وجدت دراسة تناولت 67,725 تعليقًا بالعربية على “يوتيوب” أن ارتفاع السلبية في النقاشات السياسية لا يعني أن الغضب هو الشعور المسيطر عليها، فقد تصدّر الاهتمام بالآخرين والإعجاب نتائج تحليل المشاعر، بما يشير، وفق الباحثين، إلى أن انتقاد الواقع السياسي يترافق مع التضامن مع المتضررين منه.
وتناولت الدراسة تعليقات حول قضايا مرتبطة بـ5 دول عربية، هي اليمن والسعودية والعراق والأردن وسوريا، جُمعت خلال صيف 2024، وشملت موضوعات بينها حرب غزة والصراعات الداخلية والعلاقات مع أمريكا.
أعدّ الدراسة 5 باحثين من جامعتي كارنيغي ميلون وأوغستا الأمريكيتين، تحت عنوان “الجماهير الوجدانية في يوتيوب العربي”، وأُودعت نسختها الأولية على منصة “أركايف” في 3 سبتمبر 2026، ولا تتضمن النسخة المتاحة ما يثبت اجتيازها التحكيم العلمي.
وتبحث الورقة في المشاعر التي تظهر في تعليقات “يوتيوب” العربي، وكيف تتشابه أو تختلف باختلاف القضايا والبلدان، لكنها لا تمثل استطلاعًا للرأي العام، فربط التعليقات ببلد معين جاء من موضوع البحث والفيديو، وليس من التحقق من جنسية أصحابها أو أماكن إقامتهم.
ماذا تقول أرقام السلبية؟
استخدم الباحثون أدوات حاسوبية لقياس الاتجاه الإيجابي والسلبي في التعليقات، ثم حللوا المشاعر بصورة أكثر تفصيلًا عبر 28 فئة، بينها الاهتمام بالآخرين والإعجاب والغضب والحزن والتفاؤل.
وجاء متوسط درجة السلبية، على مقياس من 100، على النحو الآتي:
| القضايا المرتبطة بالبلد | عدد التعليقات | متوسط درجة السلبية |
|---|---|---|
| العراق | 10,321 | 84.7 |
| السعودية | 19,001 | 83.4 |
| اليمن | 19,020 | 83.2 |
| الأردن | 10,273 | 82.3 |
| سوريا | 9,110 | 82.0 |
هذه الأرقام درجات ينتجها نموذج التحليل، وليست نسبًا للمستخدمين الغاضبين أو المعارضين، فدرجة 84.7 في العينة المرتبطة بالعراق لا تعني أن 84.7% من العراقيين يتبنون موقفًا سلبيًا.
وبلغ الفارق بين أعلى متوسط وأدناه نحو 2.7 نقطة فقط، وهو فرق وصف الباحثون حجمه العملي بأنه صغير، رغم ظهور دلالة إحصائية لبعض المقارنات، ما يعني أن العينات الخمس تتقارب في ارتفاع السلبية أكثر مما تختلف.
الاهتمام بالآخرين يتقدم على الغضب
ظهرت النتيجة الأبرز عندما انتقل الباحثون من سؤال “هل التعليق إيجابي أم سلبي؟” إلى سؤال “ما المشاعر التي يعبّر عنها؟”.
ففي العينات الخمس، جاءت فئة الاهتمام بالآخرين أولًا، وتلتها فئة الإعجاب، بينما لم يتصدر الغضب أو الاشمئزاز الترتيب، وفسّر الباحثون ذلك بأن المستخدم قد يرفض حدثًا سياسيًا، وفي الوقت نفسه يعبّر عن تضامنه مع ضحاياه أو إعجابه بمن يناصرون قضية يؤيدها.
ويساعد هذا التمييز المؤسسات الإعلامية على قراءة تعليقات “يوتيوب” العربي بصورة أدق، فالتعليق السلبي تحت تقرير عن الحرب قد يستهدف ما ينقله التقرير من أحداث، ولا يكفي وحده للاستنتاج بأن صاحبه يرفض التغطية أو يعترض على المؤسسة الناشرة.
ولا تقيس الدراسة رضا الجمهور عن قناة بعينها أو جودة محتواها، لكن نتائجها توضح حدود الاعتماد على مؤشر السلبية وحده لفهم تفاعل المتابعين.
الحزن في نقاشات العراق أعلى بـ5.4 أضعاف من اليمن
رغم التقارب العام، برزت العينة المرتبطة بالعراق بارتفاع مؤشر الأسى المرتبط بالفقد، إذ بلغ نحو 5.4 أضعاف مستواه في العينة المرتبطة باليمن، كما سجلت أعلى متوسط للغضب، تلتها سوريا ثم الأردن.
ورصد الباحثون حضور أسماء تاريخية في التعليقات المرتبطة بالعراق، بينها صدام حسين وطارق عزيز وعلي حسن المجيد، واقترحوا أن استدعاء هذه الشخصيات يعكس حضور ذاكرة الحروب والعنف في النقاشات الراهنة.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن العراقيين أكثر حزنًا بـ5.4 أضعاف من اليمنيين، فالرقم يخص مؤشرًا حسابيًا داخل مجموعتين من التعليقات، ولا يقيس الحالة النفسية للشعبين.
وفي المقابل، رصد التحليل حضورًا لافتًا للتفاؤل في النقاشات المرتبطة باليمن وسوريا والعراق، ورجّح الباحثون أنه قد يرتبط بالتطلع إلى التحرر أو إعادة الإعمار، رغم التقييم السلبي للأوضاع القائمة.
مشاعر متقاربة عبر نقاشات 5 دول
وجدت الدراسة تشابهًا مرتفعًا في توزيع المشاعر بين العينات الخمس، وكان التقارب الأكبر بين النقاشات المرتبطة باليمن وسوريا، والأقل بين السعودية والعراق.
ويفسّر الباحثون هذا التقارب بمفهوم “الجماهير الوجدانية”، أي تجمع مستخدمين حول مشاعر وقضايا مشتركة، من دون أن يجمعهم بالضرورة تنظيم واحد أو موقف سياسي متطابق.
وتقترح الورقة أن قضايا مثل حرب غزة والصراعات الإقليمية والدور الأمريكي تخلق مساحة مشتركة للتفاعل على “يوتيوب” العربي، فتتقارب بعض التعبيرات الوجدانية عبر الحدود.
ومع ذلك، فإن التشابه في توزيع المشاعر لا يثبت اتفاق المستخدمين على تفسير الأحداث أو تأييد الأطراف نفسها، كما لا يلغي الاختلافات التي ظهرت في الحزن والغضب والتفاؤل.
كيف اختلف التفاعل مع المحتوى المرتبط بأمريكا؟
قسّم الباحثون التعليقات إلى مجموعتين، إحداهما ترتبط بذكر أمريكا في نص التعليق أو عنوان الفيديو، والأخرى لا تتضمن هذه الإشارة، ثم قارنوا متوسط السلبية بينهما.
وكانت النتائج مختلفة بحسب السياق، ففي النقاشات المرتبطة باليمن والسعودية والأردن، كانت المجموعة المرتبطة بأمريكا أقل سلبية من بقية التعليقات، وفي النقاشات المرتبطة بسوريا والعراق، كانت المجموعة المرتبطة بأمريكا أكثر سلبية.
ففي العينة السورية، ارتفع متوسط السلبية من 80.5 إلى 84.3 عند المقارنة بالمحتوى المرتبط بأمريكا، بينما انخفض في العينة السعودية من 83.8 إلى 81.0.
ولا يعني انخفاض السلبية تأييد أمريكا، إذ ظلت الدرجات مرتفعة في جميع المجموعات، كما أن ورود اسمها في عنوان الفيديو لا يعني أن كل تعليق تحته يعبّر عن موقف منها.
ويربط الباحثون الاختلاف بتباين السياقات السياسية وتجارب التدخل الأمريكي، لكنهم يقرون بأن الدراسة لا تثبت سببًا مباشرًا لهذه النتائج، فقد تؤثر أيضًا طبيعة الفيديوهات والموضوعات المختارة وتركيبة المشاركين.
ما الذي تضيفه الدراسة لفهم “يوتيوب” العربي؟
تعلن الورقة أن البحث تلقى تمويلًا من مكتب الأبحاث البحرية الأمريكي، وتقترح الاستفادة من نتائجه في صياغة رسائل الدبلوماسية العامة الأمريكية وفق اختلاف السياقات المحلية، لكنها لم تختبر نجاح هذه الرسائل عمليًا.
وتبقى نتائج تحليل المشاعر محكومة بحدود الأدوات المستخدمة، فقد تطلب جزء من التحليل ترجمة مقاطع عربية إلى الإنجليزية، وهو ما قد يفقد التعبيرات الدينية ومفردات الحداد والتضامن بعض معانيها، إلى جانب تفاوت قدرة النماذج على فهم اللهجات العربية.
كذلك، تمثل العينة مستخدمين اختاروا التعليق على موضوعات محددة، ولا تشمل كل مشاهدي “يوتيوب” العربي أو جميع أنواع محتواه.
وتقدّم الدراسة للمؤسسات الصحفية مدخلًا لفهم ما وراء أرقام التفاعل، فارتفاع السلبية تحت الفيديو يحتاج إلى قراءة موضوع التعليق والجهة التي يستهدفها والمشاعر المصاحبة له، قبل اعتباره دليلًا على غضب الجمهور من التغطية نفسها.

