«كولومبيا جورناليزم ريفيو» تفحص تعامل «لجنة حماية الصحفيين» مع أسماء الصحفيين الفلسطينيين الشهداء في غزة

«المراسل المقاتل»: مصطلحٌ لا وجود له

حين تتعرّض منظمةٌ للدفاع عن الصحفيين لحملةٍ تشكّك في نزاهة عملها، فمن الذي يملك الصلاحية المهنية ليفحص الاتهام ويفصل الغثّ من الثمين؟ في هذه الحالة كان الفاحص هو «كولومبيا جورناليزم ريفيو» — وهذا وحده جزءٌ من القصة. فالمجلة التي تصدر عن كلية الصحافة العليا بجامعة كولومبيا منذ عام 1961 لا تغطّي السياسة أو الاقتصاد، بل تغطّي الصحافة نفسها: تقيس أداءها، وتنبّه إلى مواطن قوتها وقصورها، وتساعد على تعريف معايير الخدمة الصحفية المسؤولة وإعادة تعريفها. إنها، باختصار، ضمير المهنة المكتوب — الجهة التي تراقب المراقِبين.

لهذا يكتسب هذا التحقيق ثقله. فحين تتولّى «كولومبيا جورناليزم ريفيو» تشريح ما جرى داخل «لجنة حماية الصحفيين»، فإن الحكم لا يصدر عن خصمٍ سياسي ولا عن مدافعٍ متحيّز، بل عن مؤسسةٍ مرجعية غير ربحية وظيفتها الأصلية محاسبة الصحافة بمعاييرها هي. وفي قصةٍ صار فيها الرقمُ سلاحاً والتعريفُ ساحةَ اشتباك، تصبح مراجعةٌ محايدةٌ من داخل المهنة أثمنَ من أي بيان.

ما ترسّخه مراجعة المجلة، عبر رسائل داخلية اطّلع عليها كاتبها ومقابلاتٍ مع أطرافٍ في مجلس الإدارة، أمرٌ يخالف العنوان المتداول: ثمة مساران منفصلان تماماً جرى الخلط بينهما — مراجعةٌ مهنية داخلية لقاعدة البيانات من جهة، ومحاولةٌ من قلّةٍ في المجلس لتضييق تعريف «الصحفي» من جهة أخرى — وأن المحاولة الثانية فشلت بتصويتٍ حاسم. هذا العرض يتتبّع كيف بنت المجلة هذا التمييز، وما تكشفه أرقامها وأصواتها.

لماذا صار توثيق اللجنة هدفاً؟

تبدأ المجلة من الأصل: منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، تحتفظ «لجنة حماية الصحفيين» — وهي منظمة غير ربحية مقرّها نيويورك — بإحصاءٍ موثّق للصحفيين القتلى، لا يُدرَج فيه اسمٌ إلا بعد تأكيد باحثيها عبر «مصدرين مستقلين على الأقل، وبحث مكتبي، وبحث ميداني حيثما أمكن». تحصي القاعدة اليوم 263 صحفياً وعاملاً في الإعلام قُتلوا في غزة وإيران ولبنان واليمن، غالبيتهم على يد الجيش الإسرائيلي، وتضع الحرب على غزة في مرتبة الأعنف على الصحفيين في التاريخ المسجّل. دقّة هذا التوثيق نفسها هي ما جعله هدفاً لمن يسعى إلى تشويه منتقدي حكومة نتنياهو — وهي مفارقةٌ تلتقطها المجلة بوضوح: كلما اشتدّ التوثيق اشتدّ استهدافه.

وخلف الكواليس كان حوارٌ مختلف يتشكّل. طوال الربيع نشرت حركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني نعياتٍ وبياناتٍ تزعم أن عدداً من المدرجين في القاعدة كانوا في الحقيقة مقاتلين، فبحثت اللجنة وأزالت عدة أسماء. المحصلة أن عشرين شخصاً أُزيلوا من القائمة منذ السابع من أكتوبر 2023 حين ظهرت معلومات تفيد بأنهم لا يستوفون المعايير — بينهم ثمانية تبيّن أنهم مقاتلون فعليون. وهذا رقمٌ لافت في دلالته: أن تصحّح المنظمة سجلّها بيدها هو ما يقوّض سردية «التستّر»، لا ما يدعمها.

تشريح الضغط: من كريستوف إلى «واشنطن فري بيكون»

تتتبّع المراجعة خيط الضغط إلى مصدره. اشتدّت الحملة بعد مقالٍ لنيكولاس كريستوف في صفحة رأي «نيويورك تايمز» يوم الحادي عشر من مايو 2026 عن اتهاماتٍ بعنفٍ جنسي ارتكبه الجيش الإسرائيلي. على إثره، نشر موقع «واشنطن فري بيكون» اليميني سلسلةَ مقالاتٍ تستهدف كريستوف ومصادره والمنظمات التي استشهد بها، ومنها اللجنة؛ ومن بينها خبرٌ في الثالث والعشرين من مايو بأنها أزالت بعض الأسماء، ونقلٌ عن متحدثٍ باسم منظمة «هونست ريبورتنغ» — التي تصفها «مراسلون بلا حدود» بأنها «تشوّه باستمرار سمعة الصحفيين الناقدين لإسرائيل» — بأن ناقلي بيانات اللجنة «يضخّمون دعاية حماس».

هنا يظهر أثر منهج المجلة المهني: تعرض هذه الاتهامات منسوبةً إلى أصحابها، وتُثبِت في مقابلها خلفياتِ مصادرها ومصالحها، ثم تذكّر بالموثّق — أن اللجنة نفسها، حين ظهر ما يثبت أن ثمانية من المدرجين كانوا مقاتلين، أزالتهم بيدها. وهو ما يقوّض، لا يدعم، سردية «التستّر».

المسار الأول: مراجعةٌ مهنية للبيانات

تفصل المجلة بعناية بين ما فعلته إدارة اللجنة وما حاوله مجلسها. المسار الأول مهنيٌّ صرف: بدأت المنظمة في بداية يونيو «مراجعة شاملة» لقاعدتها بطلبٍ من سارة قُضاة، المديرة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هدفها التأكد من أن كل فردٍ يطابق التعريف القائم عبر التحقق من وضعه بمصدرين مستقلين جديدين، والكشف عن أي خللٍ في آليات التحقق. المراجعة، بوصفها، «يقودها فريق صغير» داخل البرنامج، و«مستقلة تماماً» عن نقاشات المجلس.

المسار الثاني: محاولة تضييق التعريف — ومقاومتها

المسار الآخر مختلفٌ في جوهره. في اجتماعٍ مطلع يونيو، اقترح جوناثان كلاين، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «غيتي إيماجيز»، إعادة النظر في تعريف الصحفي، فتبنّاه رئيس المجلس جيكوب فايسبرغ. وحين أرسل فايسبرغ يوم الخامس والعشرين من يونيو رسالته عن «فريق عمل خاص» لبحث سؤال «مَن هو الصحفي؟» — يمتد إلى المرتبطين بـ«الأجنحة غير العسكرية لمنظمات إرهابية» والعاملين في «الدعاية الرسمية أو التضليل» — فوجئت به عضو المجلس نيكا سون-شيونغ، ناشرة «دروب سايت نيوز»، إذ لم يسبقه تصويتٌ ولا نقاش. طالبت بتصويت المجلس محذّرةً من «ضرر سمعوي دائم» ومن الرضوخ لـ«ضغط سياسي»، وتقول إنها أُبلغت بعد رسالتها بانتهاء ولايتها في المجلس.

في اليوم نفسه، كتب الشاعر والكاتب الفلسطيني محمد الكرد، مراسل مجلة «ذا نيشن» لشؤون فلسطين، أن المجلس «سيغيّر رسمياً تعريفه لمن يُعدّ صحفياً» بما يقصي على نطاقٍ واسع الفلسطينيين واللبنانيين القتلى العاملين في وسائل ممولة حكومياً، وأن ذلك «يجعل من رسالة المنظمة أضحوكة». فاشتعلت موجة غضبٍ فورية واتهاماتٍ بالرضوخ للضغط.

التصويت الحاسم: سبعة عشر مقابل واحد

مع تصاعد الالتباس، عقد المجلس اجتماعاً طارئاً يوم الأول من يوليو، وصوّت سبعة عشر عضواً مقابل واحد على تثبيت تعريفه القائم للصحفي، مُسقِطاً بذلك مقترح الرئيس؛ والصوت المعارض الوحيد كان لممثّلة قناة «فوكس نيوز» في المجلس. «ليس صحيحاً أن اللجنة خطّطت لتغيير تعريفها لإقصاء الصحفيين الفلسطينيين واللبنانيين القتلى»، قال فايسبرغ بعد التصويت، واصفاً ما نُشر بأنه «ادعاءات لا أساس لها» تُضعف عمل اللجنة.

وكانت المديرة التنفيذية جودي جينسبيرغ قد طمأنت «رابطة الصحفيين العرب والشرق أوسطيين» في اجتماعٍ عاجل يوم الثلاثين من يونيو بقولها: «لم يتخذ المجلس أي قرار بتغيير التعريف. وإن غيّروه لإقصاء الصحفيين الفلسطينيين، فليأخذوا استقالتي معه». وأوضح أيمن إسماعيل، رئيس مجلس الرابطة والكاتب في مجلة «سليت»، أن جينسبيرغ فصلت بوضوح بين «العمليات اليومية للجنة» و«المجلس»، وأن مراجعة البيانات «كانوا سيجرونها بصرف النظر عمّا يناقشه المجلس».

جوهر السؤال الذي تعيده المجلة إلى نصابه: الوظيفة لا الانتماء

تتجاوز المجلة الخبر إلى أصل السؤال. ففي ربيع 2025 كانت اللجنة قد أخضعت منهجيتها لاختبار إجهادٍ داخلي، اجتمع فيه موظفون من كل أقسامها أربع مرات لبحث «أين نتعثّر غالباً»، وأين تحديداً تصبح الشخصية داعيةً أو ناشطاً أو مؤثّراً أو عميلاً أجنبياً. وخلص النقاش إلى أن العبرة بالفرد لا بالمؤسسة، وأن «الدقة» والمادة «القائمة على الوقائع» شرطُ الإدراج. ومن ذلك جاء تعديلٌ طفيف على التعريف اعتمده المجلس في يونيو 2025: «يُعرّف اللجنةُ الصحفيين بأنهم مَن يغطّون الأخبار بانتظام أو يعلّقون على الشأن العام عبر أي وسيط لنقل معلوماتٍ قائمة على الوقائع أو مشاركتها مع جمهور».

المعيار إذن وظيفيٌّ لا انتمائي، وهو منسجمٌ مع تعريف مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: الصحفيون هم مَن «يوثّقون الأحداث، ويحلّلون القضايا، ويجمعون الوقائع، لإطلاع المجتمع على ما يهمّه». لاحظ: لا مَن يعملون في مؤسساتٍ صحفية، بل مَن يمارسون الصحافة. وبهذا المعيار قد يندرج صحفيو «تلفزيون الأقصى» في غزة، أو «وكالة شينخوا» الصينية المملوكة للدولة، أو حتى صحيفة «ستارز آند سترايبس» و«صوت أميركا» المملوكتين للحكومة الأميركية. المنطق واحدٌ لا يتجزأ.

وتسوق المجلة حجّة الحقوقيين: جعلُ الاختبار عن الوظيفة لا عن سياسة صاحب العمل مهمٌّ تحديداً لأن الشهود العاملين لهذا الطرف أو ذاك أكثرُ وجوداً حيث يُقمع العمل الصحفي أو يُمنع الوصول. وإسرائيل تمنع منذ بدء الحرب المراسلين الدوليين من العمل باستقلالٍ داخل غزة. أفلا يجعل ذلك أي عملٍ صحفيٍّ حقيقي على الأرض خدمةً عامة، ووسيلةً لتسجيل حربٍ كانت ستمرّ بلا شهود؟

وإنصافاً، تقرّ المجلة بحدود الحجة: مخاوف إساءة استخدام شارة «الصحافة» ليست وهماً محضاً؛ فاللجنة نفسها أزالت ثمانية أسماء ثبت أنها لمقاتلين، وهو ما يعني أن خطر الخلط قائم وأن آليات التحقق قابلة للخطأ. الفارق أن علاج هذا الخطر يكون بتشديد التحقق فرداً فرداً — وهو ما فعلته المراجعة المهنية — لا بتضييق التعريف على أساس هوية صاحب العمل أو جنسية الضحية، وهو ما رفضه المجلس.

«المراسل المقاتل»: مصطلحٌ لا وجود له

تختم المجلة بملاحظة أيمن إسماعيل عن مصطلحٍ قاتمٍ صار الجيش الإسرائيلي يستخدمه: «كانوا يسمّون هؤلاء الناس مراسلين مقاتلين. ليس ذلك شيئاً حقيقياً. وحتى لو كان أحدهم على كشوف جهةٍ ما، فهذا لا يجعله هدفاً عسكرياً». في هذه العبارة يتكثّف رهان القصة كله: حين يُخترع توصيفٌ لغويٌّ جديد، تصبح مسافة الكلمة الواحدة بين «الشاهد» و«الهدف المشروع» هي الفارق بين الحياة والموت. ولهذا، كما يقول إسماعيل، «هذه مسألة تمسّ كثيرين لأسبابٍ بديهية؛ إنها مسألة حياةٍ أو موت».

انتهى الجدل هذه المرة إلى تثبيت التعريف. لكن قيمة ما فعلته «كولومبيا جورناليزم ريفيو» تتجاوز الخبر: إنها تُظهر كيف تحمي المهنةُ معاييرها من الداخل، بأن تفصل الوقائع من الضجيج، والمراجعة المهنية من الضغط السياسي. والسؤال الذي تتركه مفتوحاً ليس «مَن يُحسَب صحفياً؟» فحسب، بل: مَن يملك سلطة أن يقرّر — وتحت أي ضغط؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي