في مطلع 2026، أنهت «مجموعة إم بي سي» حضورًا في دبي امتدَّ أكثر من عشرين عامًا منذ انتقالها إليها في 2002، معلنةً نقلَ مقرها الرئيسي إلى الرياض. لم تكن الخطوة حدثًا معزولًا، بل ذروةً رمزية لمسار أوسع أعاد رسم خريطة الإعلام العربي خلال نصف العقد الأخير: انتقال مركز الثقل — بالمال والمقر والقرار — من العواصم الإعلامية التقليدية إلى العاصمة السعودية. فبعد أن كانت الرياض لعقود سوقًا كبرى يُصنع محتواها في الخارج، صارت تطمح إلى أن تكون مقرَّ الصناعة نفسها.
الأرقام: صناعة تتضاعف قيمتها
تكشف بيانات «تقرير حالة الإعلام» الذي عرضته وزارة الإعلام ضمن مبادرات المنتدى السعودي للإعلام حجمَ التحول. فقد أسهم قطاع الإعلام بنحو 16 مليار ريال في اقتصاد المملكة عام 2024، ويُتوقع أن تقفز قيمته إلى ما يقارب 41 إلى 47 مليار ريال بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي يناهز 9%. وترتفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من 0.57% إلى نحو 0.81%، بينما يتوسع سوق العمل في القطاع من قرابة 67 ألف وظيفة إلى أكثر من 150 ألفًا في الأفق نفسه.
وتضع التقديرات المملكةَ في موقع الصدارة الإقليمية، إذ تستحوذ على نحو 33.2% من سوق الإعلام والترفيه في الشرق الأوسط. أما البنية الإعلانية فتتجه بسرعة نحو الرقمنة: يُتوقع أن تشكّل الإعلانات الرقمية زهاء 90% من الإنفاق الإعلاني بحلول 2029، فيما تشير تقديرات أخرى إلى نموّ سوق المحتوى الرقمي السعودي إلى نحو 5.3 مليارات دولار بحلول 2030. هذه ليست أرقام قطاع هامشي، بل ملامح صناعة تُبنى لتكون رافعة اقتصادية وأداة نفوذ في آن.
عودة المؤسسات: من قرار الشركة إلى سياسة الدولة
لم تأتِ عودة المؤسسات إلى الرياض قراراتٍ تجارية منفصلة، بل استندت إلى إطار سياسي-اقتصادي صريح. فبرنامج «جذب المقار الإقليمية» ربط، اعتبارًا من مطلع 2024، أهليةَ الشركات العالمية للفوز بالعقود الحكومية بنقل مقارها الإقليمية إلى المملكة. وبهذا تحوّل المقر من خيار لوجستي إلى شرط للوصول إلى أكبر سوق إنفاق حكومي في المنطقة، وهو منطق ينطبق على قطاع الإعلام كما ينطبق على غيره.
في هذا السياق تُقرأ خطوة «إم بي سي»، أكبر مجموعة إعلامية خاصة في المنطقة، والتي كانت قد طُرحت في السوق المالية السعودية (تداول) مطلع 2024 لتصبح شركة مساهمة عامة. انتقال مقرها إلى الرياض لا ينقل موظفين ومكاتب فحسب، بل ينقل معه سلاسل الإنتاج والإعلان والقرار التحريري إلى داخل المنظومة السعودية. والرياض هنا لا تكتفي بجذب المحتوى، بل تجذب مركز صناعته.
البناء المؤسسي: منصات ومحتوى وشراكات دولية
يتقدم هذا التحول على أكثر من جبهة. فـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، أكبر التكتلات الصحفية في المملكة ومقرها مركز الملك عبدالله المالي، أطلقت استراتيجية تحوّل تُعيد تعريفها من ناشر تقليدي إلى مجموعة محتوى متعددة المنصات. وتوسعت في الصوتيات عبر «بودكاست الشرق» و«راديو الشرق»، ضمن شبكة «الشرق للأخبار» التي تديرها بالشراكة مع «بلومبرغ»، في نموذج يمزج رأس المال المحلي بالخبرة والمعايير الدولية.
على الجبهة الرقمية، تخوض المنصات السعودية والمملوكة سعوديًا منافسةً إقليمية على البث والاشتراكات، تقودها منصة «شاهد» التابعة لـ«إم بي سي» في مواجهة اللاعبين العالميين. ويترافق ذلك مع بنية تنظيمية جديدة تديرها الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، تضبط التراخيص وإنتاج المحتوى، وتسعى إلى تحويل صناعة المحتوى — بما فيها عمل صنَّاع المحتوى المستقلين — إلى قطاع منظَّم له قواعده وحاضناته وبرامج تأهيله.
الإطار الاستراتيجي: الإعلام قوةً ناعمة
تنتظم هذه الخيوط داخل «رؤية 2030»، التي تتعامل مع الإعلام والترفيه بوصفهما ركيزتين اقتصاديتين وأداتَي قوة ناعمة تُعيدان تشكيل صورة المملكة في الداخل والخارج. والمنتدى السعودي للإعلام، بنسخته الخامسة (فبراير 2026) التي جمعت أكثر من 300 قيادي و100 جلسة ومعرض «مستقبل الإعلام»، صار الواجهة السنوية لهذا المشروع: مساحةً لعقد الشراكات، وإطلاق المبادرات، وتثبيت الرياض عنوانًا لصناعة إقليمية صاعدة.
العوامل التي تفسّر هذه العودة ثلاثة متشابكة: اقتصادٌ يوفّر حجم سوق وإنفاقًا لا تضاهيه عواصم الجوار، وسياسةٌ تجعل القرب من مركز القرار شرطًا للنمو، وبنيةٌ تحتية وتنظيمية جرى بناؤها بسرعة لاستقبال الصناعة. اجتماع هذه العوامل هو ما حوَّل «الميل» إلى «انتقال»، وما جعل خطوة مثل مغادرة «إم بي سي» دبيَ تبدو نتيجةً منطقية لا مفاجأة.
ما بعد الأرقام
يبقى أن حجم الصناعة لا يُترجَم تلقائيًا إلى تأثير ومهنية ومحتوى قادر على المنافسة عالميًا؛ فتلك اختبارات تُقاس بالممارسة على مدى سنوات، لا بمعدلات النمو وحدها. لكن ما يمكن قوله بثقة — استنادًا إلى الأرقام والوقائع — أن الرياض نجحت خلال سنوات قليلة في تغيير موقعها على الخريطة: من سوق يُستهلك فيه الإعلام إلى عاصمة تُصنع فيها الصناعة وتُدار منها. والسؤال المفتوح لم يعد ما إذا كانت المملكة ستصبح مركزًا إعلاميًا إقليميًا، بل أيَّ نوع من الإعلام ستنتجه هذه الصناعة الصاعدة، وكيف ستوازن بين ثقل رأس المال واتساع هامش المحتوى.

