جوائز قمة دبي للصحافة تحت المساءلة: أين فلسطين والسودان من مشهد التكريم، ولماذا غابت الشاشات السعودية؟

جائزة الإعلام العربي: غياب فلسطين والسودان والشاشات السعودية

تطرح نتائج جائزة الإعلام العربي، المعلنة في دبي في 15 سبتمبر 2026، أسئلة تتجاوز أسماء الفائزين إلى المعايير التي تمنح العمل الصحفي قيمته، وعلاقة التكريم بالبيئة السياسية التي تحتضنه، ومع إدراج “بناء السردية الوطنية” ضمن أجندة القمة، يصبح النقاش متصلًا بوظيفة الصحافة نفسها، والمساحة التي تملكها للتحقق من روايات السلطة ومساءلتها.

يلفت النظر غياب برامج “إم بي سي” و”العربية” و”الشرق بلومبرغ” عن قائمة الفائزين المعلنة، مقابل حضور “سكاي نيوز عربية” و”المشهد” و”سي إن بي سي عربية” و”النهار” المصرية، فيما يمثل فوز صحيفة “الشرق الأوسط” بجائزة الصحافة الاقتصادية، عن مادة لمالك القعقور تتناول أثر الذكاء الاصطناعي في الوظائف، استثناءً يمنع وصف الإعلام السعودي بأنه غائب كليًا، لكنه لا يبدد ملاحظة غياب شبكاته التلفزيونية الكبرى.

وللموضوع الفائز في “الشرق الأوسط” أهميته، فتأثير التكنولوجيا في فرص العمل قضية اقتصادية واجتماعية تمس قطاعات واسعة من الجمهور، لكن الاستثناء يظل محددًا، ولا يقدم بمفرده إجابة عن أسباب غياب المؤسسات التلفزيونية السعودية.

تكتسب الملاحظة دلالتها من تاريخ دبي مع الإعلام السعودي، فقد أسهمت المؤسسات السعودية التي عملت منها في بناء مكانتها مركزًا للإنتاج والبث، قبل انتقال مراكز نشاط إلى الرياض، وتؤكد مجموعة “إم بي سي” أنها افتتحت مقرها الرئيسي الجديد في العاصمة السعودية في سبتمبر 2022، وهو تحول يستدعي قراءة أطول زمنًا للعلاقة بين الاستثمار الإعلامي والتنافس على النفوذ.

وامتد الحضور السعودي إلى تنظيم تجمع إعلامي دوري يستقطب قيادات الصناعة، فقد انطلق “المنتدى السعودي للإعلام” عام 2019، وانتظم سنويًا منذ عودته في 2023، وصولًا إلى دورته الخامسة في فبراير 2026، بمشاركة عربية ودولية، وبذلك باتت الرياض تمتلك منصة تجمع المؤسسات وتناقش مستقبل القطاع، إلى جانب استضافتها مقار إعلامية كبرى.

يمكن قراءة هذه التحولات بوصفها جزءًا من التنافس بين الرياض ودبي وأبو ظبي على المكانة الإعلامية، بما يشمل استقطاب المؤسسات والوجوه المهنية والتأثير في أجندة النقاش، لكن تحويل هذا السياق إلى اتهام بالتدخل في الجوائز يحتاج إلى دليل، فلا تكشف قائمة الفائزين وحدها ما إذا كانت المؤسسات الغائبة قد تقدمت بأعمال، ولا كيف جرى تقييمها.

تمنح هذه الأسئلة مطلب الشفافية أهميته، فنشر القوائم القصيرة وأسباب الاختيار وآليات التعامل مع تضارب المصالح يساعد على تقييم النتائج مهنيًا، ويحد من التفسيرات القائمة على الانتماء السياسي والجغرافي، خصوصًا عندما يكون التكريم جزءًا من حدث ترعاه قيادة الدولة المضيفة.

ويحتاج نقد الموضوعات الفائزة إلى القدر نفسه من الدقة، فقد مُنحت جائزة التحقيقات الصحفية لعدنان الغربي من “البيان” عن مادة تتناول مخاطر المنشطات والهرمونات المتداولة في صورة مكملات رياضية، وفاز وثائقي “خرائط العطش” من “سكاي نيوز عربية”، ولذلك لا يصح القول إن التحقيقات أو القضايا العامة غائبة تمامًا، ولا تكفي عناوين الأعمال للحكم على عمق البحث والمساءلة داخلها.

لكن العناوين المعلنة لا تُظهر عملًا يتناول فلسطين أو غزة بصورة صريحة، ولا تحقيقًا عن الحرب في السودان، وهذه ملاحظة تخص ما تكشفه القائمة، ولا تنفي تناول القضيتين داخل حلقات البرامج الفائزة، لكنها تفتح نقاشًا حول موقع التغطيات التي توثق الانتهاكات وتختبر الروايات الرسمية وتحفظ شهادات الضحايا في صورة التميز التي يقدمها التكريم.

ويكتسب غياب عنوان واضح عن فلسطين دلالة سياسية إضافية مع اتساع العلاقات الإماراتية الإسرائيلية منذ اتفاقات التطبيع عام 2020.

هذا الغياب يجعل مساءلة التطبيع ومصالحه وتداعياته اختبارًا مباشرًا لاستقلال الصحافة، فهل تتسع منصة التكريم لعمل يفحص السياسات الإماراتية تجاه إسرائيل بالصرامة نفسها التي يفحص بها سياسات دول أخرى؟ وهل تستطيع الصحافة تناول فلسطين بما يستدعي مساءلة خيارات الدولة المضيفة، أم يتوقف مجالها عند الحدود التي لا تربك علاقاتها؟

وتكتسب الحالة السودانية حساسية أشد، فقد أعلنت الولايات المتحدة في يناير 2025 أن قوات الدعم السريع وميليشيات متحالفة معها ارتكبت إبادة جماعية، فيما اتهم السودان الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بالتواطؤ في الإبادة عبر دعم تلك القوات وتسليحها، وهي اتهامات نفتها أبوظبي، وانتهت المحكمة إلى عدم اختصاصها بنظر الدعوى، من دون الفصل في صحة الاتهامات موضوعيًا.

ويضيف فوز “سكاي نيوز عربية” بعدًا آخر إلى هذا النقاش، فالقناة واجهت اتهامات تتعلق بتغطيتها للحرب السودانية، ونشرت “التلغراف” في نوفمبر 2025 تقريرًا عن اتهامها بتبييض الإبادة والتقليل من فظائع قوات الدعم السريع، وهي اتهامات منسوبة إلى التغطية النقدية لأداء القناة، ولا تمثل حكمًا قضائيًا أو تقييمًا للعمل الوثائقي الفائز.

وتتيح مواد القناة نفسها مثالًا قابلًا للفحص، ففي صفحة عن مقاطع قالت إنها مفبركة بشأن الفاشر، ظهر تعليق مصاحب لصورة يقول “قوات الدعم في مدينة الفاشر بعد تحريرها”، واستخدام كلمة “تحريرها” لوصف سيطرة أحد أطراف الحرب يمنحه شرعية لغوية تتجاوز مجرد الإخبار بالواقعة، وكشف المقاطع المفبركة واجب صحفي، لكن صحته تتعلق بالأدلة الخاصة بكل مقطع، ولا تمنح بذاتها أساسًا لنفي الانتهاكات الأخرى.

لا يلغي هذا المثال القيمة المحتملة لعمل آخر تنتجه القناة، لكنه يمنع التعامل مع الجائزة باعتبارها شهادة شاملة على استقلال المؤسسة أو سلامة تغطيتها، ويجعل السؤال عن استقلال التكريم أكثر تحديدًا، هل تتسع الجائزة لتحقيق موثق يفحص شبكات التسليح والتمويل والمسؤولية عن جرائم الحرب، بما في ذلك الاتهامات الموجهة إلى الدولة المضيفة؟ وهل يحظى تفكيك الدعاية التي تخدم حلفاءها بالتقدير نفسه الذي يحظى به تفكيك دعاية خصومها؟

تجري هذه الأسئلة داخل بيئة تصنفها “مراسلون بلا حدود” في المرتبة 158 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، وتصف المنظمة تضييقًا على الأصوات المستقلة ورقابة ذاتية وارتباط معظم المؤسسات الإعلامية المحلية بمجموعات قريبة من الحكومة، وهو سياق يوضح أن الاستثمار في البنية الإعلامية واستضافة المؤسسات الدولية لا يضمنان وحدهما حرية العمل الصحفي.

ومن هنا تأتي أهمية فحص مفهوم “السردية الوطنية” الذي تناقشه القمة، إلى جانب الذكاء الاصطناعي وأزمة الحقيقة ومستقبل الصحافة، فالمفهوم قد يتسع لتجارب المجتمع المتنوعة، لكنه يصبح قيدًا عندما تحدد السلطة الرواية المطلوبة، ثم تقيس أداء المؤسسات بمدى خدمتها، وعندها يُدفع الصحفي إلى المفاضلة بين ما تثبته الأدلة وما يفيد الصورة الرسمية.

يبدأ تمييع وظيفة الصحافة حين يتحول كشف الإخفاق إلى إساءة للسمعة، وتصبح مساءلة السياسات خروجًا على الإجماع، ويُطلب من غرفة الأخبار انتقاء الوقائع التي تناسب رسالة مقررة سلفًا، فالانتماء الوطني لا يلغي اختلاف المصالح داخل المجتمع، ولا يجعل الحكومة المصدر الوحيد لتعريف المصلحة العامة، وحين تُختزل الصحافة في حماية الصورة، تصبح قدرتها على الكشف عبئًا عليها، ويغدو صمتها فضيلة تكافأ.

ولا يعالج هذه المشكلة توزيع الجوائز بصورة أكثر توازنًا بين الدول، أو زيادة حصة المؤسسات السعودية، فالمعيار الذي ينبغي أن تخضع له المؤسسات الحاضرة والغائبة واحد، وهو قدرتها على مساءلة مموليها والسلطات القريبة منها، بقدر مساءلتها خصومهم.

تستمد الجوائز المهنية مصداقيتها من وضوح معاييرها وقدرتها على الاعتراف بصحافة تضع الأدلة أمام الجمهور، حتى عندما تزعج أصحاب النفوذ، ويظل الاختبار الأهم لقمة تناقش “السردية الوطنية” هو مدى اتساعها لصحفي يأتي بوثائق وشهادات تفرض مراجعة تلك السردية، بما في ذلك سردية الدولة التي تستضيفه.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي