أحياء كانت تتراص فيها المنازل، ثم تحولت إلى مساحات من الركام والأرض المجروفة، هذا ما تكشفه مقارنات صور الأقمار الصناعية لمناطق في غزة، أعاد انتشارها خلال الأيام الأخيرة طرح سؤال عن حجم ما جرى بعيدًا عن وصول الصحافة الأجنبية المستقل، ففي رفح وبني سهيلا وجباليا والشجاعية، تُظهر المقارنات تغيرًا واسعًا في العمران، بينما يبقى الوصول إلى الأرض لفحص تفاصيل هذا التغيير مقيدًا.
ولا يعني تجدد تداول الصور أنها التُقطت حديثًا، فقد أوضح تحقيق نشرته “بيلينغكات” في 1 أكتوبر 2026 أن صورًا عرضتها غوغل منذ يونيو تعود إلى فبراير من العام نفسه، وقارنها بصور من سبتمبر حصل عليها من شركة “بلانيت لابس”، أظهرت هدم مبانٍ كانت لا تزال قائمة في الصور السابقة، منها مبانٍ قرب ملعب رفح ومرافق في محيط تل السلطان.
عشية مرور 3 سنوات على بدء الحرب، تعيد هذه المقارنات إبراز أثر القيود على التغطية، فالصور الفضائية تتيح تتبع اختفاء المباني واتساع الدمار، لكن معرفة ما جرى داخل الأحياء، ومصائر سكانها، وتسلسل الأحداث الذي انتهى إلى هدمها، تحتاج إلى صحفيين يستطيعون الوصول والسؤال والعودة إلى المكان.
وقد حمل الصحفيون الفلسطينيون هذا العبء تحت القصف والنزوح وفقدان الزملاء وأفراد العائلات، وبلغت حصيلة شهداء الصحافة 263 صحفيًا وإعلاميًا، وفق مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، في تصريحات نشرتها وكالة الأناضول في 6 أكتوبر 2026.
منذ 7 أكتوبر 2023، فرضت السلطات الإسرائيلية حظرًا عامًا على دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة لتغطيتها بصورة مستقلة، بينما أتاحت جولات محدودة بمرافقة الجيش وتحت قيوده، وبذلك تحكمت في وصول المؤسسات الدولية إلى الميدان، بينما استمر اعتمادها على زملائها الفلسطينيين الموجودين داخل القطاع لنقل الوقائع اليومية.
واستمر المنع بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، ففي 3 يونيو 2026 أبلغت الدولة المحكمة العليا الإسرائيلية أنها ستُبقي حظر الدخول غير المصحوب بمرافقة عسكرية، مستندة إلى مخاوف أمنية، وفق لجنة حماية الصحفيين، وكانت اللجنة ورابطة الصحافة الأجنبية ومؤسسات صحفية أخرى قد تقدمت في أبريل بطلب عاجل لتسريع الفصل في القضية بعد أشهر من التأخير.
تُظهر هذه الوقائع أن منع الوصول امتد من مرحلة العمليات العسكرية الواسعة إلى الفترة التالية لوقف إطلاق النار، واستمرار القيود يحرم الصحافة من متابعة ما بعد القصف أيضًا، بما يشمل عودة السكان، وحالة المستشفيات، وتوزيع المساعدات، وما يُهدم أو يُقام في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
أما دخول صحفيين في جولات مع الجيش، فلا يوفر شروط العمل الميداني المستقل، وقد شرحت شبكة “سي إن إن” أحد هذه الترتيبات بوضوح في 4 نوفمبر 2023، حين قالت إن الصحفيين المرافقين للقوات يعملون تحت إشراف القادة الميدانيين، ولا يُسمح لهم بالتحرك منفردين، وإن الدخول في تلك الزيارة اشترط عرض المواد والصور على الجيش لمراجعتها قبل النشر، وأوضحت أنها قبلت الشروط لتوفير نافذة محدودة على عملياته.
تمنح هذه الترتيبات الطرف العسكري الذي يخضع عمله للتغطية سلطة على نطاق ما يستطيع الصحفي مشاهدته، فالانتقال إلى موقع يختاره الجيش، والاستماع إلى تفسير ضباطه، يختلف مهنيًا عن اختيار مواقع التغطية ومقابلة السكان بعيدًا عن المرافقة العسكرية، وتظل المادة الناتجة محدودة بما أُتيح للصحفي الوصول إليه والتحقق منه.
لا توجد أدوات بث
داخل غزة، تواجه التغطية قيدًا آخر يتعلق بالأدوات اللازمة لإنتاجها، فقد قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان بتاريخ 26 يوليو 2026، إن السلطات الإسرائيلية تواصل منع إدخال معدات صحفية أساسية منذ بدء الحرب، تشمل الكاميرات والعدسات والبطاريات وأجهزة البث والاتصال ووحدات الطاقة والتخزين، إضافة إلى الخوذ والسترات الواقية.
ويؤثر نقص هذه المعدات في مراحل العمل كلها، من التصوير وتسجيل الشهادات إلى حفظ المواد وإرسالها، كما يصعّب تعويض ما يتلف أو يُفقد خلال القصف والنزوح، ويترك غياب معدات الحماية الصحفيين أكثر تعرضًا للخطر، واعتبر المرصد أن الجمع بين منع الدخول واستهداف الصحفيين وحجب معداتهم يعرقل توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة اللازمة للمساءلة.
وتؤيد شهادات جمعتها “مراسلون بلا حدود” صورة هذا الإنهاك، ففي تقرير نشرته في فبراير 2026، وصفت نقص الكاميرات والبطاريات والهواتف والشواحن، وتضرر شبكات الاتصال وارتفاع كلفة الإنترنت والكهرباء والتنقل، وتحدث صحفيون عن استمرار العمل من الخيام والمساكن المتضررة، في ظروف تجعل الوصول إلى موقع التغطية وإرسال المادة عبئًا يوميًا.
الصحافة هي العدو
وبالتوازي مع تضييق القدرة على التوثيق، واجه صحفيون اتهامات إسرائيلية بالانتماء إلى حماس أو الجهاد الإسلامي، ففي أكتوبر 2024، اتهم الجيش 6 صحفيين يعملون مع الجزيرة بالارتباط بالفصيلين، ورفضت الشبكة الاتهامات، وتكشف حالة أنس الشريف كيف يمكن أن تتتابع حملة التشكيك في الصحفي والتهديدات الموجهة إليه ثم استهدافه.
في 24 يوليو 2025، حذرت لجنة حماية الصحفيين من خطر يهدد حياة الشريف، وقالت إن المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي كثّف اتهاماته له بعد تغطيته التجويع في غزة، ووصفت اللجنة الاتهامات بأنها غير مسندة، ورأت فيها محاولة لتهيئة القبول بقتله، وهو تحذير صدر قبل استهدافه، وليس تفسيرًا ظهر بعد وفاته.
وفي 10 أغسطس 2025، قُتل الشريف بغارة إسرائيلية استهدفت خيمة للصحفيين قرب مستشفى الشفاء، وقال الجيش إنه كان يقود خلية تابعة لحماس ويسهم في هجمات صاروخية، مستندًا إلى ما وصفه بمعلومات ووثائق. في المقابل، قالت لجنة حماية الصحفيين إنها لا تعدّ صور الوثائق المنشورة على وسائل التواصل أدلة موثوقة، وأدانت الجزيرة استهداف فريقها.
يضع هذا التسلسل اتهامات الانتماء المسلح في صلب قضية حماية الصحفيين، إذ تنتقل المناقشة من فحص ما وثّقه المراسل إلى التشكيك في صفته وأهليته للشهادة، ثم تُستخدم الاتهامات في تفسير قتله، وتبقى مسؤولية إثبات الادعاء على الجهة التي تطلقه، مع ضرورة فحص كل حالة وأدلتها، دون تعميم الاتهام على الصحفيين الفلسطينيين أو التعامل معه بوصفه حقيقة بمجرد صدوره عن الجيش.
ويمتد أثر إغلاق القطاع إلى التحقق من هذه القضايا، ففي مراجعة أعلنتها لجنة حماية الصحفيين في 24 سبتمبر 2026، أوضحت أن منع الباحثين والصحفيين من الدخول المستقل إلى غزة اضطر فريقها إلى الاستناد إلى الأعمال المنشورة والصور والفيديوهات والشهادات، وهذا يبيّن كيف يفرض المنع قيودًا على فحص ملفات الضحايا والتحقق من عملهم الصحفي، إلى جانب تقييده التغطية المباشرة.
ورغم هذه القيود، واصل صحفيو غزة نقل الصورة، وأكدت “مراسلون بلا حدود” في شهاداتها أن حاجتهم إلى دخول زملائهم تتصل بالإرهاق ونقص الأدوات والدعم، وقد عبّرت الصحفية نور السويركي عن الحاجة إلى مساندة الزملاء بما يملكونه من موارد وخبرات، بعد سنوات يتحمل فيها الصحفيون المحليون الخطر نفسه الذي ينقلونه للجمهور.
تكشف حصيلة السنوات الثلاث عن تضييق متراكم على إمكان رؤية غزة وتوثيق ما جرى فيها، وفي هذا السياق، تضيف صور الأقمار الصناعية دليلًا على حجم التغيير في المكان، بينما يبقى استكمال الصورة مرتبطًا بحماية الصحفيين الفلسطينيين، وإدخال معداتهم، وتمكين زملائهم من الوصول المستقل، فتوثيق اختفاء حي من الخريطة يحتاج أيضًا إلى حفظ روايات من عاشوا فيه والتحقق مما حدث لهم.

