خريطة الإعلام التلفزيوني الليبي بين شرعيةٍ وسلطةِ أمر واقع ومنفى

خريطة الإعلام التلفزيوني الليبي بين شرعيةٍ وسلطةِ أمر واقع ومنفى

لا يمكن فهم التلفزيون الليبي بوصفه صناعةً إعلامية، بل ينبغي قراءته بوصفه امتداداً للحرب بوسائل أخرى. فمنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تحوّلت الشاشة في ليبيا من فضاءٍ لتداول الأخبار إلى جبهةٍ من جبهات الصراع على السلطة والشرعية والمال. وحين انقسمت البلاد إلى سلطتين، انقسم إعلامها معها انقساماً حاداً، حتى صار لكلّ طرفٍ ترسانته من القنوات. لكنّ تاريخ هذه القنوات لا يُروى بقوائم الأسماء، بل بالدماء التي سُفكت والمقارّ التي أُحرقت والمذيعين الذين اختُطفوا؛ فلكلّ قناةٍ ليبية محطّاتها الفارقة التي تكشف طبيعتها أكثر مما يكشفه أيّ بيان تعريفي.

غير أنّ توصيف طرفي الانقسام بوصفهما متكافئين يجانب الدقّة القانونية اللازمة لأيّ قراءةٍ مهنية. ففي الغرب توجد حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً ومن الأمم المتحدة، ومقرّها طرابلس. أما في الشرق، فثمة سلطة أمرٍ واقع تقوم على ما تسميه «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، لا تحظى باعتراف دولي، وتتركّز مفاتيحها في بنيةٍ عائلية يتقاسمها حفتر وأبناؤه، وتعتمد على دعمٍ خارجي عسكري ومالي موثّق أممياً.

إعلام الغرب وطرابلس (الحكومة المعترف بها)

يحتضن الغرب الليبي أكبر تجمّعٍ للمؤسسات الإعلامية، لكنه الأكثر تشظّياً، إذ يعبّر عن طيفٍ متنازع يضمّ الحكومة المعترف بها، وتيار الإسلام السياسي، والفصائل المسلحة، والتوجهات المدنية. ويمكن تقسيم هذا الفضاء إلى ثلاث دوائر متداخلة.

قنوات الدولة

في صميم إعلام الغرب تقع القنوات الرسمية الموروثة عن الدولة، وعلى رأسها قناة «الوطنية»، الوريثة المباشرة لتلفزيون الجماهيرية. وإلى جوارها «الرسمية» المحسوبة على حكومة الغرب. واللافت أنّ الانقسام أنتج مفارقةً نادرة: قناتان تحملان اسم «الرسمية»، واحدةٌ في الغرب وأخرى في الشرق، في تجسيدٍ لازدواج السلطة. وتعتمد هذه القنوات في تمويلها على الموازنة العامة، ما يجعلها أقرب إلى الناطق الرسمي. وقد استثمرت حكومة الدبيبة في حضورها الإعلامي عبر فعاليات مثل «أيام طرابلس الإعلامية» أواخر 2025.

ليبيا الحرة وثمن الريادة

لا يكتمل الحديث عن إعلام الغرب دون العودة إلى البداية المؤسِّسة. ففي 19 فبراير 2011، أطلق الصحفي الشاب محمد نبوس قناة «ليبيا الحرة» من بنغازي، لتكون أول محطةٍ تبثّ من داخل ليبيا الثائرة عبر الإنترنت، متحدّيةً آلة القذافي الدعائية. لكنّ نبوس دفع حياته ثمناً لهذه الريادة، إذ قُتل برصاص قنّاص في التاسع عشر من مارس 2011، بعد شهرٍ واحد من إطلاق قناته، وهو يوثّق قصف بنغازي، فكان أول صحفيٍّ يسقط في الثورة الليبية. وأعلنت زوجته الحامل خبر مقتله على الهواء، فصار وجهاً لصحافة المواطن، ومُنح بعد رحيله جائزة من مؤسسة نيمان بجامعة هارفارد. ولم يكن دمه الأخير، إذ اغتيل عام 2013 مقدّم البرامج في القناة عز الدين قوصاد أمام مستشفى في بنغازي، في مؤشرٍ مبكر على أنّ كلفة العمل الإعلامي في ليبيا ستُدفع بالأرواح.

قناة التناصح

تمثّل قناة «التناصح» نموذجاً للقناة ذات المرجعية الدينية والحضور السياسي. يشرف عليها المفتي السابق الصادق الغرياني، وتبثّ برامج دينية أبرزها «الإسلام والحياة»، إلى جانب موادّ تحمل مواقف سياسية. ويصطفّ خطّها عموماً إلى جانب حكومة طرابلس المعترف بها، إذ دافع الغرياني عنها في مناسبات عدة ووجّه انتقاداتٍ لخصومها ولبعثة الأمم المتحدة. وتجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب المنحاز لسلطة حفتر صوّت عام 2014 على إقالة الغرياني من منصب الإفتاء على خلفية خلافات سياسية. أما تمويل القناة، فقد ربطته جهاتٌ محسوبة على المعسكر المقابل بتمويلٍ قطري، غير أنّ هذه الإشارات تصدر عن أطرافٍ خصمٍ ولا تُعدّ معلومةً موثّقة، فيما تبقى تفاصيل ملكيتها غير معلنةٍ رسمياً. والموقف المهني هو عرض اصطفافها التحريري الواضح مع الامتناع عن تبنّي اتهاماتٍ غير مثبتة بشأن تمويلها.

فبراير و«218» و«النبأ»

تضمّ هذه الدائرة قنواتٍ تعرّف نفسها بانتمائها إلى ثورة فبراير. أبرزها قناة «فبراير»، التي تأسست عام 2019 بالتزامن مع صدّ هجوم قوات حفتر على طرابلس، وقدّمت نفسها صراحةً ناطقةً باسم «ثوار فبراير» بخطٍّ تعبوي. أما قناة «218»، فمثّلت التجربة الأكثر احترافاً في الإعلام الخاص المدني، بهوية بصرية راقية، قبل أن تكشف نهايتها هشاشة التمويل البنيوية: فقد أعلنت إدارتها وقف بثّها بعد عجزها عن الوفاء بالتزاماتها المالية، مشيرةً إلى «ضغوطٍ ومجموعاتٍ مختلفة» رافقتها.

لكنّ الحادثة الأكثر دلالةً على عنف البيئة الطرابلسية تخصّ قناة «النبأ»، المحسوبة على تيار الإسلام السياسي والمرتبطة بالقيادي عبد الحكيم بلحاج. ففي 30 مارس 2016، اقتحم مسلحون مقرّها في طرابلس وأوقفوا بثّها بالقوة، وظهرت على شاشتها عبارةٌ تعلن أنّ «ثوار طرابلس» أوقفوا القناة ويتوعّدون كلّ من يشارك فيها، على خلفية اتهامها بالتحريض. ثم توقّفت القناة نهائياً مطلع 2019 وسط غموضٍ مالي وخلافٍ بين بلحاج وشركائه، وتزامن ذلك مع استقالة أبرز مذيعيها.

كذلك شهد الغرب عام 2024 حادثة اقتحام مسلّحين استوديو قناة «سلام» في طرابلس على الهواء مباشرةً، على خلفية اتهامها ببثّ موادّ مسيئة.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي