من انفجار المستشفى الأهلي في غزة إلى أزمة الثقة بالصورة: “كولومبيا جورناليزم ريفيو” تراجع حدود التحقيقات البصرية

كولومبيا جورناليزم ريفيو تراجع حدود التحقيقات البصرية في الحروب

كانت مقاطع الفيديو التي خرجت من المستشفى الأهلي العربي في غزة، مساء 17 أكتوبر 2023، تُظهر النيران والدمار ومحاولات إنقاذ المصابين، لكن تحديد المسؤولية عن الانفجار احتاج إلى أدلة تتجاوز ما تراه العين، وحين بدأت فرق التحقيقات البصرية تفحص التسجيلات، توصل بعضها إلى استنتاجات متعارضة، وأعقبت التغطيات تصحيحات وملاحظات تحريرية.

تعود مجلة “كولومبيا جورناليزم ريفيو” إلى هذه الواقعة، لتفحص سؤالًا يزداد إلحاحًا داخل غرف الأخبار: كيف تحافظ التحقيقات البصرية على قدرتها على إثبات الوقائع، بينما يصبح اصطناع الأدلة أسهل، والوصول إلى مواد أصلية أصعب، وثقة الجمهور بالصورة أكثر هشاشة؟

المادة، التي أعدّها إيميلي غوليغوسكي وماريسا مزرايا كاتز وجيك تشارلز ريس، تجمع مقابلات مع صحفيين ومتخصصين في التحقيقات مفتوحة المصادر، وهي مراجعة مهنية لتجاربهم وتقديراتهم، وليست دراسة إحصائية تقيس حجم التزييف أو تمثل آراء القطاع كله، ومن تقاطع هذه الشهادات تتضح أزمة تمس جمع الأدلة وتفسيرها وطريقة تقديمها للجمهور.

الصورة الصحيحة قد تقود إلى رواية خاطئة

اكتسبت التحقيقات مفتوحة المصادر حضورًا دوليًا مع الانتفاضات العربية والحرب السورية، حين أتاحت تسجيلات الهواتف وصور الأقمار الصناعية والمنشورات الرقمية فحص أحداث يصعب على المراسلين الوصول إليها، وطورت مؤسسات مستقلة، بينها “بيلينغكات” و”الأرشيف السوري” و”إير وورز”، أساليب لجمع هذه المواد وأرشفتها والتحقق منها وربطها بالمكان والزمان.

لكن أصالة الصورة لا تحسم معنى ما يظهر فيها، ويحذر جيمس هاركين، مدير مركز الصحافة الاستقصائية، من أن التركيز على كشف التزييف قد يحجب مشكلة أنصاف الحقائق، إذ يمكن أن تكون الصورة حقيقية، بينما تكون الرواية التي تُبنى حولها ناقصة أو مضللة.

وتشرح تجربة المستشفى الأهلي جانبًا من هذا التعقيد، فبحسب ملاكي براون، أحد مسؤولي فريق التحقيقات البصرية في “نيويورك تايمز”، حللت غرف أخبار مواد متشابهة ووصلت إلى نتائج مختلفة، ويشير إلى أهمية الحصول على التسجيلات الأصلية، لأن تغير معدل الإطارات في النسخ المتداولة قد يؤدي إلى فقدان لحظة حاسمة من انفجار أو تفجر مقذوف.

ويضع ذلك حدًا مهنيًا واضحًا للإبهار البصري: الخرائط والرسوم المتحركة والمونتاج تستطيع شرح التحليل، لكنها لا تمنحه صحة يفتقر إليها، كما أن إثبات خطأ تفسير معين لا يعني تلقائيًا إثبات تفسير بديل أو حسم المسؤولية.

تعديل صغير يغيّر هوية المتهم

يصف خبير التحقق هينك فان إيس خطرًا يصعب اختزاله في صور مصطنعة بالكامل، وهو المزج بين مادة حقيقية وتعديل مولّد بالذكاء الاصطناعي داخل جزء محدود منها.

ويضرب مثالًا افتراضيًا بصورة لجندي يرتدي زيًا تظهر عليه شارة، يمكن تغيير الشارة وحدها مع الإبقاء على بقية المشهد، فيصبح التلاعب الصغير قادرًا على تغيير الانطباع عن هوية القوة الموجودة في المكان، ويستخدم نسبة 99% من الصورة الحقيقية مقابل 1% معدّل لتوضيح الفكرة، لا بوصفها نتيجة قياس لحجم التزييف.

تكمن خطورة المثال في أن العنصر المعدّل قد يكون تحديدًا الجزء الذي يعتمد عليه الصحفي في إسناد المسؤولية، ولهذا يدعو فان إيس إلى الجمع بين أدوات الكشف والعمل الاستقصائي البشري، ففحص الملف يحتاج إلى أن يصاحبه تتبع لمصدره ومقارنته بمواد أخرى وفهم للسياق الذي ظهر فيه.

أما إيموجين بايبر، صحفية التحقيقات البصرية في “واشنطن بوست”، فتنقل النقاش إلى مشكلة أوسع: كيف يقنع الصحفي الجمهور بأن دليلًا حقيقيًا هو بالفعل حقيقي، بعدما أضعفت المواد المصطنعة الثقة بالصورة نفسها؟

وتشير هذه المخاوف إلى أثر محتمل يتجاوز نجاح التزوير الفردي، إذ يمكن لانتشار الشك أن يضعف قيمة الأدلة الصحيحة أيضًا، حتى عندما يبذل الصحفيون جهدًا للتحقق منها.

وفرة المقاطع لا تعني كفاية الأدلة

قد يبدو غريبًا الحديث عن نقص المواد وسط التدفق اليومي لصور الحروب، لكن شهادتين في التقرير توضحان الفرق بين كثرة المحتوى وإمكان استخدامه لإثبات واقعة محددة.

تقول أليسون كيلينغ، الصحفية المتخصصة في التحقيقات البصرية في “فايننشال تايمز”، إن كمية المواد المتاحة لتغطية حوادث بعينها تراجعت بصورة كبيرة في إيران وغزة، مقارنة بما خبرته في سوريا وأوكرانيا، ومع هذا التراجع تقل فرص مقابلة تسجيل بآخر واختبار الروايات من زوايا مستقلة.

في المقابل، يتحدث هادي الخطيب، مؤسس “الأرشيف السوري” والمدير الإداري لمؤسسة “منيمونيك”، عن كثافة التوثيق في مساحة جغرافية صغيرة في فلسطين، وما يصاحبها من رقابة ومراقبة وقيود على المحتوى، بما يصعّب فهم الحوادث المتعددة وفصل بعضها عن بعض.

لا تقيس الشهادتان الشيء نفسه، فإحداهما تتناول المواد المتاحة للتحقق من حوادث محددة، والأخرى تتناول كثافة المحتوى وصعوبة تنظيمه والوصول إليه، ويمكن أن يجتمع الأمران: آلاف المنشورات، مع غياب التسجيل الأصلي أو الزاوية الثانية اللازمة لحسم سؤال صحفي.

ويضيف الخطيب أن تطور الأسلحة واتساع النزاعات يزيدان الحاجة إلى خبرات متخصصة وتمويل يسمح بالتعرف إلى الأسلحة وتتبع مستخدميها، وهي مهام تتجاوز المهارة في البحث على المنصات.

حين يتحول التحقيق إلى عرض للمهارات

توجّه مانيشا غانغولي، مراسلة التحقيقات والمسؤولة عن التحليل البصري في “الغارديان”، نقدًا إلى ما تصفه بالاستعراض في التحقيقات مفتوحة المصادر، حيث يستحوذ إظهار الأدوات والمهارات على الاهتمام، بينما تتراجع الغاية التي يفترض أن تخدمها: المساءلة.

وتنتقد أيضًا حسابات تدخل المجال من دون معرفة كافية بتاريخ النزاعات أو سياقها السياسي، ثم تعيد نشر أخبار عاجلة ومقاطع غير متحقق منها تحت مظلة الخبرة التقنية، وهي شهادة نقدية من داخل المجال، وليست حكمًا مثبتًا على جميع العاملين فيه.

ويطرح كريشنا كارا، صحفي الاستشعار عن بُعد في “بلومبرغ”، مسارًا آخر للاستفادة من الصور، عبر التعامل مع صور الأقمار الصناعية بوصفها بيانات ممتدة زمنيًا، وتحليل مجموعات كبيرة منها بحثًا عن تغيرات وأنماط قد لا تكشفها صورة منفردة.

بالنسبة إلى غرفة الأخبار، يغيّر هذا التصور سؤال التكليف: ما الظاهرة التي نريد فحصها، وما البيانات اللازمة لذلك؟ وعندها تصبح المقارنة البصرية وسيلة ضمن التحقيق، ويُقاس نجاحها بما أضافته إلى فهم الحدث.

فجوة المال تعيد رسم فرص التحقيق

تتوقف إيميلي تريب، المديرة التنفيذية لمنظمة “إير وورز”، عند الوعد الذي صاحب ظهور المجال: أن يستطيع أشخاص خارج المؤسسات الكبرى إنتاج تحقيقات مؤثرة اعتمادًا على مصادر متاحة.

لكن هذا الوعد يصطدم بتفاوت الموارد، حين تستثمر مؤسسة كبرى مبالغ كبيرة وتحصل على صور أقمار صناعية عالية الجودة، ثم تُقارن مخرجاتها بتحقيقات منظمات محدودة التمويل تستخدم لغة بصرية مشابهة.

وتقول غانغولي إن العمل بات يحتاج إلى حزم برمجية باهظة، بعدما كان يمكن البدء فيه بحاسوب وهاتف وربما كاميرا، ولا يقدم التقرير أرقامًا تقيس متوسط التكاليف، لكنه يسجل قلقًا مهنيًا من اتساع الفجوة بين الجهات القادرة على شراء الأدلة والخبرات، وتلك التي تعتمد على المواد المجانية.

وتبرز هنا دلالة للمؤسسات العربية الصغيرة: تأسيس وحدة تحقق يحتاج إلى تقدير تكاليف الوصول إلى المواد والأرشفة والخبرة المتخصصة والمراجعة التحريرية، إلى جانب شراء الأدوات وتدريب الصحفيين على استخدامها.

الشاهد يعود إلى قلب التحقيق

في مواجهة هذه الصعوبات، تبرز في المقابلات قيمة العودة إلى المصادر البشرية، وتقول بايبر إن التعاون مع المراسلين الميدانيين يساعد على مقابلة المعلومات ويحافظ على البعد الإنساني للقصص، محذرة من استنزاف التحقيقات في تفنيد كل فيديو مولّد ينتشر على الإنترنت.

ويشرح روبرت ترافورد، المسؤول في مؤسستي “فورنسيس” و”فورنسيك أركيتكتشر”، أن جانبًا كبيرًا من المواد التي يستخدمونها في غزة يصل عبر مجموعات وقنوات لا يتاح الوصول إليها للجميع، وأن الثقة التي بناها الفريق مع أصحابها تتيح له الوصول إلى هذه الأدلة.

كما يتحدث عن توسيع مقابلات الشهود وإشراكهم في إعادة بناء الوقائع، مع ربط شهاداتهم بأدوات التحقيق مفتوح المصادر، فتزداد أهمية العلاقات البشرية كلما تعقد الوصول إلى الأدلة الرقمية.

وتضيف أليكسا كونيغ، مديرة مختبر التحقيقات في مركز حقوق الإنسان بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن الصحفيين يحتاجون إلى فهم التحيزات التي تؤثر في تفسير الأدلة المرئية، بما يساعدهم على تجنب قراءة الصورة وفق توقعاتهم المسبقة.

يمكن استخلاص احتياج واضح لغرف الأخبار العربية من هذه الشهادات: ربط التحقق الرقمي بالمعرفة المحلية والعمل الميداني، وإظهار حدود كل استنتاج للقارئ، مع التمييز بين ما تثبته المادة وما يحتاج إلى أدلة إضافية.

فقد ينجح التحقيق في تحديد مكان التصوير، وتبقى هوية الفاعل غير محسومة، وقد يثبت تسلسلًا زمنيًا ولا يفسر الدافع، وبيان هذه الحدود يمنح الجمهور أساسًا لتقييم النتيجة، خصوصًا في بيئة يصبح فيها الادعاء باليقين أسهل من جمع الأدلة اللازمة له.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي