3 أفكار من بيروت كي يعيش الإعلام المستقل من ماله لا من المنح

3 أفكار من بيروت كي يعيش الإعلام المستقل من ماله لا من المنح

ماذا يفعل الصحفي المستقل حين تنتهي المنحة ولا تأتي بعدها منحة؟ هذا السؤال — الذي يعرفه كل من عمل في إعلام المنطقة المستقل — كان محور ندوة نظمها الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأنباء «وان-إيفرا» ضمن برنامج «بريف ميديا». والإجابة هذه المرة لم تكن ورقة توصيات، بل 3 تجارب حية عرضتها مؤسسة سمير قصير، تقوم كلها على فكرة واحدة تصدم الحكمة السائدة في القطاع: المال والاستقلال التحريري ليسا عدوّين. تقول المؤسسة: «تعلّمنا أن الاستدامة المالية والاستقلال التحريري ليسا هدفين متنافسين، بل شرطان يعزز أحدهما الآخر».

القصة من أولها

«بريف ميديا» مبادرة عالمية مدتها 3 سنوات، تقودها «بي بي سي ميديا أكشن» بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية، وتضم 9 منظمات تعمل في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ومن أدواتها ندوات تعلّم بين الأقران ينظمها «وان-إيفرا» بمشاركة منظمات مثل «أريج» والشبكة العربية لمدققي المعلومات و«سمبرا ميديا». وفي ندوة الاستدامة وتنويع الإيرادات، عرضت مؤسسة سمير قصير مبادراتها الثلاث: «وكالة من أجل المساواة» و«سكرول» و«صورة». والمنطق خلفها بسيط: التمويل المانح يبقى ضرورياً، لكنه شحيح ومتقلب، ومن يعتمد عليه وحده يرهن استقلاله لجهة واحدة.

«وكالة من أجل المساواة»: الإعلان ليس خطيئة

الفكرة الأجرأ بين الثلاث. فبدل التعامل مع الإعلان بوصفه تهديداً للنزاهة التحريرية، أنشأت المؤسسة وكالة تساعد الإعلام المستقل على دخول أسواق الإعلان والاتصال التي يحتكرها اللاعبون التجاريون الكبار. الرهان أن غرف الأخبار المستقلة تملك أصلاً ما تبيعه: قدرات إبداعية وإنتاجية ومصداقية يفتقدها كثير من المنافسين. تقول المؤسسة إن قدرة هذه المنصات على المنافسة «متجذرة في نزاهتها التحريرية وقيم المصلحة العامة»، بشرط واحد: أن يبقى أي إيراد متسقاً مع تلك المبادئ. الخلاصة للصحفي: الإعلان القائم على شراكات أخلاقية أداة استدامة، لا تنازلاً عن الاستقلال.

«سكرول»: صحافتك الجيدة لا تكفي إن لم يجدها أحد

إنتاج صحافة جيدة نصف المعركة؛ نصفها الآخر أن يعثر الجمهور عليها وسط خوارزميات لا ترحم ومنصات متشظية. «سكرول» (Skroll) مجمّع محتوى يجمع الصحافة المستقلة في مكان واحد، انطلاقاً من قناعة تلخصها المؤسسة: «الإعلام المستقل أقوى حين يكون قابلاً للاكتشاف جماعياً». والدرس أبعد من المنصة نفسها: التعاون استراتيجية بقاء، فالعمل الجماعي يتيح تجميع الموارد وخفض التكاليف والوصول إلى جمهور يصعب على أي غرفة أخبار بلوغه منفردة.

«صورة»: المصور يستحق كامل ثمن صورته

نقاش الاستدامة ينسى عادة الصحفي الفرد، والمصور الصحفي تحديداً: عمله مطلوب أكثر من أي وقت — «الحقيقة تتجلى بوضوح في الصحافة البصرية الموثقة»، كما تقول المؤسسة — لكنه مبخوس الأجر. من شكاوى متكررة سمعتها المؤسسة من المصورين حول الملكية والوصول إلى السوق والأجر العادل، وُلدت منصة «صورة» (Soora): سوق يصل المصور الصحفي مباشرة بالمشتري، ويحتفظ فيه المصور بكامل عائدات عمله — بلا وسطاء يلتهمون قيمة الصورة.

من أين تبدأ أنت؟

لمن يريد تكرار التجربة، وصفة المؤسسة عملية ومتدرجة: «ابدأ بتحديد أقوى أصولك، وافهم جمهورك وسوقك، واختبر فرص إيراد عملية متسقة مع رسالتك تنمو تدريجياً مع الوقت». ولا تنسَ أن النص المصدر يعرض التجارب بلسان أصحابها ومن دون أرقام أداء معلنة — فالفكرة ملهمة، وتقييمها النهائي بانتظار البيانات.

بعد أكثر من عقدين على اغتيال سمير قصير، ترى المؤسسة التي تحمل اسمه إرثه حياً في جيل لم يعرفه: منصات لبنانية بدأت صفحات على وسائل التواصل وباتت تؤثر في صنع السياسات، وصحفيون في فلسطين يراسلون من الخيام بهواتفهم بعدما دمّرت الحرب غرف أخبارهم. الاستدامة، في النهاية، ليست أن تبقى المؤسسات طافية فحسب — بل أن يبقى للجمهور إعلام يستحق ثقته.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي