دليل الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية: كيف تتعقب الصحافة آلة الحرب من الانفجار إلى الخوارزمية؟

دليل جديد لتتبع الأسلحة والذكاء الاصطناعي في تغطية الحروب

في مايو 2025، لم يبدأ تحقيق منظمة العفو الدولية بشأن وصول أسلحة إلى السودان من تصريح سياسي أو وثيقة حكومية، بل من شظايا عُثر عليها في أرض المعركة.

فحص المحققون بقايا ذخائر موجّهة، وتتبعوا علاماتها ومكوناتها، وخلصت المنظمة إلى أنها صُنعت في الصين، وأنها أُعيد تصديرها، على الأرجح، من الإمارات إلى قوات الدعم السريع، في خرق لحظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على دارفور.

من شظية محترقة، تحرك التحقيق إلى الشركة المصنعة ومسار التصدير والدولة الوسيطة والجهة التي وصلت إليها الذخيرة، وهي الرحلة التي يريد دليل جديد صادر عن الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية أن تصبح جزءاً أساسياً من عمل صحفيي الحروب.

وهذا ما يود دليل “التحقيق في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة”، الذي أعده الصحفي الاستقصائي البريطاني إيان أوفرتون، المدير التنفيذي لمنظمة العمل لمواجهة العنف المسلح، والأستاذ المشارك في الصحافة الاستقصائية وحقوق الإنسان بكلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن.

ينطلق الدليل من سؤال يتجاوز ما إذا كانت الجيوش تستخدم الذكاء الاصطناعي، إلى البحث في الكيفية التي أصبحت بها الخوارزميات والخدمات السحابية وقواعد البيانات وأنظمة المراقبة جزءاً من منظومة القتل، ومن يطور هذه الأدوات ويبيعها ويمولها، ومن أين تحصل على بياناتها، ومن يتحمل المسؤولية عندما يترتب على استخدامها سقوط مدنيين.

الحرب تبدأ قبل إطلاق السلاح

يرى أوفرتون أن الصور التي تصل إلى الجمهور، من المباني المدمرة والمقابر الجماعية ومواكب الجنازات، تمثل النتائج الأخيرة للحرب، لكنها لا تكشف بالضرورة العملية التي أنتجت هذا العنف.

فالضربة قد تبدأ قبل إطلاق الصاروخ بوقت طويل، داخل اجتماع تُعتمد فيه الميزانية، أو عقد توقعه وزارة دفاع مع شركة تكنولوجيا، أو مركز بيانات يخزن معلومات المراقبة، أو برنامج يحلل صور الأقمار الاصطناعية، أو شركة استثمار تمول تطوير نظام عسكري جديد.

لهذا يدعو الدليل الصحفي إلى التحرك عكس اتجاه الضربة، بدءاً من الضرر الظاهر، وصولاً إلى القرارات والعقود والبرمجيات وقواعد البيانات والمؤسسات التي جعلته ممكناً.

ويعني ذلك أن تغطية الحرب لم تعد مقصورة على مراسل يقف أمام المبنى المدمر، بل أصبحت في حاجة إلى صحفيين يستطيعون قراءة سجلات الشركات والعطاءات الحكومية وبيانات الشحن وتراخيص التصدير وبراءات الاختراع واتفاقات الخدمات السحابية.

من المجمع الصناعي إلى المجمع العسكري التقني

يقول الدليل إن مفهوم “المجمع الصناعي العسكري” لم يعد كافياً لوصف الحروب المعاصرة، لأن منظومة الحرب لم تعد تدور فقط حول الشركات التي تصنع الطائرات والصواريخ والدبابات.

نشأ إلى جانبها ما يسميه أوفرتون “المجمع العسكري التقني”، الذي يضم شركات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والاتصالات والأقمار الاصطناعية وأجهزة الاستشعار والتعرف على الوجوه.

وفي هذا النموذج، قد تقدم شركة واحدة خدمات مدنية للمستشفيات والمدارس والمصارف، ثم توفر البنية التقنية نفسها لجيش يستخدمها في جمع المعلومات أو مراقبة السكان أو تحديد الأهداف.

ويزيد مفهوم “الاستخدام المزدوج” صعوبة تتبع المسؤولية، إذ يمكن للرقائق الإلكترونية وأنظمة التعرف على الوجوه وبرامج تحليل البيانات وشبكات الاتصالات أن تؤدي وظائف مدنية مشروعة، ثم يعاد توظيفها في عمليات عسكرية أو أنظمة مراقبة وقمع.

وبحسب الدليل، لا يعني ذلك أن كل شركة تقدم خدمة تقنية لجهة عسكرية مسؤولة تلقائياً عن كل عملية تنفذها تلك الجهة، لكنه يفرض على الصحافة فحص طبيعة الخدمة، وكيف استُخدمت، وما كانت الشركة تعرفه، وما إذا وضعت قيوداً حقيقية على الاستخدام.

سلسلتان وراء كل ضربة

يقترح الدليل تتبع سلسلتين متوازيتين لفهم أي عملية عسكرية مدعومة بالتكنولوجيا.

الأولى هي “سلسلة القيادة”، وتبحث في المسؤولين الذين قرروا تنفيذ العملية، والضباط الذين أجازوا الهدف، والمستشارين القانونيين الذين راجعوا القرار، وكيف جرى تقدير التناسب بين الهدف العسكري والخسائر المتوقعة بين المدنيين.

أما الثانية فهي “سلسلة الأنظمة”، وتبحث في الأدوات التي جعلت القرار قابلاً للتنفيذ، مثل قاعدة البيانات التي احتوت اسم الشخص المستهدف، والمنصة التي خزنت المعلومات، والخوارزمية التي حللتها، والشركة التي طورت البرنامج، والمقاول الذي تولى تشغيله، والجهة التي موّلت المشروع.

في حالة ضربة جوية، على سبيل المثال، تسأل سلسلة القيادة عمن أصدر الأمر وأجازه، بينما تسأل سلسلة الأنظمة عن مصدر معلومات الهدف، وكيف جرى التحقق من هويته، وما إذا استُخدم نظام للتعرف على الوجوه أو تحليل الاتصالات، ومن كان يملك سلطة قبول توصية النظام أو رفضها.

ويحذر الدليل من الخلط بين السلسلتين، فإثبات امتلاك جيش لبرنامج معين لا يثبت وحده استخدامه في ضربة محددة، كما أن العثور على عقد بين شركة ووزارة دفاع لا يثبت تلقائياً مسؤولية الشركة عن جميع العمليات التي نفذتها الوزارة.

خمسة محاور للتحقيق في الحرب التقنية

يقسم الدليل سلسلة الأنظمة إلى خمسة محاور مترابطة هي الأسلحة ومكوناتها، والبنية التحتية، والمعلومات، والمراقبة، وأنظمة دعم القرار الآلي.

الأسلحة والمكونات

يمثل الحطام نقطة البداية الأكثر وضوحاً، لأن الأسلحة تترك وراءها أرقاماً تسلسلية وشعارات للشركات وأكواداً للمكونات وعلامات فنية يمكن مقارنتها بسجلات المشتريات والجمارك والشحن وتراخيص التصدير.

ويوصي الدليل الصحفيين بتصوير كل رقم أو علامة تظهر على بقايا الأسلحة، مع توثيق موقع العثور عليها وتاريخه، ثم طرح خمسة أسئلة أساسية: من صنع المكون، ومن باعه، ومن شحنه، ومن دفع ثمنه، ومن أجاز تصديره؟

وقد تكشف هذه الخطوات أن السلاح الذي يحمل اسم شركة كبرى يحتوي على أجزاء صنعتها شركات أصغر في دول أخرى، أو أن الشحنة مرت عبر وسطاء ومقاولين فرعيين أخفوا وجهتها النهائية.

البنية التحتية

لا تعمل الأسلحة وأنظمة الاستهداف في فراغ، بل تعتمد على مراكز البيانات والاتصالات والخدمات السحابية والأقمار الاصطناعية والكابلات البحرية.

هذه البنية قد تتحول إلى جزء من القدرة العسكرية، كما قد تصبح هدفاً للهجمات، وعندما تتعطل لا تقتصر النتائج على القوات المتحاربة، بل تمتد إلى المستشفيات وخدمات الطوارئ وعمليات الإغاثة والمدنيين الباحثين عن أقاربهم.

ويوصي الدليل بالبحث في ملكية شركات الاتصالات ومراكز البيانات والأقمار الصناعية، والعقود التي تربطها بالحكومات، والجهات التي طلبت قطع الخدمة أو تقييدها، والأثر الذي تركه الانقطاع على السكان.

المعلومات

يصف الدليل منصات التواصل الاجتماعي بأنها جزء من “ساحة المعركة التشاركية”، لأن الجمهور والجيوش والجماعات المسلحة والمؤثرين ووسائل الإعلام ينشرون مواد الحرب في الوقت نفسه، بينما تحدد المنصات ما يظهر وما يتراجع وما يُحذف.

وتكشف قواعد شفافية الإعلانات عن الجهات التي تدفع للترويج لروايات مرتبطة بالحرب، والجمهور الذي تستهدفه، والمناطق التي تصل إليها الحملات.

لكن الخطر لا يقتصر على الدعاية، إذ قد تحذف أنظمة الإشراف الآلي مقاطع توثق انتهاكات أو جرائم محتملة بسبب احتوائها على مشاهد عنيفة، من دون حفظ نسخة يمكن استخدامها لاحقاً في تحقيق قضائي.

لذلك يدعو الدليل إلى حفظ المواد الرقمية والتحقق من مصدرها وتاريخها وموقعها قبل اختفائها، والاستعانة بأرشيفات متخصصة تحتفظ بمحتوى النزاعات والحروب.

المراقبة

تشمل منظومة المراقبة اعتراض الاتصالات والبيانات البيومترية والتعرف على الوجوه وسجلات السكان وكاميرات المرور والمعلومات المستخرجة من الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي.

وقد تُنشأ هذه الأنظمة لأغراض مدنية أو أمنية، مثل إدارة الحدود أو التحقق من الهوية، ثم يعاد استخدامها في تتبع الأشخاص أو الاعتقال أو اختيار الأهداف.

ويشير الدليل إلى مشروع بيغاسوس بوصفه نموذجاً للجمع بين أكثر من مسار للتحقق، فقد ساعد التحليل الجنائي للهواتف في إثبات إصابتها ببرنامج التجسس، بينما كشفت سجلات الاستيراد وبوالص الشحن والمواصفات الفنية عن عمليات اقتناء المعدات المرتبطة بتشغيله.

وهنا يقترح الدليل مجموعة من الأسئلة: من أنشأ قاعدة البيانات، وأين تُخزن، ومن يستطيع الوصول إليها، وهل انتقل النظام من التعرف على الأشخاص إلى استهدافهم؟

القرارات الآلية

تقدم الجهات العسكرية أنظمة الذكاء الاصطناعي غالباً باعتبارها وسيلة لتحسين دقة الاستهداف وتقليل الأخطاء البشرية، لكن الدليل يطالب الصحفيين باختبار هذا الادعاء من خلال النتائج الفعلية.

فالسؤال لا يقتصر على ما إذا كان النظام يستطيع اقتراح هدف، بل يشمل مقدار الوقت المتاح لمراجعة اقتراحه، وعدد الأهداف التي يستطيع إنتاجها، ونسبة الخطأ، ونوعية البيانات التي تدرب عليها، وهوية الشخص الذي اتخذ القرار النهائي.

ويستشهد الدليل بتحقيقات مجلة “+972” وموقع “لوكال كول” بشأن نظامي “لافندر” و”غوسبل”، التي أثارت أسئلة عن استخدام الجيش الإسرائيلي أدوات آلية في معالجة بيانات الاستهداف وتسريع القرارات في غزة، بينما يقول الجيش الإسرائيلي إن هذه الأنظمة لا تختار الأهداف بصورة مستقلة، وإنما تساعد المحللين البشر.

تكشف هذه الحالة إحدى المشكلات الأساسية التي تواجه التحقيق في الحرب التقنية، إذ تؤكد الشركات أنها لا تسيطر على الاستخدام العسكري لمنتجاتها، وتحيل الجيوش إلى سرية العمليات، بينما يُقال إن إنساناً ما يزال “داخل دائرة القرار” من دون تحديد اسمه أو رتبته أو حدود مسؤوليته.

العقود تكشف ما تخفيه الخوارزميات

لا يستطيع الصحفي عادة الاطلاع على الشيفرة الداخلية لنظام عسكري أو مراقبة عمل خوارزمية استهداف بصورة مباشرة، لكن يمكنه الوصول إلى آثار مادية ومالية تكشف أجزاء من المنظومة.

لهذا يضع الدليل مسار المشتريات في قلب التحقيق، ويدعو إلى فحص الاتفاقات الإطارية وأوامر التسليم وعقود الصيانة والمقاولين من الباطن وملحقات الخدمات السحابية.

فالعقد الرئيسي قد يثبت وجود علاقة بين وزارة وشركة فقط، بينما تظهر الوظيفة الحقيقية للنظام في أمر تسليم لاحق أو اتفاق صيانة أو وثيقة تدريب أو فاتورة لشركة وسيطة.

كما يمكن استخدام سجلات نقل الأسلحة والتجارة الدولية والشركات والعقوبات والشحن البحري وبراءات الاختراع والإفصاحات المالية، إلى جانب المواد الترويجية التي تنشرها الشركات أو توزعها في معارض السلاح.

وقد تساعد النسخ المؤرشفة من مواقع الشركات في استعادة إعلان حُذف لاحقاً، أو وصف تقني تغير بعد إثارة جدل بشأن استخدام المنتج.

لا يكفي العثور على عقد

يشدد الدليل على أن الوصول إلى وثيقة واحدة لا يكفي لبناء نتيجة قاطعة، فالعقد يثبت التعاقد، لكنه لا يثبت بالضرورة التسليم أو التشغيل، وبوليصة الشحن تثبت انتقال المعدات، لكنها لا تكشف وحدها كيف استُخدمت.

لذلك تقوم التحقيقات الأقوى على مقابلة أنواع مختلفة من الأدلة، من خلال اختبار شهادات المصادر في مقابل سجلات المشتريات، ومقارنة المشتريات ببيانات التجارة والشحن، ثم فحص ما إذا كانت المعدات وصلت فعلاً واستُخدمت في الموقع أو العملية موضع التحقيق.

ويجب كذلك مقارنة التصريحات العلنية للشركات بالمراسلات الداخلية والمواصفات التقنية والجداول الزمنية، مع منح الجهات المتهمة فرصة كافية للرد على الأدلة والنتائج قبل النشر.

أما الوثائق المسربة وشهادات الموظفين الحاليين أو السابقين، فيتعامل معها الدليل بوصفها خيوطاً شديدة الأهمية، لكنها تحتاج إلى تحقق مستقل، فضلاً عن إجراءات لحماية المصادر، تشمل الاتصالات المشفرة وتقليل البيانات التي قد تكشف هوياتهم وفهم المخاطر القانونية في كل دولة.

لماذا يهم الدليل الصحافة العربية؟

تأتي معظم أمثلة الدليل من مناطق نزاع قريبة من الصحفي العربي، وفي مقدمتها غزة والسودان ولبنان وإيران، حيث تتداخل الأسلحة المستوردة مع أنظمة المراقبة وقطع الاتصالات والطائرات المسيّرة والخدمات السحابية.

وتكشف هذه الأمثلة أن التحقيق في الحرب لم يعد حكراً على الصحفي الموجود في الميدان، فصورة واضحة لشظية يمكن أن تصل إلى صحفي بيانات في دولة أخرى، بينما يبحث زميل ثالث في سجلات الشركات، ويتتبع صحفي رابع حركة الشحن أو العقود الحكومية.

لكن نقل منهج الدليل إلى المنطقة العربية يواجه عقبات واضحة، أبرزها غياب الشفافية عن الموازنات والعقود العسكرية، وضعف قوانين الحصول على المعلومات، وصعوبة الوصول إلى سجلات الشركات والمستوردين، فضلاً عن المخاطر الأمنية والقانونية التي يواجهها الصحفيون.

كما يتطلب هذا النوع من التحقيقات تعاوناً بين تخصصات متعددة، فلا يستطيع الصحفي وحده الإحاطة بالقانون الدولي الإنساني وتحليل الأسلحة والبيانات والخوارزميات وسجلات التجارة والأمن الرقمي.

ويعني ذلك أن القيمة العملية للدليل لا تكمن فقط في قواعد البيانات التي يقترحها، بل في النموذج الذي يدفع غرف الأخبار إلى بنائه: فرق عابرة للحدود تجمع بين الصحفي الميداني ومحلل البيانات والخبير التقني والمتخصص في الأسلحة والباحث القانوني.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي