يضع التعاون بين منصة “ذيس إز بيروت” اللبنانية الناطقة بالإنجليزية وقناة “آي 24 نيوز” الإسرائيلية الصحافة أمام سؤال يتجاوز حدود الشراكات الإعلامية: كيف تسهم مؤسسة إخبارية في تهيئة اللبنانيين لتقبّل العلاقة مع إسرائيل، وما الذي يبقى من وقائع الاحتلال والاعتداءات وحقوق الضحايا حين تتصدر المشهد رسائل الزيارة والتعارف والتقارب الاجتماعي؟
وتكتسب الخطوة دلالتها من توجه المنصة المعلن نحو السلام بين لبنان وإسرائيل، ومن محتوى يشجع التواصل بين المجتمعين، بالتوازي مع انتقال العلاقة بين بيروت وتل أبيب إلى مسار تفاوضي مباشر، ضمن تحولات أوسع في المنطقة.
في هذا السياق، يمكن قراءة الشراكة باعتبارها مساهمة إعلامية في جعل التطبيع مألوفًا، عبر تقديمه بوصفه ممارسة اعتيادية بين مؤسسات وأفراد، بينما تبقى قضايا الأرض والسيادة والمسؤولية عن الاعتداءات وضمانات عدم تكرارها أساسًا لأي نقاش جاد حول مستقبل العلاقة.
من تغطية التحول إلى المشاركة في صنعه
تعرّف “ذيس إز بيروت” نفسها بأنها منصة تعمل من بيروت وواشنطن، وتجمع بين الصحافة وتحليل السياسات، وتعلن سعيها إلى السلام بين لبنان وإسرائيل، إلى جانب التزامها بالاستقلال والسيادة وحقوق الإنسان، ما يجعل التأثير في النقاش السياسي جزءًا من هويتها المعلنة.
ويظهر هذا التوجه في خيارات تحريرية محددة، ففي 23 أغسطس/آب 2026 نشرت المنصة مادة لسيلينا ريان عن دعوات إسرائيلية إلى زيارة تل أبيب وتوسيع العلاقات مع اللبنانيين، وتعرّف صفحة المادة كاتبتها بأنها صحفية مستقلة ورئيسة جمعية الصداقة الإسرائيلية اللبنانية ضمن “الحركة الإبراهيمية”.
تجمع ريان بذلك بين العمل الصحفي والنشاط المؤسسي لدعم العلاقة التي تتناولها تغطيتها، والإفصاح عن هذا الدور يتيح للقارئ فهم موقعها، لكنه لا يغني عن توضيح المعايير التي تفصل بين جمع المعلومات والترويج لمشروع تنشط من أجله.
ويحوّل تقديم الزيارة في قالب اجتماعي خفيف مركز الاهتمام من شروط العلاقة السياسية إلى جاذبية التجربة الشخصية، فيصبح التعارف والسياحة مدخلًا للنقاش، فيما يتوقف حضور الاحتلال والمحاسبة على السياق الذي تمنحه التغطية لهما.
هكذا يمكن أن تعمل آلية التطبيع الإعلامي: تتكرر صور التواصل اليومي حتى تبدو العلاقة اعتيادية، قبل حسم شروطها السياسية والقانونية، وهذا أثر محتمل لطريقة تقديم المحتوى، دون أن يكون في ذاته دليلًا على تعليمات سرية أو تنسيق حكومي.
المفاوضات لا تعفي الصحافة من المساءلة
يتزامن هذا الخطاب مع مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، الذي تعكسه أيضًا الوثيقة الثلاثية المنشورة على موقع المنصة وما تتضمنه من ترتيبات سياسية وأمنية، وهو تحول يضفي على الشراكات الإعلامية دلالة تتجاوز التعاون التقني بين غرف الأخبار.
لكن بدء المفاوضات لا يجعل نتائجها محسومة، ولا يثبت وجود قبول اجتماعي بالتطبيع، كما أن رغبة اللبنانيين في وقف الحرب واستعادة الاستقرار لا تعني تلقائيًا موافقتهم على شكل العلاقة التي يسعى إليها أي طرف.
تقع على الصحافة مسؤولية فحص شروط التسوية وكلفتها والجهات المستفيدة منها، وتوضيح ما تحققه للمتضررين من الحرب وما تتركه دون معالجة، وتضعف هذه الوظيفة حين تصبح المؤسسة طرفًا في الترويج للنتيجة السياسية التي يفترض أن تراقب مسار الوصول إليها.
ومن هنا تأتي ضرورة التمييز بين تأييد السلام وتقديم التطبيع باعتباره الطريق الوحيد إليه، فحصر الاختيار بين قبول العلاقة واستمرار الحرب يضيّق النقاش، ويهمّش موقفًا يجمع بين المطالبة بوقف الاعتداءات والانسحاب والمحاسبة ورفض التطبيع.
القانون وحدود الشراكة
تتحرك هذه المبادرات داخل سياق قانوني لبناني قائم على مقاطعة إسرائيل وتجريم صور من التعامل معها، ويشكّل قانون المقاطعة الصادر عام 1955 أحد أسسه، بما يطرح سؤالًا عن الوضع القانوني لأي اتفاق بين مؤسسة لبنانية وجهة إسرائيلية.
ويحتاج التوصيف القانوني للشراكة إلى معرفة أطرافها المسجلة ومكان إبرامها وطبيعة الالتزامات الناتجة عنها، كما أن انطلاق مفاوضات رسمية لا يعني تلقائيًا إلغاء القيود القانونية أو منح المؤسسات الخاصة ترخيصًا عامًا بالتعامل.
إغفال هذا البعد عند تقديم التواصل باعتباره نشاطًا طبيعيًا يحجب عن الجمهور عنصرًا أساسيًا لفهم الواقعة، فالصفة الإعلامية للشراكة لا تعفيها من الفحص القانوني، مثلما لا يحسم الاعتراض السياسي عليها وحده مسؤولية أطرافها أمام القضاء.
ذاكرة الاعتداءات وحقوق الضحايا
يتعمق الإشكال عندما يُفسَّر رفض التطبيع بنقص المعرفة المتبادلة أو بالتصورات الموروثة، ففي لبنان أسباب موثقة لهذا الرفض تتصل بالاحتلال وحروب واعتداءات أوقعت ضحايا مدنيين، ولا يمكن اختزالها في سوء تفاهم بين مجتمعين.
وثقت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها عن حرب 2006 هجمات إسرائيلية غير مشروعة أوقعت ضحايا مدنيين، وفحصت أنماط اختيار الأهداف واستخدام القوة، مقدمة سجلًا حقوقيًا يستدعي التحقيق والمحاسبة.
ويشمل هذا السجل استهداف الصحفيين أنفسهم، فقد خلص تحقيق للمنظمة في الضربتين الإسرائيليتين يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اللتين قتلتا مصور رويترز عصام عبد الله وأصابتا ستة صحفيين آخرين، إلى أنهما تبدوان هجومًا متعمدًا على مدنيين، وبالتالي جريمة حرب، وقالت إنها لم تجد دليلًا على وجود هدف عسكري قرب موقعهم.
تضع هذه الوقائع أي مشروع إعلامي للتقارب أمام اختبار واضح: كيف يتعامل مع مسؤولية الجيش الإسرائيلي، وما المساحة التي يمنحها للناجين وعائلات الضحايا ومطالبهم بالعدالة، وهل تبقى المحاسبة جزءًا من تصوره للسلام؟
ويكمن خطر تمييع الجرائم في فصل صور التقارب عن هذا السياق، فالمحتوى لا يحتاج إلى إنكار الاعتداء حتى يخفف حضور المسؤولية عنه في وعي الجمهور، وقد يؤدي تقديم العلاقة باعتبارها بداية جديدة، دون التوقف عند الحقوق المعلقة، إلى إبعاد هذه الحقوق عن مركز النقاش.
ولا تستلزم مساءلة الاعتداءات تحميل المدنيين الإسرائيليين مسؤولية جماعية، بل تحديد مسؤولية المؤسسات والقيادات والأفعال، وهي دقة تحمي حقوق الضحايا وتمنع الخلط بين نقد الدولة والعداء للأفراد بسبب هويتهم.
تهيئة المجتمع عبر التعليم والإعلام
يمتد التوجه الذي تمنحه المنصة مساحة إلى المجال التعليمي، ففي مقال رأي بتاريخ 12 أغسطس/آب 2026، دعا مراسلها رالف الأطرش إلى تعديل طريقة تقديم إسرائيل في المناهج اللبنانية، وربط استدامة السلام بتحول في نظرة المجتمع إليها.
والمقال مصنف بوضوح ضمن الرأي، لكنه يكشف أن النقاش المطروح يتجاوز متابعة المفاوضات إلى إعادة تشكيل التصورات الاجتماعية عن العلاقة مع إسرائيل.
تظل مراجعة المناهج مسألة قابلة للنقاش، لكن تقييم هذه الدعوة يتطلب فحص كيفية تعاملها مع الوقائع التاريخية والاحتلال وحقوق الضحايا، فالتعليم الذي يشجع فهم الآخر لا يستلزم حذف مسؤوليته عن الاعتداءات، ولا تحويل الذاكرة الجماعية إلى عقبة ينبغي إزالتها لتسهيل التقارب.
وتصبح المسألة أكثر حساسية حين تتكامل الدعوة إلى تغيير التصورات مع محتوى يشجع الزيارة وشراكة مؤسسية مع قناة إسرائيلية، إذ تتجاور أدوات التأثير الثقافي والاجتماعي والإعلامي في اتجاه يدعم قبول التطبيع.
الملكية وتضارب المصالح
تعود ملكية المنصة إلى المصرفي أنطون صحناوي، رئيس مجلس إدارة بنك “سوسيته جنرال في لبنان”، الذي يواجه اتهامات بفساد مالي وتبييض أموال وإثراء غير مشروع في ملفات تتصل بأموال المودعين اللبنانيين، وهي اتهامات لا تعادل إدانة قضائية نهائية.
ويتقاطع توجه المنصة مع انخراط مالكها في التقارب مع إسرائيل، وقد برز هذا الانخراط باستضافته، بالاشتراك مع مورغان أورتاغوس، مأدبة عشاء في واشنطن حضرها بنيامين نتنياهو وزوجته، بما يمنح الشراكة الإعلامية سياقًا سياسيًا، ويعزز قراءتها ضمن مسار لتوسيع قبول العلاقة مع إسرائيل.
وحين غطت المنصة المناسبة، قدّمت صحناوي بصفته رجل أعمال ومصرفيًا، دون الإفصاح عن ملكيته لها، فغابت عن القارئ معلومة ضرورية لتقييم التغطية: أن المؤسسة تنشر خبرًا عن نشاط لصاحبها يتسق مع التوجه الذي تتبناه في محتواها وشراكاتها.
يضع هذا التداخل استقلال التحرير موضع مساءلة، إذ يمكن للمالك أن يستفيد من مصداقية مؤسسته في الترويج لخياراته السياسية، بينما يتلقى الجمهور المحتوى دون معرفة كاملة بالمصالح المحيطة بإنتاجه.
وتبرز مفارقة أخرى في علاقة صحناوي بالإعلام، فهو يملك منصة تدفع نحو التقارب، فيما أقام شكاوى ضد صحفيين تناولوا اتهامات بمخالفات مالية مرتبطة به وبمصرفه، ما يجعل قدرة المؤسسة على مساءلة صاحبها ومصالحه اختبارًا أساسيًا لاستقلالها.
التطبيع لا يُسقط المحاسبة
تُقاس القيمة الصحفية للشراكة بما تضيفه إلى معرفة الجمهور وقدرته على المساءلة، ويشمل ذلك التحقيق في الاعتداءات الإسرائيلية ومتابعة حقوق الضحايا وفحص الترتيبات السياسية التي قد تؤثر في فرص إنصافهم.
وحين تتقدم رسائل الزيارة والتعارف على سياق الاحتلال والمسؤولية عن الجرائم، يخاطر المحتوى بتقديم التطبيع كأنه علاقة طبيعية لا تحتاج إلا إلى تجاوز تحفظات المجتمع، رغم أن هذه التحفظات قد تستند إلى تجارب وحقوق ومطالب لم تجد استجابة.
بهذا المعنى، يمكن أن تسهم الشراكة في تعويم التطبيع عبر إكسابه مظهر الممارسة المهنية والاجتماعية المعتادة، وتبقى مسؤولية الصحافة كشف شروط هذا التحول وكلفته ومصالح الداعمين له، وإبقاء حقوق اللبنانيين والمساءلة عن الاعتداءات حاضرتين في التغطية، مهما تغيرت اتجاهات المفاوضات ومواقف أصحاب المؤسسات.

