في صباح السبت العشرين من يونيو/حزيران 2026، أضاف قصفٌ إسرائيلي على منزلٍ في مخيم البريج وسط قطاع غزة اسماً جديداً إلى قائمةٍ طويلة: المصور الصحفي أحمد سمير وشاح، العامل في قناة «الجزيرة مباشر». لم يكن وشاح غريباً عن هذه القائمة؛ فقبل نحو شهرين فقط كان شقيقه الصحفي محمد وشاح قد قُتل في غارةٍ استهدفت مركبته على الطريق الساحلي. وبرحيل الأخوين معاً، صار اسم العائلة الواحدة شاهداً مكثّفاً على ما تصفه منظمات الدفاع عن الصحفيين بأنه أشدّ الحروب فتكاً بالعاملين في الإعلام منذ بدء توثيق هذه الأرقام. وكان وشاح، بحسب ما أعلنته شبكة الجزيرة، الصحفيَّ الثاني عشر من كوادرها الذي يُقتل في القطاع منذ بدء الحرب.
السؤال الذي يفرضه كل اسمٍ جديد بسيطٌ في صياغته، عسيرٌ في إجابته: كم صحفياً قتلت إسرائيل في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023؟ الإجابة لا تأتي برقمٍ واحد، بل بطيفٍ من الأرقام يتراوح بين أكثر من 220 وأكثر من 262، تبعاً للجهة التي تُحصي ولمعيار من تَعُدّه «صحفياً». غير أن هذه الأرقام، على تفاوتها، تلتقي عند خلاصةٍ واحدة لا يكاد يختلف حولها أحد من المنظمات المهنية: هذه هي الحرب الأكثر دمويةً للصحافة في التاريخ الحديث.
ما تقوله الأرقام
أعلى الأرقام صدرت عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي رفع عدد الشهداء من الكوادر الصحفية إلى 262 شهيداً بمقتل وشاح، واصفاً ما يجري بأنه «استهداف واغتيال ممنهج» للصحفيين الفلسطينيين. ويقترب من هذا الرقم تقدير لجنة حماية الصحفيين ومقرّها نيويورك، التي وثّقت حتى الحادي عشر من يونيو/حزيران 2026 مقتل 263 صحفياً وعاملاً في الإعلام، مع تسجيل 174 جريحاً و108 معتقلين. لكن رقم اللجنة، بخلاف رقم المكتب الحكومي، لا يخصّ غزة وحدها؛ فهو يشمل قتلى الصحافة المرتبطين بالحرب في غزة ولبنان واليمن وإيران وإسرائيل، ما يجعل المقارنة المباشرة بين الرقمين مضلّلة ما لم تُضبط حدود كلٍّ منهما.
وتعتمد منظمة «مراسلون بلا حدود» معياراً أكثر تحفّظاً، إذ تحصر إحصاءها في من تتوافر أدلة على ارتباط مقتلهم بعملهم الصحفي، وقد أحصت أكثر من 220 صحفياً قُتلوا على يد الجيش الإسرائيلي في غزة، من بينهم ما لا يقلّ عن 68 يرجَّح أنهم استُهدفوا أو قُتلوا أثناء أداء عملهم. أما الاتحاد الدولي للصحفيين، الذي يعمل مع نقابة الصحفيين الفلسطينيين، فقد وثّق ما لا يقلّ عن 235 صحفياً وعاملاً في الإعلام. وهكذا يصبح التفاوت بين المصادر، لا الرقم المفرد، هو الحقيقة الأكثر صدقاً عن واقعٍ يصعب فيه الإحصاء الدقيق تحت القصف والحصار.
لماذا تختلف الأرقام؟
الاختلاف ليس تناقضاً بقدر ما هو انعكاسٌ لاختلاف المنهجيات. فالمكتب الإعلامي الحكومي في غزة يتبنّى التعريف الأوسع، إذ يَعُدّ كل صحفي أو عامل في الإعلام قُتل خلال الحرب، بصرف النظر عن الظرف الذي قُتل فيه أو ما إذا كان يؤدّي مهمةً صحفية لحظة استهدافه. في المقابل، تشترط لجنة حماية الصحفيين و«مراسلون بلا حدود» التحقق من كل حالةٍ على حدة وفق معايير صارمة، وكثيراً ما تميّزان بين من قُتل بسبب عمله أو أثناءه ومن قُتل في ظروفٍ لم يثبت ارتباطها بالمهنة، وهو ما يبقي عدداً من الحالات «قيد التحقيق» لا داخل الحصيلة المؤكدة. يضاف إلى ذلك اختلاف النطاق الجغرافي والتعريف المهني: هل يُحتسب العامل في الدعم الإعلامي والمصوّر الحرّ والمدوّن ضمن «الصحفيين»؟ تتباين الإجابات، فتتباين الأرقام تبعاً لها. وتقرّ لجنة حماية الصحفيين صراحةً بأن العدد الحقيقي قد يكون أعلى مما وثّقته، لأن التحقق المطابق لمعاييرها «بالغ الصعوبة» في ظل الظروف القائمة في غزة.
سياقٌ غير مسبوق
أياً كان الرقم الذي يُعتمد، فإنه يقع خارج كل سابقةٍ معروفة. ففي دراسةٍ لمشروع «تكاليف الحرب» (Costs of War) بجامعة براون، خلص الباحثون إلى أن عدد الصحفيين الذين قُتلوا في حرب غزة يفوق نظراءهم في الحرب الأهلية الأميركية والحربين العالميتين الأولى والثانية وحربَي كوريا وفيتنام وحرب أفغانستان بعد الحادي عشر من سبتمبر مجتمعةً، واصفين غزة بأنها «ببساطة، أسوأ نزاعٍ شهدته الصحافة على الإطلاق». وتذهب لجنة حماية الصحفيين إلى أن إسرائيل قتلت من الصحفيين عدداً يفوق ما قتلته أي حكومةٍ أخرى منذ بدأت اللجنة جمع بياناتها عام 1992، وأن عام 2025 وحده شهد مقتل عددٍ قياسي من العاملين في الإعلام حول العالم كانت إسرائيل مسؤولةً عن نحو ثلثيه.
ولا تنحصر المأساة في القتل. فإلى جانب القتلى، توثّق المنظمات الدولية مئات الجرحى وعشرات المعتقلين من الصحفيين، إضافةً إلى تدميرٍ منهجي للبنية التحتية الإعلامية في القطاع. وقد نشرت لجنة حماية الصحفيين تقريراً خاصاً ضمّ شهادات 58 صحفياً فلسطينياً قالوا إنهم تعرّضوا لما وصفوه بالتعذيب أو الإساءة داخل مرافق الاحتجاز الإسرائيلية. وفي موازاة ذلك، يَحول منع المراسلين الدوليين المستقلين من دخول غزة دون تحقّقٍ ميداني محايد، فيُلقي عبء التغطية كاملاً على الصحفيين المحليين الذين يدفعون ثمنها من أرواحهم.
الاستهداف والمساءلة الغائبة
تتركّز أخطر الاتهامات في مسألة «الاستهداف المتعمّد». فلجنة حماية الصحفيين تقول إنها تحققت من 75 حالةً على الأقل لصحفيين وعاملين في الإعلام استهدفتهم القوات الإسرائيلية وقتلتهم «انتقاماً مباشراً» من عملهم، فيما تتحدث «مراسلون بلا حدود» عن 68 حالةً يرجَّح أنها استهداف. وتنفي إسرائيل، من جانبها، تعمّد قتل الصحفيين، وكثيراً ما تصف بعض القتلى بأنهم عناصر في فصائل مسلّحة، وهي روايةٌ ردّت عليها لجنة حماية الصحفيين بأنها «اتهاماتٌ غير مدعومة بأدلة» تُساق للتشهير بصحفيين قُتلوا. وحتى اللحظة، تبقى المحاسبة غائبة؛ فبعد أربعة أعوام على مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة، لا تزال عائلتها تطالب بالعدالة من دون نتيجة، وهو غيابٌ للمساءلة تعتبره المنظمات الحقوقية جزءاً من المشكلة لا هامشاً عليها.
يبقى أن الأرقام، مهما دقّت، تظل أقلّ من الحقيقة الإنسانية التي تختزلها. خلف كل رقمٍ في هذه الحصيلة اسمٌ ووجهٌ وكاميرا توقّفت عن التسجيل، ومثل أحمد وشاح وشقيقه محمد، عائلاتٌ فقدت أبناءها مرّتين: مرةً بالموت، ومرةً حين يتحوّل الراحل إلى خانةٍ في جدول. والسؤال الذي يتجاوز العدّ هو: من سيوثّق ما يجري حين لا يبقى من يحمل الكاميرا؟

