رصاص الجمهور: كيف ولماذا تهاجَم الجهات الإعلامية في زمن الحرب؟

هل يرفض الجمهور توازن التغطية في الحروب؟ ولماذا تُهاجم بعض وسائل الإعلام أكثر من غيرها؟

Author

مع تصاعد الهجمات العسكرية المرتبطة بالحرب الحالية على إيران وما رافقها من ضربات متبادلة وتوتر إقليمي واسع، تعاود أسئلة جدوى الإعلام ومهمته ودوره في زمن الحرب للظهور، ومعها إشكالات تعامل الجمهور مع كم الأخبار الضخم يوميًا، وكيفية التعاطي معه.

وبينما تحاول بعض المؤسسات الإعلامية نقل التطورات الميدانية والبيانات الصادرة عن مختلف أطراف الصراع في محاولة منها للحياد والموضوعية، يتزايد الضغط عليها من جمهورٍ يعيش لحظة احتقان وانقسام حاد، حيث تتحول كل معلومة إلى مادة قابلة للتأويل السياسي والهجوم، دون النظر إلى الصورة الأوسع: التغطية الشاملة.

الصور والتعليقات المتداولة على المنصات الرقمية خلال الأيام الأخيرة، في سياق تغطية الضربات والردود العسكرية المرتبطة بالحرب على إيران، كشفت جانبًا من هذا المشهد؛ إذ تتعرض وسائل إعلام مختلفة لانتقادات حادة بسبب طريقة نقلها أخبار العمليات العسكرية أو تصريحات المسؤولين، أو حتى مصادر الأخبار التي تنقل منها. 

هذه الحالة لا تتعلق بواقعة إعلامية محددة بقدر ما تعكس إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الجمهور بالإعلام في أوقات النزاع، فمن يتحمل مسؤولية هذه العلاقة؟

هل يرفض الجمهور توازن التغطية في الحروب؟

كيف تقوم وسائل الإعلام بتغطية الحروب؟

تختلف التغطيات الحروب جوهريًا عن تغطية الأخبار اليومية. ففي لحظات التصعيد العسكري، تعتمد المؤسسات الإعلامية عادة على مصادر رئيسية للمعلومات:

  • البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومات والجيوش وأطراف النزاع.
  • المراسلون الميدانيون وشهاداتهم من مناطق الأحداث.
  • وكالات الأنباء الدولية التي تنقل المعطيات الأولية من عدة مصادر.
  • الإعلام المجتمعي المتمثل في المقاطع المصورة المنتشرة عبر الفضاء الرقمي.
  • الشهادات الميدانية.

لهذا السبب، تظهر في نشرات الأخبار وحسابات وسائل الإعلام صيغ متكررة مثل: “قال الجيش…”، و”أفادت وكالة…”، أو “بحسب مصادر رسمية”. هذه الصيغ وغيرها ليست تبنيًا لرواية ما أو تحركًا سياسيًا بعينه، بل نقل للخبر مع نسبه إلى مصدره. فالإعلام في هذه الحالة يؤدي وظيفته كناقل للمعلومة، وليس طرفًا في الصراع. يبرز هذا تحديدًا في تغطية وسائل الإعلام التي لا تتبع صراحةً إلى حزبٍ أو جهة رسمية واضحة في الحرب أو النزاع، فقد يرى المتابع الآراء من كافة الأطياف على شاشة واحدة.

في التغطية الإعلامية الحالية أثناء الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، يظهر هذا الأسلوب بوضوح عبر نقل تصريحات صادرة عن الحرس الثوري الإيراني أو بيانات من مصادر أمريكية أو إسرائيلية، مع الإشارة إلى مصدر الخبر. غير أن هذا النمط من التغطية غالبًا ما يُفهم لدى الجمهور على أنه تبنٍ للرواية وتعزيز لها، وليس مجرد نقل ضمن تغطية، فهل هذا صحيح؟ وماذا عن تكثيف روايةٍ ما على حساب أخرى؟

هل يرفض الجمهور توازن التغطية في الحروب؟

هل يرفض الجمهور توازن التغطية في الحروب؟

لا يتعامل الجمهور مع الإعلام بوصفه مصدر معلومات فقط، بل يتوقع منه أيضًا أن يعكس موقفه السياسي المتصل به جغرافيًا وأيديولوجيًا، لذلك يصبح مفهوم “التوازن” في التغطية مثيرًا للجدل والنقاش دائمًا.

فعندما تنقل وسيلة إعلام خبرًا صادرًا عن أحد أطراف الصراع، قد يُنظر إلى ذلك على أنه انحياز لذلك الطرف وتعزيز لموقفه، حتى لو كان الخبر منسوبًا بوضوح إلى مصدره.

المنشورات المتداولة على المنصات الرقمية خلال الحرب الحالية توضح هذا النمط من التفاعل مع الأخبار، إذ يرى بعض المستخدمين أن نقل تصريحات إيرانية أو عرض مشاهد من داخل إيران دليل على انحياز الجهة الناقلة، بينما يعتبر آخرون أن تجاهل هذه المعلومات يُعد إخفاءً للخبر لأسباب تتعلق بالتمويل وقرارات إدارة القنوات.

سلوك الجمهور مع المحتوى الإخباري

يرى الكثير من المتابعين أن بعض وسائل الإعلام “تتعمد استفزاز الدول الخليجية” بنقلها الأخبار الإيرانية عن القصف والصواريخ المتجهة نحو المنطقة، كما تساءل البعض عما إذا كانت بعض القنوات الإخبارية “تتقّمص دور الناقل الإعلامي للسرديتين الأمريكية والإسرائيلية”، في إشارة إلى الطريقة التي تُعرض بها بعض الروايات الرسمية.

في المقابل، يرى آخرون أن المشكلة لا تكمن في نقل الأخبار نفسها، بل في كيفية فهمها وتلقيها.

يعكس ذلك نتيجة مفادها أن المشكلة لا تكمن دائمًا في المحتوى نفسه، بل في توقعات الجمهور من الإعلام. وفي زمن الانقسام في فترات الحروب والتصعيد العسكري، يميل الجمهور إلى تفضيل الإعلام الذي يعزز روايته الخاصة، وليس الإعلام الذي يعرض الروايات المتعددة.

ضريبة المصداقية 

ومن خلال متابعة العديد من التعليقات على صفحات بعض القنوات العربية، بدا واضحًا أن الالتزام بالدقة في نقل الأخبار يحمل ثمنًا واضحًا في زمن الحرب.

فالمؤسسات الإعلامية التي تحاول نقل المعلومات كما ترد من مصادرها، قد تواجه موجات من الاتهامات بالانحياز.

لهذا السبب تظهر في التغطيات الجادة عبارات مثل: “بحسب الرواية الإيرانية” أو “وفق ما أعلن الجيش الإسرائيلي” وهذه الصيغة تهدف إلى الفصل بين الخبر والرواية، وهي إحدى أدوات الصحافة للحفاظ على الدقة.

هل يرفض الجمهور توازن التغطية في الحروب؟

هل هناك حيادية في الإعلام؟

الحياد في الإعلام مفهوم غالبًا ما يُساء فهمه؛ فالإعلام لا يستطيع أن يكون “محايدًا” بمعنى الخلو التام من الزوايا التحريرية أو من اختيار الأخبار، لأن اختيار ما يُنشر في الأساس هو قرار تحريري مبني على توجهات بشرية.

لكن ما تستطيع المؤسسات الإعلامية فعله هو تحري الموضوعية، والالتزام بما يُعرف مهنيًا بالإنصاف والتوازن، أي:

  • نقل الروايات المختلفة.
  • نسب المعلومات إلى مصادرها.
  • عدم تقديم الادعاءات على أنها حقائق مؤكدة دون دليل.

يصبح الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة أثناء الصراعات الإقليمية، لأن كل خبر يتحول بسرعة إلى مادة للصراع السياسي أو الإعلامي.

ويبدو أن التحدي الحقيقي لوسائل الإعلام في زمن الحرب لا يكمن فقط في كيفية نقل الأخبار، بل أيضًا في كيفية تلقي الجمهور لها؛  فقد تصبح الصحافة المتوازنة هدفًا للهجوم من جميع الأطراف، لأن كل طرف يفضّل إعلامًا يؤكد روايته الخاصة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية التي تتمثل بأنه كلما حاول الإعلام نقل جميع الروايات بدقة، ازداد احتمال اتهامه بالانحياز وهي ضريبة تدفعها الصحافة غالبًا عندما تحاول الحفاظ على مهنيتها.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي