من قناة شخصية إلى شركة إنتاج: صناع المحتوى العرب أمام إغراء المنصات الكبرى

صناع المحتوى العرب بين الاستقلال وإغراء المنصات الكبرى

حين تتفاوض منصة كبرى مع صانع محتوى بنى مشروعه بنفسه، فإنها تتفاوض على أكثر من ظهوره أمام الكاميرا، فخلف الاسم قد تكون هناك طريقة في السرد، وفريق إنتاج، ومكتبة أعمال، وجمهور تعرّف إلى صاحبه قبل أن تلتفت إليه المؤسسة، وعند هذه النقطة يتغيّر السؤال: كيف يوسّع المبدع مشروعه من دون أن يفقد القدرة على تقرير مستقبله؟

هذا السؤال يقترب من تجارب عربية مثل جو حطاب وعمر فاروق، اللذين يرتبط اسماهما بمشروعات إنتاجية تتجاوز حساباتهما الشخصية، ومن تجربة ابن حتوتة الذي بنى حول رحلاته محتوى ومجتمعًا من المتابعين، وهي نماذج تساعد على فهم التحول من النشر الفردي إلى نشاط مهني قابل للنمو، ثم إلى شريك محتمل للمؤسسات التي تبحث عن أفكار وجماهير جديدة.

في معرض “آي بي سي” بأمستردام، جاء هذا التحول في صدارة جلسة عن اقتصاد صناع المحتوى، بمشاركة “ميتا” و”توبي” و”سناب” و”بي بي سي ستوديوز”، وقال تيم هاوبيل، مدير قناة “سايدمن”، إن المجموعة البريطانية انتقلت من أصدقاء يصنعون فيديوهات على يوتيوب إلى شركة إنتاج تضم 70 شخصًا، وتقدّم برامج طويلة وفعاليات مباشرة وأعمالًا بتكليف من نتفليكس.

وتحدث سامي قاسم، مسؤول شراكات صناع المحتوى في “توبي”، عن مبدعين يعرضون مسلسلات أصلية ويديرون استوديوهات ويحتفظون بملكية أعمالهم، فيما أوضحت هيلين أودونيل من “بي بي سي ستوديوز” أن الشركة توظف صناع محتوى داخل فرقها، وأن بعض محرريها الاجتماعيين الناجحين بدأوا معجبين يديرون حساباتهم الخاصة، بحسب تغطية المعرض.

تُظهر هذه الشهادات أكثر من طريق للاستقطاب، من تكليف المبدع بإنتاج عمل إلى إدخاله فريق المؤسسة، وبينهما تتحدد مساحة الشراكة: هل تستفيد المنصة من مشروع قائم وتساعده على التوسع، أم يصبح صاحبه جزءًا من منظومة تتولى تحديد ما ينتجه وكيف يصل إلى الجمهور؟

في الحالة العربية، يقدّم جو حطاب مثالًا على نمو المشروع حول صاحبه، فقناته تعرّفه بوصفه صانع أفلام وثائقية يروي قصصًا من العالم منذ 2016، وتعرض رحلات إلى أماكن مثل توفالو والجزر النائية، بينما يعرّف مشروعه في صفحة الشركة بأنه كيان للإنتاج الإعلامي في دبي، يركّز على تحويل القصص إلى وثائقيات قصيرة، ويصف ملكيته بأنها ذاتية.

الفارق هنا أن الاسم الذي يعرفه المشاهد أصبح مرتبطًا بنشاط إنتاجي، فالقناة تتيح مشاهدة الأعمال، والشركة تقدّم نفسها عبر القدرة على صناعتها، ومن هذه الزاوية يمكن فهم قيمتها لدى شريك محتمل: خبرة في اختيار القصة وتنفيذها، وهوية يستطيع الجمهور تمييزها، وأعمال سابقة تسمح بتقييم ما يمكن إنتاجه لاحقًا.

ولا تكشف هذه البيانات ميزانيات الأفلام أو مصادر تمويل كل رحلة، لكنها توضح أن الحديث عن جو حطاب بوصفه حسابًا واسع الانتشار وحده يغفل جانبًا أساسيًا من تجربته، هو بناء مشروع حول صناعة الوثائقي القصير ونشره مباشرة.

ويظهر مسار أوضح لدى البحريني عمر فاروق، صاحب سلسلة “عمر يجرب”، فقد أسّس “أتنفس للإنتاج الإبداعي”، التي عملت مع جهات بينها أمازون وطلبات وتويوتا والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفق ملفه في “فوربس الشرق الأوسط”، وهنا تتجاور هوية المقدّم مع نشاط شركة تنتج وتتعاون مع شركاء متعددين.

في حلقات مثل “أنا نحال” و”أنا صانع مكيفات”، تقوم الفكرة على دخول عمر تجربة يتعرّف المشاهد إلى تفاصيلها من خلاله، وتسمح هذه البنية بتغيير المهنة والمكان، مع الحفاظ على صيغة يفهمها الجمهور، وهو ما يمنح المشروع قابلية للتجدد بدل الاعتماد على نجاح مقطع منفرد.

إنتاجيًا، يمكن البناء على هذه الصيغة في تطوير حلقات ومواسم وشراكات، لكن قيمتها ترتبط أيضًا بصوت صاحبها وطريقته في الاقتراب من الناس، ومن هنا تنشأ معادلة دقيقة أمام أي جهة تسعى إلى استقطابه: توفير موارد أوسع مع الحفاظ على السمات التي جعلت التجربة قابلة للنجاح أصلًا.

أما قاسم الحتو، المعروف باسم “ابن حتوتة”، فيقدّم جانبًا مكمّلًا من المشهد، إذ يجمع موقعه قصصًا من العراق ومدغشقر وأفغانستان والجزر النائية، وإحالات إلى أعمال أطول على يوتيوب، إلى جانب مجتمع “مسافرون بلا حدود” الذي أسّسه حول الاهتمام بالسفر.

وتظهر في محتواه شراكات وعروض تجارية، بعضها يحمل إشارة إعلانية صريحة، بما يوضح تداخل النشر مع نشاط تجاري، من دون أن تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بحجم فريقه أو امتلاكه شركة إنتاج، وتظل أهميته في هذه المقارنة أنه بنى علاقة بالجمهور حول اهتمام مستمر وشخصية معروفة، وهي علاقة يصعب اختزالها في شراء فيديو جاهز.

هذا ما يجعل استقطاب التجارب المستقلة مسألة تتجاوز زيادة ميزانية التصوير، فالمنصة قد تحصل على برنامج وهوية وجمهور محتمل، بينما يستطيع المبدع الحصول على تمويل واستقرار إنتاجي وخدمات توزيع، لكن هذه المكاسب تحتاج إلى موازنة مع ما يطلبه الاتفاق في المقابل.

إذا شملت الشراكة حصرية النشر، مثلًا، فقد تتقلص قدرة صاحب المشروع على إتاحة أعماله في قناته، وإذا ربطت تطوير المواسم التالية بموافقة المنصة، فقد يصبح استمرار البرنامج متوقفًا على أولوياتها، وإذا تغيّرت مدة الحلقات أو إيقاعها أو طريقة تقديمها، فإن التوسع يضع العلاقة القديمة مع الجمهور أمام اختبار جديد.

هذه احتمالات تتعلق بشروط الشراكات، وليست وقائع مثبتة عن تعاقدات جو حطاب أو عمر فاروق أو ابن حتوتة، ولا توجد في المصادر التي تستند إليها هذه القصة معلومات مؤكدة عن مفاوضات حالية تخص استقطابهم بأسمائهم، لكن الاتجاه الذي عرضته جلسة أمستردام يجعلها أسئلة حاضرة أمام نماذجهم العربية.

والاحتفاظ بالحقوق جزء من هذه المعادلة، فملكية الشركة تختلف عن ملكية كل عمل تنتجه، كما تختلف إتاحة الحلقة للعرض عن حق تطوير البرنامج وإنتاج مواسمه المقبلة، ولا تكفي نسبة الفيديو إلى صاحبه لمعرفة ما يستطيع إعادة نشره أو توزيعه بعد انتهاء الشراكة.

وفي المقابل، يحتاج المشروع المستقل إلى قدرة على الاستمرار، تشمل تنظيم الإنتاج ودفع تكاليفه وتنويع العملاء والإيرادات، مع وضوح الفصل بين المادة التحريرية والعمل الإعلاني، فالتعامل مع الرعاة قد يدعم الاستقلال عن مؤسسة واحدة، لكنه يفرض بدوره مسؤولية شرح العلاقة التجارية للجمهور.

من هنا، يكتسب صانع المحتوى قوة تفاوضية أكبر حين يأتي إلى المنصة بمشروع يستطيع مواصلة العمل خارجها، وتصبح الشراكة عندئذ قرارًا بتوسيع ما بناه، له حدود ومدة وحقوق واضحة، أما التحدي الذي تضعه موجة الاستقطاب أمام المبدعين العرب فهو أن تتحول شهرتهم إلى مؤسسات قابلة للبقاء، وأن تظل قدرتهم على صناعة العمل المقبل جزءًا مما يحتفظون به بعد توقيع الاتفاق.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي