار شهرياً في سوريا و200 إلى 400 دولار للتقرير في غزة. كما وثّق التحقيق شراكة المركز منذ 2023 مع منصة «ذا فري برس» الأميركية اليمينية، أثمرت فيديو نُشر في سبتمبر/أيلول 2025 يتهم صحفيي «الجزيرة» في غزة بالانتماء لحماس ويبرر اغتيال الصحفي أنس الشريف وزملائه من دون دليل.
وردّت عويس على أسئلة المجلة بجملة واحدة تفخر فيها بـ«تضخيم الأصوات المكتومة»، فيما وصف براود الأسئلة بأنها «نظريات مؤامرة» — من دون أن ينفي أيٌّ منهما واقعة بعينها.
مجلة «+972»؟
«+972» مجلة إلكترونية مستقلة غير ربحية تأسست عام 2010، يديرها تحريرياً صحفيون إسرائيليون وفلسطينيون معاً، واسمها مستمد من رمز الاتصال الهاتفي الدولي المشترك لإسرائيل والأراضي الفلسطينية.
تنشر بالإنجليزية، ولها منصة شقيقة بالعبرية باسم «سيحا مكوميت»، وتُعرف بخطها الناقد للاحتلال وبتحقيقاتها الاستقصائية المدوية، وأبرزها تحقيق «لافندر» عام 2024 الذي كشف استخدام الجيش الإسرائيلي الذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف القصف في غزة، ونقلته كبريات الصحف العالمية. وتُموَّل المجلة من اشتراكات القراء ومنح مؤسسات داعمة للصحافة المستقلة، وهو ما يجعل تحقيقها الحالي صادراً من داخل المشهد الإسرائيلي نفسه، لا من خصومه الإقليميين.

