من عدوٍّ إلى صديق: كيف تُعيد قناة MTV اللبنانية تطبيع صورة الاحتلال على الشاشة؟

تبنّت «mtv» نبرةً تسخر صراحةً من خطاب قيادة حزب الله

منذ أن أعلنت الدولة اللبنانية دخولها مساراً تفاوضياً مباشراً مع إسرائيل برعاية أميركية في واشنطن، لم تعد التغطية الإعلامية في لبنان مجرد نقلٍ للحدث، بل صارت جزءاً من معركة تأطيره. وفي هذا المشهد المنقسم بين شاشات تتموضع على ضفّتي الانقسام اللبناني العميق، تبرز قناة «mtv» بوصفها الصوت الأوضح في الخط المناهض لحزب الله ومنظومة المقاومة، والأكثر تماهياً مع منطق الدولة المركزية التي ترفع شعار «حصرية السلاح». والسؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس ما إذا كانت للقناة مواقف، فهذا حقّ تحريري لا جدال فيه، بل كيف تُمارس هذه المواقف، وأين يقف الخط الفاصل بين النقد السياسي المشروع وبين إعادة تشكيل وعي الجمهور حول مسألةٍ وجودية كالعلاقة مع عدوٍّ ما زال يقصف الجنوب اللبناني يومياً وهو نفسه طرفٌ في التفاوض.

نشرات أم برامج ساخرة

تبدأ القراءة من نشرات الأخبار ومقدماتها، وهي المساحة التي يُفترض أنها الأكثر التزاماً بالموضوعية. في مقدماتها خلال هذه المرحلة، تبنّت «mtv» نبرةً تسخر صراحةً من خطاب قيادة حزب الله، فحين أعلن أمينه العام نعيم قاسم تمسّكه بالسلاح، اختصرت القناة موقفه في صياغةٍ تهكمية بأن الحزب «انتقل من ثلاثيته القديمة المستهلكة: جيش، شعب، مقاومة، إلى ثلاثية جديدة: أرض، سلاح، روح»، ووصفت نظريته بأنها رفضٌ لمطلب الدولة. العبارة ذكية، لكنها تخلط الخبر بالسخرية، فلا يعرف المشاهد أين ينتهي النقل ويبدأ رأي القناة. والحقّ أن هذا ليس عيب «mtv» وحدها؛ فقنوات مثل «المنار» و«الجديد» تفعل المثل بالعكس، وتصف الموفد الأميركي بـ«الدبلوماسي الفاشل» وتسخر منه بالقدر نفسه. المشكلة ليست في قناة واحدة، بل في إعلامٍ لبناني صار كلّه تابعاً للاصطفافات السياسية، وهذا ما يجب أن نتذكّره ونحن ننتقد.

صار الوقت ومواقف مارسيل غانم

غير أن الموقع الأبرز لتبلور خطاب القناة هو برنامج «صار الوقت» مع مارسيل غانم، الذي يُعدّ المنبر السياسي الأهم على شاشتها. ففي مقدماته المتلاحقة خلال هذه المرحلة، أرسى غانم معادلةً صريحةً مفادها أن «السلاح مع الشرعية فقط، ومن لا يقبل بذلك فهو الخارج عن الدولة وقرارها». وهي عبارةٌ تتجاوز النقاش حول جدوى السلاح إلى إصدار حكمٍ بالإخراج من الإجماع الوطني بحقّ شريحةٍ واسعة من اللبنانيين، في لحظةٍ تفاوضية حسّاسة. كما دأب البرنامج على تكرار جردةٍ اتهامية تُحمّل سلاح المقاومة وحده مسؤولية الانهيار الاقتصادي وتدمير السياحة وتبديل بنية الاقتصاد، متجاهلاً منظومةً أوسع من الفساد المصرفي والسياسي يُجمع اللبنانيون على أنها صنعت الانهيار. إن المأخذ هنا ليس على حقّ غانم في انتقاد سلاحٍ خارج الدولة، فهذا موقفٌ يتبناه كثيرون من خارج اصطفاف «mtv»، بل على التبسيط الذي يحوّل أزمةً مركّبة إلى سببٍ واحد، وعلى توقيت هذا الخطاب الذي يتقاطع موضوعياً مع مطالب الطرف الإسرائيلي على طاولة التفاوض، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً.

وتتجلّى المقاربة نفسها في تركيب لوائح الضيوف. فاستعراض حلقات «صار الوقت» يُظهر حضوراً لافتاً لأصوات معروفة بعدائها الحادّ لمحور المقاومة، من باحثين في مؤسسات أميركية محسوبة على الخط المؤيّد لإسرائيل إلى مثقفين لبنانيين يطرحون أطروحات «لبنان أولاً» بصيغتها الأكثر صدامية مع الهوية العربية للبنان. صحيحٌ أن البرنامج يستضيف أحياناً أصواتاً من الضفة المقابلة، فيحفظ بذلك مظهر التعددية، غير أن التوازن الشكلي في عدد المتحدثين لا يعني توازناً في الإطار العام الذي يُدار به النقاش، إذ يبقى سقف الأسئلة ومنطق المقدّم موجّهَين سلفاً نحو خلاصةٍ واحدة. وهذه التعددية المنقوصة هي أخطر من الإقصاء الصريح، لأنها تمنح الخطاب الأحادي شرعية الحوار المفتوح.

مسرحية «مش مسرحية»

وإذا كان «صار الوقت» يمثّل الوجه التقليدي للخط التحريري، فإن برنامج «مش مسرحية» الذي يقدّمه جو معلوف على الشاشة نفسها يمثّل وجهه الشعبوي الأكثر صخباً وإثارة للجدل. يُقدَّم البرنامج بوصفه «منصّة شبابية» تجمع أصواتاً لبنانية من مختلف المناطق والطوائف للتعبير بحرية، عبر صيغةٍ تقوم على المواجهة المباشرة والتصويت الجماهيري وما يسمّيه معلوف «جدار العار». غير أن هذه الصيغة المستوحاة من برامج تلفزيون الواقع تحوّلت سريعاً إلى مساحةٍ لإطلاق تصريحاتٍ صادمة، بعضها ذو طابع طائفي حادّ وبعضها مؤيّد صراحةً للسلام مع إسرائيل، صدرت عن عددٍ من الضيوف الشباب.

باسم الشعب أم باسم إسرائيل

وما يجعل المشهد أبعد من زلّةٍ عابرة أنه يتكرّر، وأنه بلغ ذروته في حلقةٍ واحدة جمعت كل عناصر الجدل. ففي الحلقة الثانية عشرة من برنامج «باسم الشعب» الذي يقدّمه رياض طوق، فتحت القناة هواءها قبل أشهر لمادةٍ مصوّرة عن «حياة لبناني في إسرائيل» أعدّها يوسف الخوري، المعروف أيضاً باسم جوناثان الخوري، وهو لبناني الأصل انتقل إلى إسرائيل عام 2000 وينحدر من عائلةٍ مرتبطة بـ«جيش لبنان الجنوبي». وقد تداول الناس الحلقة بعنوانين لافتين، «ليسوا خونة» و«مبعدون لا عملاء»، وهي صياغةٌ تختصر المأخذ كله: نقل المتعاملين مع الاحتلال من خانة العمالة إلى خانة الضحية. وظهر في الحلقة شبابٌ لبنانيون من أبناء عناصر تلك الميليشيا يعيشون اليوم في إسرائيل، وتحدّثوا بلغةٍ تطبيعية لا تحتمل التأويل. وجّهوا «رسالة سلام ومحبة من إسرائيل»، وتمنّوا أن «نتلاقى قريباً ونشرب بيرة أو عرَقاً» في لبنان، وقدّموا أنفسهم «لبنانيين إسرائيليين فخورين» يريدون أن يكونوا «الجسر بين الشعبين». والأخطر أنهم رفعوا، إلى جانب العلم اللبناني، علم «جيش لبنان الجنوبي»، ودافعوا عن آبائهم بأنهم «حموا الضيع»، ودعوا أبناء الجنوب إلى «الفخر بأهاليهم».

ولم يكن هذا الظهور معزولاً، فقد تزامن مع بروز الخوري إلى جانب اللبنانية المبعَدة إلى إسرائيل مريم يونّس، عبر منابر لبنانية ومن داخل إسرائيل مباشرة، ما أشعل جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً، رأى فيه كثيرون خرقاً صريحاً لقانون مقاطعة إسرائيل وكسراً لمحظورٍ ظلّ ثابتاً عقوداً. لم تعد المسألة هنا إتاحة منبرٍ لرأيٍ مختلف، بل بثّ خطابٍ يحوّل العمالة إلى «وطنية»، ويقلب الجلاد ضحيةً والمقاوم محتلاً، على شاشةٍ تصل إلى ملايين اللبنانيين في ساعة الذروة، بلا أي تعليقٍ يوازن ما قيل أو يضعه في سياقه. ويزيد الأمر سوءاً أن «جيش لبنان الجنوبي» الذي يرفعون علمه بفخر لم يكن طرفاً في خلافٍ سياسي، بل ميليشيا أنشأها الاحتلال وموّلها وسلّحها، وأدارت معتقل الخيام بين 1985 و2000، حيث وُثّق تعذيبٌ ممنهج بحق آلاف اللبنانيين، رجالاً ونساءً. أن يُقدَّم أبناء هذه التجربة في قالبٍ إنساني يطلب التعاطف، دون أن تشير القناة إلى هذا التاريخ ولو بكلمة، انحيازٌ صارخ لا يحترم ذاكرة الضحايا، وتجاوزٌ لمساحةٍ يجرّم فيها القانون اللبناني كل تعاونٍ مع دولةٍ معادية في زمن الحرب.

أثار هذا المحتوى غضباً واسعاً في الشارعين اللبناني والفلسطيني، وامتلأت منصات التواصل بسجالٍ رأى فيه كثيرون عملية «تبييض» منظّمة لصورة المتعاملين مع الاحتلال، تستثمر جيلاً جديداً لم يعش الحرب ولا يعرف تفاصيلها. والمأخذ هنا ليس على حقّ القناة في طرح زوايا متعددة، بل على غياب التوازن الذي يفرض، عند بثّ خطابٍ بهذه الحساسية، استحضار الرواية الأخرى وتاريخ الجرائم المنسوبة إلى تلك الميليشيا، كي لا تتحوّل الشاشة إلى أداةٍ لتمرير روايةٍ واحدة باسم حرية التعبير.

تطبيع فكرة التفاوض

أما المسألة الأكثر حساسية فهي انزلاق التغطية من نقد سلاح المقاومة إلى ما يشبه تطبيع فكرة التفاوض ذاتها مع إسرائيل وتمييع رمزيتها. فبينما حرصت المصادر الأميركية المسرّبة عبر «mtv» نفسها على تجنّب مصطلحَي «السلام» و«التطبيع» منعاً لانهيار المسار، نقلت القناة بأريحيةٍ ملحوظة أجواء التفاوض بوصفه مساراً طبيعياً نحو الاستقرار، من دون أن تمنح الوزن الكافي للسياق الذي يجعل هذا التفاوض استثنائياً: عدوٌّ يواصل اغتيال الأفراد والغارات اليومية فيما تجري المحادثات. وهنا يبرز أحد أهم المنزلقات المهنية، إذ إن إفراغ الحدث من سياقه الميداني، وتقديمه في إطارٍ هادئ يوحي بالحتمية، شكلٌ من أشكال التطبيع الناعم الذي لا يحتاج إلى إعلان موقفٍ صريح. ومن الإنصاف القول إن القناة نقلت أيضاً تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام رفضه التطبيع وإصراره على أنه يسعى إلى «سلام» لا «تطبيع»، وهو ما يُضعف أي اتهامٍ مباشر للقناة بالدعوة العلنية إليه؛ فالمأخذ يتعلق بإدارة الإيقاع والإطار، لا بتبنّي شعارٍ صريح.

قد لا تُعلن «mtv» على لسانها دعوةً صريحة إلى التطبيع أو إلى المساس بالوجود الفلسطيني، والأمانة تقتضي التمييز بين ما تقوله القناة بنفسها وما تتيح لضيوفها قوله على هوائها. غير أن هذا التمييز لا يعفيها من المسؤولية، بل يضعها في صلبها؛ فالمؤسسة الإعلامية مسؤولةٌ عمّا تختار بثّه وعمّا تختار السكوت عن مساءلته. وحين تُراكم القناة، في الفترة نفسها، تهكّماً ممنهجاً على المقاومة، وتبسيطاً يحمّلها وحدها وزر الانهيار، وتقديماً للتفاوض في إطارٍ منزوع الحدّة، واحتضاناً لصيغةٍ شعبوية تُحوّل الموقف من العدو إلى مادةٍ للإثارة والتصويت، وصولاً إلى منح أبناء ميليشيا الاحتلال منبراً يرفعون منه علمها ويستجدون التعاطف لها، فإن هذه العناصر مجتمعةً تتجاوز النقد السياسي المشروع إلى ما يشبه إعادة هندسةٍ بطيئة لما هو مقبولٌ ومرفوض في الوجدان الوطني.

فالمأزق ليس مأزق قناةٍ واحدة، بل مأزق منظومةٍ إعلامية برمّتها تحوّلت من أداةٍ لمساعدة مجتمعٍ منهك على رؤية خياراته بكلفتها وسياقها، إلى وقودٍ لانقسامٍ يستثمره كلّ طرفٍ على حدة. لكن خصوصية ما تفعله «mtv» في هذه اللحظة بالذات أنها لا تخوض سجالاً سياسياً عابراً، بل تقترب من المسّ بثابتٍ تأسيسي: تعريف العدو والصديق، والجلاد والضحية. وهذا، بصرف النظر عن أي اعتبار تحريري، هو ما يجعل المساءلة هنا واجباً لا ترفاً.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي