14 عامًا في المجهول: أوستن تايس لا يزال غائبًا بعد سقوط الأسد

14 عامًا في المجهول: أوستن تايس لا يزال غائبًا بعد سقوط الأسد

Author

مع حلول الذكرى الرابعة عشرة لاختفاء الصحفي الأمريكي أوستن تايس في سوريا، يبقى مصيره مجهولًا؛ فالصحفي الذي غاب في أغسطس 2012 أثناء تغطيته الحربَ السورية لم يظهر منذ ذلك الوقت، باستثناء تسجيل مصور نُشر بعد أسابيع من احتجازه. وتقول منظمة «مراسلون بلا حدود» إن نظام الأسد رتَّبه ليبدو كأن جماعة جهادية تحتجزه.

وفي تحقيق نشرته المنظمة بعد ثلاث مهمات ميدانية داخل سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، قالت إنها استطاعت توثيق احتجاز النظام لتايس حتى مطلع 2013 على الأقل، لكنها لم تعثر على أثر مادي يحسم ما جرى له بعد ذلك. وبذلك تدخل القضية عامها الخامس عشر من دون إجابة مؤكدة عن مكانه أو مصيره.

آخر أثر موثق: طبيب وقاعدة للحرس الجمهوري

يستند أقوى ما توصَّل إليه التحقيق إلى شهادة طبيب في دمشق كان يعالج اللواء بسام الحسن، قائدًا بارزًا في الحرس الجمهوري وأحد المقربين من الأسد. وقال الطبيب إنه رأى تايس ثلاث مرات بين أواخر 2012 ومطلع 2013، حين كان محتجزًا سرًّا في مكتب صغير داخل قاعدة للحرس الجمهوري شمال غربي دمشق.

وبحسب روايته، نُقل الصحفي إلى المستشفى بعد نحو أربعة أشهر من احتجازه وهو يعاني ألمًا حادًا في المعدة، فسجَّل الطبيب فحص الدم باسم ممرضته حتى لا يترك أثرًا في السجلات. وأشارت النتائج إلى تسمم غذائي لا إلى حالة خطرة. ثم استدعاه مكتب الحسن مرتين لمعاينة تايس في مكان احتجازه، فوجده يقرأ مجلات ولم يكن يعاني مرضًا يمكن أن يؤدي إلى وفاته، قبل أن ينقطع أثره عن الطبيب نهائيًا.

وتتسق هذه الشهادة مع ما جمعته المنظمة عن الأشهر الأولى للاحتجاز؛ إذ تقول إن قوات موالية للنظام اعتقلت تايس أثناء محاولته على الأرجح مغادرةَ سوريا إلى لبنان، وإنه فرَّ لفترة قصيرة في أكتوبر 2012 قبل أن يُعاد اعتقاله ويُسلَّم إلى بسام الحسن، الذي ظل يسيطر على ملفه حتى مطلع 2013 على الأقل.

رواية إعدام لم تصمد أمام اختبار الدليل

قدَّم بسام الحسن لاحقًا رواية مغايرة؛ إذ قال لشبكة «سي إن إن» إن الأسد أمره بإعدام تايس مطلع 2013، لكن الرواية لم تحصل على تأييد مستقل، واعترض عليها مطَّلعون على القضية ورفضتها عائلة الصحفي، كما لم تُعلن الحكومة الأمريكية أنها تحققت منها.

وتقول «مراسلون بلا حدود» إن عمليات البحث التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي في سبتمبر 2025 بمواقع حدَّدها الحسن لم تُنتج أي نتيجة. ولا يزال المكتب يُدرج تايس ضمن قضايا الاختطاف والأشخاص المفقودين، ويعرض مكافأة تصل إلى مليون دولار لمن يقدم معلومات تقود مباشرة إلى تحديد مكانه واستعادته وعودته الآمنة — وهو وضع يؤكد بقاء الملف مفتوحًا لكنه لا يُثبت أن الصحفي ما يزال حيًا.

سقوط النظام فتح الباب ثم أغلقه سريعًا

كان سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 يبدو لحظةً نادرة لفتح السجون والأرشيفات واستجواب المسؤولين السابقين، لكن المنظمة تصف ما حدث بأنه فرصة أُهدرت؛ فالمحققون الأمريكيون انتظروا 12 يومًا قبل دخول دمشق، ولم تستمر مهمتهم أكثر من 24 ساعة.

وكانت الخطة تشمل سبعة مواقع احتجاز محتملة، لكن الفريق لم يُفتِّش سوى مجمع خاص استخدمه بسام الحسن قبالة قاعدة الحرس الجمهوري. ولم تُنتج عينات الحمض النووي أو الوثائق التي استُخرجت من الموقع خيطًا جديدًا. وفي المقابل لم تكشف السلطات السورية الجديدة إلا القليل عما نفَّذته من خطوات، ولم تقدم حتى الآن رواية علنية متماسكة لمسار التحقيق.

خيطان نحو «حزب الله» وإيران ولا دليل حاسمًا

بعد تعثُّر البحث داخل سوريا، اتجهت العائلة والمحققون إلى فرضيات تتجاوز الحدود السورية. فوفق ما نقلته «مراسلون بلا حدود» عن مصادر قريبة من بسام الحسن و«واشنطن بوست»، قد يكون «حزب الله» اللبناني تسلَّم تايس عام 2013، وهو خيط قالت المنظمة إن السلطات السورية الجديدة تتابعه أيضًا.

وفي مايو 2026 قالت نعومي تايس، شقيقة أوستن، إن لدى العائلة معلومات ترجِّح احتمال وجوده لدى الحرس الثوري الإيراني ونقله من سوريا إلى إيران أثناء سقوط نظام الأسد أو بعده، لكنها أقرَّت بأن ذلك غير مؤكد. ولا يقدم أي من الخيطين حتى الآن دليلًا معلنًا أو سلسلة زمنية موثَّقة تكفي لتحديد مكان تايس أو إثبات بقائه حيًا.

قضية صحفي ومساءلة لدولتين

كان تايس يعمل صحفيًا مستقلًا ونشر تغطيته للحرب السورية لدى مؤسسات بينها «واشنطن بوست» وصحف «مكلاتشي»، وكان من عدد محدود من المراسلين الأجانب الذين وصلوا إلى دمشق في صيف 2012. لكن قضيته لم تعد تتعلق بما فعله نظام الأسد وحده، بل بما فعلته الولايات المتحدة والسلطات السورية الجديدة بعد أن أصبحت مواقع الاحتجاز ووثائقها متاحة جزئيًا.

وبعد أربعة عشر عامًا، تبدو الحقيقة موزعةً بين سجلات لم تُفتح كاملة، ومسؤولين سابقين يقدمون روايات متعارضة، وخيوط استخباراتية لا تُنشر تفاصيلها. لذلك تطالب «مراسلون بلا حدود» واشنطنَ ودمشقَ بتكثيف البحث وكشف ما أنجزتاه منه، مؤكدةً أن عددًا قليلًا من الأشخاص يعرفون على الأرجح ما حدث، وأن كسر الصمت هو الطريق الوحيد لنقل القضية من الأمل والادعاء إلى الدليل.

حتى ذلك الحين، لا توجد معلومات مؤكدة عن مصير أوستن تايس، وتبقى أدق صياغة لحالته أنه صحفي مختفٍ منذ أغسطس 2012، ثبت احتجازه لدى نظام الأسد حتى مطلع 2013 على الأقل، ثم انقطع أثره.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي