دخل الذكاء الاصطناعي غرفة الأخبار من خمسة أبواب دفعة واحدة: يقترح القصص، ويبحث عن المصادر، ويفرز الادعاءات، ويساعد في كتابة المواد، ثم يعيد تشكيلها وتوزيعها على الجمهور. لكن هذا الانتشار لا يعني أن الصحافة أصبحت أفضل؛ فقد يجعلها أسرع فحسب، ويضاعف في الوقت نفسه عيوبًا قديمة تتعلق بالثقة والموارد والاعتماد على شركات التكنولوجيا.
هذه هي الفكرة المركزية لكتاب «الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي: من التسريع إلى إعادة التصور» للباحثين سيث سي لويس ورودريغو زاميث وتوماس دودز. وقد نشر المؤلفون مقتطفًا من الفصل الثاني في «مختبر نيمان للصحافة»، وهو منبر بحثي يتبع مؤسسة نيمان للصحافة في جامعة هارفارد، في 6 أغسطس 2026، يتتبعون فيه أثر الذكاء الاصطناعي في المراحل الخمس لصناعة الأخبار، ويسألون: هل يجدد الصحافة أم يضاعف دورانها في حلقة إنتاج المزيد بموارد أقل؟
وأهمية الكتاب للإعلام العربي لا تقتصر على الأدوات التي يعرضها؛ فالأسئلة التي يفتحها أثقل: من يقرر ما يستحق أن يصبح خبرًا، ومن تظهر أصواته في التغطية، ومن يتحمل مسؤولية الخطأ، وهل تساعد التكنولوجيا المؤسسات على استعادة علاقتها بالجمهور أم تزيد تبعيتها للمنصات؟
1 — من يُعلِّم الآلة ما الذي يستحق أن يصبح خبرًا؟
تستخدم بعض غرف الأخبار أنظمة تمسح البيانات الحكومية ومواد المنافسين والبيانات الصحفية واتجاهات البحث ومنشورات المنصات، ثم تقترح موضوعات على الصحفيين. ويمكن لهذه الأدوات أن تعثر خلال وقت قصير على نمط أو تغيُّر كان اكتشافه سيحتاج إلى أسابيع من عمل صحفي بياناتي.
لكن اقتراح القصص ليس عملية تقنية محايدة؛ إذ يجب أولًا تحويل قيم مثل الأهمية والمصلحة العامة والجِدَّة والقرب من الجمهور إلى قواعد يمكن للنظام قراءتها. وإذا كانت البيانات التي يتعلم منها منحازة إلى تصريحات المسؤولين والموضوعات الرائجة والمؤسسات الأكثر حضورًا على الإنترنت، فقد يعيد الذكاء الاصطناعي إنتاج الاختيارات نفسها بكفاءة أعلى من دون أن يفتح الطريق أمام قصص جديدة.
وهنا يظهر اختبار أساسي أمام غرف الأخبار العربية؛ فالمطلوب ليس آلة أسرع لالتقاط ما تقوله السلطة أو ما يتصدر المنصات، وإنما أدوات ترصد ما يغيب عن التغطية: تغيُّرٌ في ميزانية عامة، أو نمط متكرر في قرارات محلية، أو فجوة بين خطاب رسمي وبيانات منشورة. وتبقى للمحرر مسؤولية تحديد القيمة الصحفية والسياق والمصلحة العامة.
2 — تنويع المصادر أم ترسيخ هرم الظهور؟
يعرض الكتاب أدواتٍ تراجع مسودات الأخبار لتحديد هوية المصادر المقتبسة وكشف الاختلال في تمثيل النساء أو الأقليات أو الخبراء، ثم تقترح أصواتًا بديلة خارج دفاتر الاتصال المعتادة للصحفيين. وهي فرصة مهمة لمؤسسات تريد قياس تنوع مصادرها بدلًا من الاكتفاء بانطباعات عامة.
غير أن الأداة تستطيع العثور أساسًا على من يمكن العثور عليهم رقميًا؛ لذلك قد تمنح أفضلية جديدة للوزارات والشركات والمتحدثين المحترفين وأصحاب الملفات الشخصية المكتملة، بينما تظل أصوات سكان المناطق الطرفية واللاجئين والضحايا والعمال والفئات الأقل اتصالًا بالإنترنت خارج مجال رؤيتها. ويحذِّر مؤلفو الكتاب من أن الذكاء الاصطناعي قد يوسِّع قائمة المصادر المتاحة، لكنه لا يُزيل وحده أسباب اعتماد الصحفيين على المصادر الرسمية ولا يصنع الثقة مع المصادر الهشة أو الخائفة.
وفي السياق العربي، يجب ألا يتحول «مدقق تنوع المصادر» إلى بديل من العمل الميداني؛ فالمقابلة أكثر من تبادل أسئلة وأجوبة، إذ تقوم على بناء ثقة وقراءة للصمت والتردد وفهم للمخاطر التي قد يتعرض لها المصدر، وهي عناصر لا تستطيع أداة آلية تقديرها أو تحمُّل مسؤوليتها.

