ظل النموذج الاقتصادي للصحافة الرقمية سنوات طويلة قائمًا على سلسلة واضحة: تنتج المؤسسة محتوى، يصل إليه الجمهور عبر محركات البحث والمنصات، تتحول الزيارات إلى اهتمام، ثم إلى اشتراكات أو إعلانات أو عوائد أخرى.
لكن محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي غيَّرت هذه السلسلة؛ إذ تستطيع قراءة المادة الصحفية واستخلاص الإجابة منها وتقديمها للمستخدم من دون أن يزور الموقع الذي تحمل تكلفة إنتاجها.
في مواجهة هذا التحول، نشرت الصحفية مارسيلا كونوفا دليلًا على موقع “جورناليزم دوت كو دوت يو كيه” البريطاني يضم 11 أداة ومبادرة يمكن أن تساعد الناشرين على مراقبة استخدام محتواهم أو منعه أو ترخيصه أو التفاوض عليه جماعيًا.
ولا تضم القائمة أدوات تقنية فقط، بل تجمع أربعة مسارات مختلفة: المراقبة والحجب، ووضع شروط الاستخدام، وإنشاء أسواق لبيع التراخيص، وبناء قوة تفاوضية وتنظيمية في مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي.
أولًا: معرفة من يقرأ المحتوى آليًا
تبدأ السيطرة بمعرفة ما يحدث داخل الموقع، لأن الناشر لا يستطيع تسعير استخدام لا يقيسه، أو منع زاحف لا يستطيع التعرف إليه.
1 — كلاودفلير: السماح أو الحجب أو فرض المقابل
تضع شركة “كلاودفلير” بنيتها التقنية بين الموقع وزواره، مما يمنحها القدرة على التعرف إلى حركة الزواحف وإدارتها قبل وصولها إلى المحتوى. وتتيح الشركة للناشر حجبَ روبوتات الذكاء الاصطناعي، أو السماح لزواحف محددة، أو فرض مقابل مالي على كل طلب وصول من خلال خدمة “الدفع مقابل الزحف”. يحدد الناشر سعرًا للطلب، ثم يختار لكل زاحف واحدًا من ثلاثة قرارات: السماح المجاني، أو طلب الدفع، أو الحجب. لكن الخدمة بدأت بوصفها برنامجًا تجريبيًا، ولذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مصدر دخل مستقرًا قبل قياس حجم الطلبات والإيرادات الفعلية.
2 — أكاماي: حماية موجَّهة للمؤسسات الكبرى
تقدم شركة “أكاماي” خدمة تجارية لرصد زواحف الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية وإدارتها أو حجبها، مع حماية أداء الموقع ومواده المحمية. ويبدو هذا المسار أقرب إلى المؤسسات الكبيرة التي تمتلك حركة مرور واسعة وفرقًا تقنية قادرة على إدارة سياسات متقدمة للروبوتات، وليس إلى المواقع الصغيرة التي تبحث عن حل سريع ومنخفض التكلفة. وتقول “أكاماي” إن حركة روبوتات الذكاء الاصطناعي عبر شبكتها ارتفعت بنحو 300% خلال ستة أشهر، لكن هذا الرقم يصف ما رصدته الشركة داخل بنيتها، ولا يمثل بالضرورة جميع المواقع والناشرين.
3 — سنتينل: جمع الأدلة قبل التفاوض
تعمل خدمة “سنتينل” التابعة لشركة “ميسو” على تحليل كيفية وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى محتوى الناشرين واستخدامه. ولا تُقدَّم الخدمة بوصفها أداة مجانية مفتوحة يستطيع الناشر تشغيلها بنفسه، بل خدمةً تجارية للبحث والمراقبة وتوفير المعلومات التي يحتاجها قبل اتخاذ قرار بالحجب أو الترخيص أو المطالبة بالتعويض. واستخدم فريق “سنتينل” قدراته البحثية في دراسات أُعدَّت لصالح الاتحاد الدولي لناشري الدوريات ورابطة الناشرين المحترفين، لفحص نشاط روبوتات الذكاء الاصطناعي واستخدام محتوى المؤسسات الإعلامية من دون إذن أو ترخيص.
ثانيًا: وضع شروط تفهمها الآلات
لا يكفي اكتشاف الزاحف؛ إذ يحتاج الناشر إلى إعلان ما يسمح به، وتحديد الفرق بين الفهرسة التقليدية للبحث، واستخدام المحتوى في تدريب النماذج، والاستعانة به لتوليد إجابة مباشرة.
4 — معيار الترخيص المبسط: شروط مكتوبة بلغة الآلات
يتيح معيار “الترخيص المبسط” للمواقع نشر شروط استخدام قابلة للقراءة آليًا، تشمل الإسناد إلى المصدر، والدفع مقابل كل عملية زحف، أو مقابل كل مرة يُستخدم فيها المحتوى لتوليد إجابة. وتكمن أهمية المعيار في أنه يحاول إنشاء لغة مشتركة بين الناشرين والزواحف، بدلًا من اضطرار كل مؤسسة إلى بناء نظام تقني مختلف، كما يمكن تطبيقه على صفحات المواقع والكتب والفيديوهات وقواعد البيانات. لكن إعلان الشروط لا يضمن وحده امتثال جميع الزواحف، ولذلك يحتاج المعيار إلى أداة قادرة على الحجب أو التحصيل، أو إلى اتفاق تجاري وقانوني يمكن إنفاذه.
5 — عقد “البحث فقط”: تحويل الدخول إلى علاقة تعاقدية
أطلقت “حركة من أجل شبكة مفتوحة” في يونيو 2026 عقدًا جاهزًا يستطيع مالكو المواقع إدراجه ضمن شروط الاستخدام. يسمح العقد بفهرسة المحتوى لأغراض البحث والاستخدام البشري غير التجاري، بينما يشترط اتفاقًا أو مقابلًا ماليًا للاستخدامات الأخرى، ومن بينها جمع المواد لصالح خدمات الذكاء الاصطناعي. وقالت الحركة إن 31 موقعًا بريطانيًا طبَّقت الشروط قبل الإطلاق الرسمي، لكن فاعلية هذا المسار ستعتمد على قدرة أصحاب المواقع على إثبات المخالفة وإنفاذ العقد أمام الجهات القضائية، وليس على نشر الشروط وحده.
ثالثًا: تحويل المحتوى إلى سوق ترخيص
بعد معرفة الزواحف وتحديد القواعد، تأتي الخطوة الأصعب: العثور على مشترٍ، وتحديد ما الذي سيدفع مقابله، وكيف سيُقاس الاستخدام.
6 — تول بِت: سوق تجمع الناشرين وشركات الذكاء الاصطناعي
تراقب منصة “تول بِت” حركة وكلاء الذكاء الاصطناعي وتفصلها عن الزيارات البشرية، ثم تساعد الناشر على وضع قواعد وأسعار للوصول إلى محتواه. وتعرض المنصة أكثر من ثمانية آلاف ناشر متاحين للترخيص، مما يجعلها أقرب إلى سوق يستطيع فيه مطورو أنظمة الذكاء الاصطناعي البحث عن المحتوى والتفاوض على استخدامه. غير أن عدد الناشرين المُدرَجين لا يكشف وحده حجم الصفقات المُنجَزة أو قيمة العائد الذي حصلوا عليه، ولا تتوافر معلومات مؤكدة تسمح بتقييم الجدوى التجارية للمنصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة.
7 — هيومن نيتف: تجهيز المحتوى المُرخَّص للنماذج
أُنشئت “هيومن نيتف” لربط أصحاب الحقوق بشركات تبحث عن بيانات عالية الجودة ومُصرَّح باستخدامها، مع تجهيز المحتوى غير المنظم وتحويله إلى مواد قابلة للبحث والترخيص. وفي يناير 2026، استحوذت “كلاودفلير” على الشركة وأدخلتها ضمن مشروعها الأوسع لبناء اقتصاد يمنح أصحاب المحتوى قدرة أكبر على التحكم في استخدام موادهم. يعني ذلك أن “هيومن نيتف” لم تعد مجرد سوق مستقلة، بل أصبحت جزءًا من بنية تجمع مراقبة الزحف والتحكم في الوصول وتجهيز المحتوى للترخيص.
رابعًا: التفاوض الجماعي وبناء قواعد السوق
لا يمتلك معظم الناشرين الصغار القدرة على التفاوض منفردين مع شركات تقنية عالمية، ولذلك ظهرت مبادرات تجمع الحقوق أو تضع معايير موحدة أو تساعد المؤسسات على تقييم العروض.
8 — خدمات ترخيص الناشرين: قوة العدد
أطلقت مؤسسة “خدمات ترخيص الناشرين” مخططًا بريطانيًا للترخيص الجماعي يمنحها تفويضًا للتفاوض بشأن استخدام المواد في أنظمة الذكاء الاصطناعي وتوزيع العوائد على أصحاب الحقوق. وبحلول يونيو 2026، كان أكثر من 250 ناشرًا قد انضموا إلى المخطط، الذي يمكن أن يُفيد المؤسسات الصغيرة التي لا تملك الموارد أو النفوذ اللازمَين لعقد اتفاقات مباشرة، مع احتفاظها بإمكانية إبرام صفقات منفصلة. ويحاول المخطط تجميع المحتوى والقوة التفاوضية للناشرين، بدلًا من دخول كل مؤسسة منفردة في تفاوض غير متكافئ مع شركات تقنية عالمية.
9 — تحالف سبير: قياس رحلة المادة داخل الإجابة
يعمل تحالف “سبير” على وضع معايير مشتركة توضح ما الذي يحدث للمحتوى بعد أن تسترجعه أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويقترح معيار التحالف تسجيل خمس مراحل: استرجاع المادة، والاستناد إليها، والاستشهاد بها، وعرضها، ثم تفاعل المستخدم معها. ويمكن أن تساعد هذه البيانات الناشرَ على معرفة قيمة محتواه داخل الإجابة الآلية، بدلًا من الاكتفاء بعدد مرات زيارة الزاحف للموقع. ويستكمل “سبير” بذلك مسار الترخيص الجماعي؛ فبينما تجمع المؤسسات الحقوق وتتفاوض بشأنها، يحاول التحالف إنشاء بنية موحدة لقياس الاستخدام وتحديد ما قد تستحقه كل مؤسسة.
10 — إطار رابطة الناشرين المحترفين: التشخيص قبل الصفقة
طوَّرت “رابطة الناشرين المحترفين” إطارًا يساعد أعضاءها على تقييم أثر الذكاء الاصطناعي في حركة الزيارات ونموذج الإيرادات وقوة العلاقة المباشرة بالجمهور. لا يبيع الإطار المحتوى ولا يحجب الزواحف، لكنه يساعد المؤسسةَ على تحديد ما إذا كانت الأولوية للحماية أو للترخيص المباشر أو للانضمام إلى مسار جماعي. كما يُنبِّه إلى مخاطر قبول اتفاق لا يُعوِّض خسارة الزيارات، أو يُقلِّل قيمة المحتوى المتخصص، أو يمنح شركة الذكاء الاصطناعي حقوقًا واسعة من دون توفير بيانات كافية عن الاستخدام.
11 — ائتلاف الحقوق الإبداعية: الضغط لتغيير القواعد
يختلف “ائتلاف الحقوق الإبداعية في الذكاء الاصطناعي” عن بقية المبادرات؛ فهو ليس أداة مراقبة أو سوق ترخيص، بل تحالف يضم جهات تمثل الصحافة والنشر والموسيقى والكتّاب والفنانين والمصورين. يطالب الائتلاف بإبقاء استخدام الأعمال مرهونًا بإذن أصحابها، وإلزام شركات الذكاء الاصطناعي بالشفافية ودفع مقابل عادل. وقاد التحالفُ حملةَ “اجعلوها عادلة” للتأثير في سياسات حقوق النشر البريطانية، والدفاع عن مبدأ أن حماية المحتوى لا ينبغي أن تعتمد على قدرة كل مبدع أو ناشر على اكتشاف الاستخدام غير المُصرَّح به بمفرده.
بريطانيا تمنح الناشرين ورقة إضافية
في يونيو 2026، فرضت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية متطلبات على خدمات بحث “غوغل”، تمنح الناشرين أدواتٍ للامتناع عن استخدام محتواهم في خصائص الذكاء الاصطناعي مع بقائهم ظاهرين في نتائج البحث التقليدية.
وتُلزم القواعد “غوغل” بتوفير معلومات عن مرات ظهور محتوى الناشر داخل الإجابات الآلية، والنقرات التي أعادتها إلى موقعه، ونسبة النقر إلى الظهور، إلى جانب تحسين الإسناد إلى المصادر. تمنح هذه القواعد الناشرَ قدرةً أفضل على قياس المقايضة بين الظهور داخل الإجابة والحصول على زيارة، لكنها لا تفرض سعرًا للمحتوى، ولا تضمن أن تتحول كل عملية استخدام إلى عائد مالي.
بداية بنية دفاعية وتجارية جديدة
يكشف الدليل البريطاني أن قطاع النشر بدأ ينتقل من سلسلة اقتصادية تقوم على “المحتوى ثم الزيارة ثم الإيراد” إلى سلسلة جديدة تقوم على “المحتوى ثم الإذن ثم القياس ثم الترخيص ثم الدفع”. لكن هذا السوق لم يستقر بعد، ولا تتوافر معلومات مؤكدة تُثبت أن أدوات الدفع مقابل الزحف أو أسواق الترخيص أصبحت قادرة على تعويض خسائر الزيارات على نطاق واسع.
ما توفره هذه المبادرات حتى الآن هو بداية لبنية دفاعية وتجارية جديدة، تمنح الناشرين قدرةً أكبر على معرفة من يستخدم صحافتهم، وتحديد الشروط، وقياس القيمة، والتفاوض بشأن المقابل، بدلًا من ترك العلاقة كاملة لشركات الذكاء الاصطناعي وحدها.

