وهم الإجماع الرقمي: هل تمثل تعليقات المنصات رأي السوريين؟

وهم الإجماع الرقمي: هل تمثل تعليقات المنصات رأي السوريين؟

Author

  • نور أنس طيارة

    كاتبة وصحفية سورية، تعمل في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى منذ 2021، وهي عضو في شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. درست هندسة البرمجيات والعلاقات الدولية، وتهتم بتحليل الخطاب الإعلامي وتشكّل الرأي العام على منصات التواصل. صدر لها "لعلهم يتفكرون" و"إليك يا صديق" ورواية "إيفالاس".

في النقاشات السورية الدائرة عبر منصات التواصل الاجتماعي يمكن لمنشور واحد أن يحصد آلاف من التعليقات والتفاعلات ويتحول إلى دليل على ما يريده السوريون أو يرفضونه، وتكون هذه المشاهدات والتفاعلات بنظر البعض إثبات شعبية ودليل على تأكيد شرعية المعلومة، ويتم اختزال مواقف مجتمع كامل متنوع فيما يظهر على شاشة الهاتف، لكن من قال أن الأكثر ظهورا هو الأكثر تمثيلا؟ ومنذ متى أصبح التفاعل الرقمي تفويضا للحديث باسم الآخرين؟

وليست المشكلة في متابعة ما يطرحه السوريون على المنصات بل في التعامل مع ما نراه باعتباره صورة مكتملة الأركان عنهم فالتعليقات وحدها والمشاهدات تعبر فقط عمن اختاروا إبداء رأيهم والمشاركة لا عن جميع من شاهدوا المنشور، والصمت أحيانا لا يعني الموافقة وقلة التفاعل على قضية لا تعني أنها أقل قيمة أو أن صاحب الفكرة أقل حضورا في المجتمع.

تزداد أهمية هذا التمييز في سورية، حيث تتنافس روايات متعددة على تفسير التحولات السياسية والاجتماعية، وحيث يمكن للنقاش العام أن يتحول بسهولة من تقييم القرارات والأداء إلى اختبار للولاء والانتماء.

وتقدم نتائج استطلاع الرأي العام السوري لعام 2025، الصادر ضمن المؤشر العربي عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مؤشرات لافتة تفيد بأن 78% من المشاركين باستخدام الإنترنت بدرجات متفاوتة، فيما يمتلك 98% من مستخدمي الإنترنت حساباً على إحدى منصات التواصل الاجتماعي وتشير أيضاً 70% من مستخدمي الإنترنت إلى أنهم يعبّرون، بدرجات متفاوتة، عن آرائهم في الأحداث السياسية الراهنة عبر الإنترنت.

وفي الوقت نفسه، فقد رأى 80% أن وسائل التواصل الاجتماعي مصدر للمعلومات المضللة، و78% أنها أصبحت مرتعاً للخطاب الطائفي، بينما اعتبرها 79% وسيلة جيدة للتعبير عن الرأي رغم عيوبها.

وهنا تكشف لنا الدراسات أن المنصات تمنح الناس فعلا مساحة للتعبير لكنها لا تضمن دائما أن المساحة الصغيرة انعكاس دقيق للمجتمع وآرائه وأفكاره ومواقفه، ولا أن جميع المعلومات المتداولة وإن حققت تفاعلا تكون موثوقة، ووسائل التواصل مهما كثر واتسع استخدامها لا تكفي وحدها لتحديد موقف السوريين من قضية معينة

فلنتخيل منشور واحد يؤيد قرار حكومي ويحصد بدوره آلاف من التعليقات التي يكون أغلبها مؤيد، بينما على الضفة الأخرى منشور يعارض وينتقد قرار حكومي منجد أيضاً آلاف من التعليقات التي تعارض وتنقد أيضا القرار وتوافق صاحب المنشور، فأي المنشورين يمكننا القول بأنهم يمثلون المجتمع؟ بالطبع الفئتين.

ولربما نجد حالة أخرى منشور ينقد أمر ما في المجتمع وله آلاف التعليقات المؤيدة للفكرة بينا منشور آخر يرى أن قضية ما في المجتمع من منظوره الفكري الحر مثلا، فلا نرى تفاعلا على منشوره ولربما الكثير يؤيد طرحه لكن الخوف يمنعهم من التفاعل، فهنا لا يمكن لنا القول أبدا بأن القضية لا تثير اهتمام هذا المجتمع، كما أن الاعتراض والتأييد والفضول قد تجتمع جميعها في رقم واحد، مع أنها مواقف مختلفة تماماً.

كما أن كثرة التفاعلات لا تعني بالضرورة كثرة المشاركين الفعليين؛ فقد يتفاعل المستخدم نفسه أكثر من مرة، وقد تنشط مجموعات من الحسابات حول قضية محددة. وتؤثر أنظمة ترتيب المحتوى وتوصيته أيضاً في ما يظهر للمستخدمين، وفق عوامل متعددة تتصل بسلوكهم واهتماماتهم واحتمالات تفاعلهم. لذلك، فإن ما يبدو نقاشاً طاغياً لدى مستخدم قد لا يظهر بالصورة نفسها لدى آخر.

والخطر الأكبر من سوء قراءة الأرقام وتفسيرها هو توظيفها واستخدامها لتضييق مساحة الخلاف فحين يتم القول عن قضية بعينها ” الجميع يؤيدها “يصبح طرح رأي مخالف يحتاج الكثير من التبريرات لإجماع لم يثبت وجوده بالأصل، ويعامل النقد كدليل على الخيانة والعداء، هنا تتحول النقاشات من طرح أفكار إلى فلترة حسب آراء أصحابها ولا يعود الخلل مجرد خلل احصائي بل يمس جوهر حقوق الإنسان وحريات التعبير في طرح الآراء.

وكل هذا الرأي الذي تم طرح لا يعني بالضرورة أن نتجاهل أهمية التفاعل الرقمي واقصائه، فيمكن للصحفي الاستفادة منه بطرح العديد من القضايا التي تشغل بال الناس وتحليل واكتشاف أنماط مختلفة للخطابات مع تحديد الاسئلة التي تستحق التحقيق عمها، ولكن الانتقال من رصد التفاعلات إلى بناء نتائج عليها تمس مواقف المجتمع يتطلب الكثير من الأدوات الأكثر دقة مثل استطلاعات الرأي ذات المنهجية المعلنة، وتحليل عينات محددة من المحتوى، والتمييز بين عدد المشاهدات وعدد المشاركين وطبيعة مواقفهم.

في نهاية المطاف لا تكمن المشكلة في اعتقاد أحدهم أن رأيه يمثل السوريين بل في أن تتحول كثافة التفاعلات والتعليقات إلى دليل مزعوم يشرع الفكرة وأن من يخالف الرأي مجرد قلة لا تستحق أصواتهم ان تسمع.

المجتمع السوري الواسع المتنوع الذي يحمل أفكار وانتقادات ليس جمهورا في صفحة واحدة، والرأي العام ليس مجرد كثافة في التفاعلات تقاس عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، ما تحتاجه سورية اليوم ليس أشخاص وأصوات يدعون امتلاك الحقيقة الكاملة باسم الناس وجهور التفاعلات، بل مجالا واعيا يستطيع فيه الناس الاختلاف دون تخوين للاخر ومساءلة أصحاب القرار من دون أن يتحول النقد إلى تهمة، فالمجتمع الذي يحترم حرية التعبير لا يمنح الصوت الأعلى حق احتكار أصوات الآخرين فنحن لا نريد من يدعي أنه يتحدث باسم السوريين جميعاً ويختصرهم 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي