نشرت مجلة Open Journal of Applied Sciences دراسة جديدة بعنوان: «القيم الخبرية الخطابية في تغطية ما بعد 7 أكتوبر: دراسة مقارنة بين الجزيرة ونيويورك تايمز» للباحث عبدالله ورشاغة من كلية اللغات في جامعة مالايا بكوالالمبور.
تتناول الدراسة التي ترجم مرصد الإعلام العربي جانبًا منها، كيفية توظيف الخطاب الصحفي في بناء «خبرية» الأحداث التي تلت 7 أكتوبر، ضمن سياق العدوان الإسرائيلي على غزة والأراضي الفلسطينية، وكيف تصنع وسائل الإعلام الدولية المعنى والشرعية، وما يُقدَّم بوصفه مهمًا وجديرًا بالنشر.
منهجية البحث وأدوات التحليل
تعتمد الدراسة على عيّنة من 100 مادة صحفية، بواقع خمسين خبرًا من الجزيرة الإنجليزية (AJE) وخمسين خبرًا من نيويورك تايمز (NYT).
ويستخدم الباحث إطارين في التحليل: المنهج الاجتماعي الجدلي، وتحليل القيم الخبرية الخطابي (DNVA).
ويقصد بتحليل القيم الخبرية الخطابي، تتبّع الكيفية التي تُبنى بها القيم الخبرية داخل اللغة نفسها، من خلال اختيار الكلمات وصياغة الجمل وترتيب المعلومات وانتقاء الاقتباسات، بما يجعل حدثًا ما يبدو «أكثر خبرية» في نظر الجمهور.
محاور التحليل اللغوي
توضح الدراسة أن التحليل ركّز على عناصر لغوية محددة، أبرزها:
- اللغة التقييمية: أي الكلمات التي تحمل حكمًا ضمنيًا، مثل: «كارثي»، «غير مسبوق»، «ضروري»، «مدمّر».
- الموقف (Stance): الكيفية التي يقدّم بها النص موقفه من الأطراف والحدث.
- مدى التعاطف (Emotionality): رفع أو خفض الأثر العاطفي عبر السرد والوصف.
- المواقف التفاعلية (Interpersonal stances): كيفية بناء علاقة النص مع القارئ عبر ضمائر مثل «نحن/هم»، أو عبر خطاب يقرّب جمهورًا من طرف معيّن.
السياق التاريخي والسياسي
تضع الدراسة هذه الأسئلة ضمن سياق تاريخي وسياسي أوسع، فتشير إلى أن مسار الصراع بعد الحرب العالمية الثانية، وقرار الأمم المتحدة عام 1947، وإعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، وما تبعه من تهجير واسع للفلسطينيين (النكبة) شكّل أرضية ممتدة لصراع على الأرض والشرعية والرمزية.
وتضيف الدراسة أن مبادرات سياسية لاحقة، مثل ما سُمّي «صفقة القرن»، وما رافقها من الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة، أدّت إلى رفع مستوى التوتر، وعمّقت الإحباط الفلسطيني من مسار التسوية، مع الإشارة إلى الانحياز الأمريكي للطرف الإسرائيلي.
7 أكتوبر كنقطة انعطاف
عند الوصول إلى 7 أكتوبر 2023، تصف الدراسة الحدث بأنه نقطة انعطاف، إذ نفذت حركة حماس هجومًا واسعًا عبر الحدود إلى داخل المناطق المحتلة.
وتذكر الدراسة أن الهجوم قُدِّم من حماس بوصفه «مقاومة» للحصار المستمر على غزة منذ أكثر من 17 عامًا، وللتطورات في القدس والضفة الغربية، لكنه قوبل أيضًا بإدانة دولية بسبب استهداف المدنيين.
وفي المقابل، تذكر الدراسة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية اللاحقة في غزة، الموصوفة بالقصف الجوي المكثف والخسائر المدنية وتدمير البنية التحتية، أثارت اتهامات بالعقاب الجماعي وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.
وتؤكد الدراسة أن فهم الصراع لا ينفصل عن الأطر الخطابية التي يُمثَّل عبرها، إذ تتبدل دلالات مفردات مثل: «الأمن»، «الإرهاب»، «الاحتلال»، «الإبادة»، «الرهائن»، «الأسرى»، «الدفاع عن النفس»، «الاجتياح»، «الحصار»، «المقاومة» تبعًا للمؤسسة الإعلامية، بما ينعكس على الرأي العام وصناعة القرار.
القيم الخبرية: الإطار النظري
في القسم النظري، تشرح الدراسة مفهوم القيم الخبرية بوصفها معايير ثقافية ومؤسسية تحدد ما يُعدّ خبرًا مهمًا، وكيف يُؤطَّر الحدث أو الفاعل داخل النص الإعلامي.
وتقدّم الدراسة تصنيفًا لهذه القيم، يشمل:
السلبية، الإيجابية، الآنية/التوقيت، القرب (جغرافيًا أو ثقافيًا)، النخبوية (إبراز أصحاب المكانة الرسمية العالية)، الانسجام (مطابقة التوقعات والصور النمطية)، التأثير، الضخامة/التفوّق (إظهار السعة والنطاق)، والتشخيص/التخصيص (التركيز على البعد الإنساني وشهادات العيان).
والمقصود بـ التشخيص (Personalization) تقديم الخبر عبر قصص أفراد عاديين أو شهادات مباشرة، بينما تعني النخبوية (Eliteness) إعطاء مركزية لأصوات الرؤساء والوزراء والمؤسسات الرسمية.
الفاعلون الاجتماعيون في التغطية الإعلامية
ولتحديد الفاعلين الاجتماعيين في التغطية، استخدمت الدراسة أداة AntConc لرصد أكثر 500 كلمة تكرارًا في النصوص، ثم رتّبت الكلمات المرتبطة بثلاث فئات رئيسية: المدنيون، والسياسيون، والمسلحون.
- في عيّنة الجزيرة الإنجليزية، يظهر المدنيون في المقدمة عبر كلمات مثل: مدنيون، عائلات، أطفال/رُضّع، عاملون صحيون، سكان.
ويظهر السياسيون عبر كلمات مثل: مسؤولون، وسطاء، وزراء، مفاوضون، دبلوماسيون.
كما تظهر فئة المسلحين عبر كلمات مثل: مقاتلون، جماعات مسلحة، منفذون، قادة، محتلون.
- أما في عيّنة نيويورك تايمز، فتبرز فئة المدنيين بكلمات مثل: سكان، ناجون، رهائن، أطفال/رُضّع، عمّال إغاثة.
وتظهر فئة السياسيين بوضوح عبر: رؤساء، مسؤولون، شركاء، أعضاء حكومة، وسطاء.
بينما تظهر فئة المسلحين بكلمات مثل: إرهابيون، حماس، قوات أمن، مهاجمون، شرطة.
وتعرض الدراسة هذه النتائج بوصفها اختلافًا واضحًا في الأولوية الخطابية لمن يظهر في النص كفاعل رئيسي.
أنماط القيم الخبرية في المؤسستين
تنتقل الدراسة إلى عرض القيم الخبرية الأكثر حضورًا في كل مؤسسة إعلامية. ففي الجزيرة الإنجليزية، تسجّل الدراسة أن التشخيص/التخصيص هو الأكثر استخدامًا بنسبة 24%، يليه السلبية بنسبة 19%، ثم القرب بنسبة 16%.
وتوضح الدراسة أن التشخيص يتجسّد عبر سرد قصص أفراد وتسميتهم، وإبراز أوضاعهم الإنسانية (مثل توصيف «أم»، «أرملة»، «أطفال»)، مع اعتماد واسع على الاقتباسات المباشرة، واستخدام ضمائر المتكلم وأفعال الشهادة مثل «رأيت» و«شاهدت».
وفي قيمة السلبية، تعرض الدراسة أمثلة لصياغات وصفية حادة مثل: «دماء»، «فوضى»، «جثث»، «جرائم حرب»، وتربط ذلك بكون هذا النوع من اللغة يجذب الانتباه، لكنه يثير أسئلة أخلاقية تتعلق بتحويل الألم الإنساني إلى عنصر جذب خبري.
أما في نيويورك تايمز، فتذكر الدراسة أن النخبوية تأتي في المرتبة الأولى بنسبة 23%، تليها القرب بنسبة 22%.
وتوضح أن النخبوية تظهر عبر الاعتماد المكثف على أصوات أصحاب المناصب العليا، مثل الرؤساء والملوك ووزراء الخارجية والمسؤولين الكبار، مع إبراز ألقابهم وأدوارهم.
وتعرض الدراسة أمثلة على هذا النمط، حيث تتمحور التغطية حول اجتماعات «رفيعة المستوى» ومشاورات سياسية ودبلوماسية تتعلق بـ «خفض التصعيد»، و«إطلاق الرهائن»، و«الأمن»، و«حل طويل الأمد».
وفي قيمة القرب، توضّح الدراسة أن النص يبني إحساس القارئ بأن الحدث «قريب» عبر الإشارة إلى مجتمعات وجغرافيات وثقافات لها صلة مباشرة بجمهور الصحيفة، وعبر استخدام ضمائر مثل «نحن»، «لدينا»، «جانبنا»، بما يجعل موقف الدولة أو المؤسسة يبدو موقفًا جامعًا لجمهورها.
صحافة السلام وإعادة صياغة الخطاب
تخلص الدراسة إلى أن الفروق بين المؤسستين ليست فروق «أسلوب» فقط، بل تعكس اختلافًا في القواعد الثقافية والسياسية والقيم المؤسسية التي تحكم اختيار المفردات والفاعلين وزوايا السرد.
وتشير إلى أن هذه الاختلافات قد تُسهم في ترسيخ الانقسام وتوسيع التباعد بين الجمهورين، عبر إعادة إنتاج أطر صدامية وتضييق مساحة الخطاب الذي يفتح بابًا للحلول.
وفي الجزء المتعلق بصحافة السلام، تعرض الدراسة مقاربة تقوم على إعادة توظيف القيم الخبرية نفسها: التشخيص والقرب والنخبوية والسلبية/الإيجابية، ولكن داخل لغة تهدف إلى خفض التصعيد وتوسيع مساحة الفهم المتبادل.
كما تورد نموذجًا لإعادة صياغة اقتباسات أو جمل خبرية، بحيث تتحول من سرد صدامي إلى سرد يركّز على المشترك الإنساني، ويعيد ترتيب الأولويات باتجاه الحوار والدبلوماسية ودعم الجهود الإنسانية.
في خاتمتها، تؤكد الدراسة أن لغة التغطية الإعلامية تؤثر مباشرة في كيفية فهم الصراع وتقدير مآلاته، وأنها قد تدفع نحو مزيد من الاستقطاب، أو تفتح مسارات لخطاب أقل تصادمية.
وتعتبر أن تحليل القيم الخبرية بوصفها بناءً لغويًا يقدّم أداة مهمة لفهم كيفية صناعة «الخبرية» في النزاعات، وكيف يمكن تحويل التغطية من نمط يضاعف الانقسام إلى نمط يوسّع مساحة الفهم ويعزّز المسؤولية الأخلاقية في السرد الصحفي.

