“مَسْمَع” يضع الصوت في صندوق البريد: نشرة عربية تُعيد اكتشاف الأرشيف السمعي

"مَسْمَع" يضع الصوت في صندوق البريد: نشرة عربية تُعيد اكتشاف الأرشيف السمعي

Author

تصل النشرة البريدية عادةً صامتة: عنوان، وفقرات وروابط تنتظر العين. لكن منصة “مَسْمَع” تقترح تغيير الحاسة المسؤولة عن استقبال الرسالة؛ فبدلًا من الاكتفاء بقراءة البريد، سيجد المشترك مادةً تدعوه إلى وضع السماعات والإصغاء.

“من مَسْمَع إلى مسامعكم”، بهذه العبارة أعلنت المنصة نشرتها الجديدة، التي تحمل إلى المشتركين مختارات من أرشيفها الصوتي إلى جانب مقالات من قسم “مساحات”. الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تعالج مشكلة تواجه معظم الأرشيفات الرقمية: كيف تُعيد المواد القديمة إلى التداول بعدما تدفنها الإضافات الجديدة في صفحات الموقع؟

حين يصل الأرشيف إليك

بدلًا من انتظار المستمع حتى يتذكر زيارة الأرشيف، تختار “مَسْمَع” تسجيلات ونصوصًا وترسلها إليه. قد تصل الرسالة بصوت شارع في بيروت، أو نداء بائع، أو إعلان قديم من الإذاعة السودانية، أو هدير طائرة في السماء، أو أطفال يلعبون وسط أنقاض غزة.

وهذه الانتقائية هي الوظيفة التحريرية الأهم للنشرة؛ فالأرشيف لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من المواد بقدر حاجته إلى من يُعيد اكتشاف ما بداخله، ويضع كل تسجيل في سياق يساعد الجمهور على فهمه.

تصف المنصة نشرتها في إعلانها بأنها “أول نشرة صوتية من نوعها في المنطقة”، لكن لا تتوافر معلومات مؤكدة تسمح بإثبات أسبقية هذا النموذج عربيًا. الأوضح أن الجِدَّة هنا تكمن في الجمع بين البريد الإلكتروني والأرشيف الصوتي والكتابة، وفي تحويل النشرة إلى باب دوري للدخول إلى المشروع كله، لا في استخدام الصوت داخل الرسائل للمرة الأولى.

ويوضح “مسمع” أن المشتركين سيتلقون مختارات من التسجيلات ومقالات “مساحات”، من دون أن يُعلن حتى الآن وتيرةً ثابتة لصدور الأعداد أو تفاصيل كاملة عن بنائها.

ماذا نسمع عندما نُصغي إلى مدينة؟

لا تتعامل “مَسْمَع” مع التسجيلات بوصفها مؤثرات جميلة أو خلفيات تصلح للاسترخاء. المشروع ينطلق من فكرة أكثر جدية: أن الصوت وثيقة اجتماعية يمكنها أن تكشف ما لا يظهر في الصورة.

صوت البائع لا يُسجِّل النداءَ وحده، بل يحفظ مهنةً ومكانًا وإيقاعًا يوميًا قد يختفي. وضجيج الشارع يكشف طريقة تنظيم المدينة وحركة سكانها، بينما تستطيع أصوات الاحتجاجات والإذاعات والحروب أن تحفظ جانبًا من الذاكرة السياسية لا تنقله الوثائق المكتوبة بالطريقة نفسها.

تقول المنصة إن المشروع بدأ بأسئلة بحثية حول هيمنة الصورة على التوثيق والمعرفة، ثم تحوَّل إلى مساحة تجمع الأرشفة والبحث الأنثروبولوجي والكتابة والتجريب الفني.

ويقف وراء المشروع الباحث والكاتب محمود حسن، وتشارك في تأسيسه الباحثة إيمان بديوي. ويحمل كلاهما خلفية أكاديمية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وهو ما يُفسِّر حضور مفاهيم المدينة والذاكرة والسلطة والحواس في طريقة تقديم المواد.

أرشيف يحفظ أثر الصوت في مستمعيه

أكثر أفكار المشروع تميزًا تظهر في قسم “الإصغاء معًا”؛ فالأرشيف التقليدي يحفظ التسجيل وبياناته، أما “مَسْمَع” فيحاول أيضًا حفظ ما تركه الصوت لدى من سمعه.

بعد الاستماع، يستطيع المشاركون تسجيل ملاحظاتهم ووصف تجربتهم بكلمات مثل “حركة” و”فضول” و”توتر”. وبذلك لا يبقى المستمع زائرًا صامتًا، بل يصبح ردُّ فعله طبقةً جديدة تُضاف إلى الأرشيف.

تعرض الصفحة، مثلًا، ملاحظات لمستمعين بعد سماع تسجيل لبائعي الشوارع في محطة الأزهر بأسيوط. أحدهم التقط الأغاني والنداءات، بينما ربط آخر التسجيلَ بحركة مركبة “توك توك” في شوارع القاهرة، واختار كلمات تُعبِّر عن الفضول والتوتر.

الفكرة واعدة لأنها توثِّق اختلاف استقبال الصوت، لكنها لا تزال في بدايتها؛ إذ يعرض أرشيف الإصغاء الجماعي عددًا محدودًا من المشاركات، ولم يتحول بعد إلى قاعدة واسعة يمكنها الكشف عن أنماط الإصغاء لدى جمهور متنوع.

الطموح أكبر من النشرة

تضم المنصة أيضًا أرشيفًا صوتيًا، وصفحة للبث الإذاعي، وقسمًا للكتابات البحثية والتأملية، وركنًا يتيح للجمهور مشاركة تجاربه وتسجيلاته. وتفتح موادها أمام موضوعات تمتد من أصوات المدن العربية إلى الأغنية الشعبية والسينما والذاكرة والحرب والمراقبة.

لكن اتساع الفكرة يضعها أمام تحدٍّ مألوف للمشروعات الثقافية المستقلة. تقول “مَسْمَع” إنها تعمل بجهود تطوعية ومن دون تمويل مؤسسي أو تجاري، وإنها تبحث عن نموذج يسمح لها بالاستمرار وتعويض الكتّاب والمساهمين من دون منح الممولين سلطةً على خياراتها.

لهذا تبدو النشرة البريدية أكثر من وسيلة للترويج؛ فنجاحها قد يساعد المنصة على بناء علاقة منتظمة مع جمهورها، بدلًا من الاعتماد على زيارة عابرة للموقع أو منشور تبتلعه شبكات التواصل.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد وصول الرسالة الأولى: هل تستطيع “مَسْمَع” تحويل الفضول المؤقت إلى عادة إصغاء، وجعل الجمهور يعود إلى أصوات كان يسمعها كل يوم من دون أن ينتبه إليها؟

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي