في 12 أغسطس 2025، بعد يومين من استهداف خيمة طاقم “الجزيرة” عند بوابة مستشفى الشفاء، أضافت الشبكة تصحيحًا مقتضبًا إلى مادتها المنشورة على موقعها الإنجليزي: عدد صحفييها الذين استشهدوا في الضربة أربعة لا خمسة.
وفي المادة نفسها، أدرجت الشبكة مؤمن عليوة بوصفه مصورًا مستقلًا، ومحمد الخالدي بوصفه صحفيًا مستقلًا، إلى جانب أربعة من طاقمها هم أنس الشريف ومحمد قريقع وإبراهيم ظاهر ومحمد نوفل.
الخيمة واحدة، والصاروخ واحد، والمهمة الصحفية واحدة، لكن الصفة التعاقدية كانت مختلفة، وكان هذا الاختلاف كافيًا لتغيير العدد الذي حمل اسم الشبكة.
ذلك التصحيح، الدقيق مهنيًا والباهت في وقعه وسط فداحة المقتلة، كان ظهورًا علنيًا كاشفًا لخط فاصل ظل غائبًا عن الشاشة: بين مَن يعرفه الجمهور صحفيًا للجزيرة، ومَن تعترف به العقود موظفًا لديها، وبين مَن يؤدي المهمة باسمها ومَن يتقاضى أجره بصفته مستقلًا أو عبر شركة وسيطة.
في زمن التغطية يختفي هذا الفارق خلف الشعار والبث المباشر، لكنه يعود إلى الظهور عند إحصاء الضحايا أو تحديد الحقوق أو إنهاء العقود.
وبعد نحو أحد عشر شهرًا، ظهر الخط نفسه مجددًا، لا في تصحيح منشور هذه المرة، بل في مكالمة هاتفية لم تتجاوز خمس عشرة ثانية حسب ادعاء المصور الفلسطيني محمود شلحة.
لم يحتج إنهاء عمل المصور الفلسطيني محمود شلحة مع شبكة الجزيرة إلى اجتماع أو رسالة رسمية طويلة، فبحسب شهادته، حُسمت العلاقة خلال تلك المكالمة، وأُبلغ بانتهاء عمله من دون توضيح الأسباب أو إشعار مسبق، وسط حديث منه عن مستحقات لم تُدفع.
شلحة، الذي عرّف نفسه بأنه الناجي الوحيد من استهداف خيمة طاقم الجزيرة قرب مستشفى الشفاء، لم يكتب عن فقدان وظيفة عادية، بل عن علاقة عمل تشكلت تحت القصف، وظلت الكاميرا خلالها جزءًا من معركة البقاء نفسها.
وتفتح شهادته، إلى جانب شهادات زملائه، ملفًا يتجاوز طريقة إنهاء العقود إلى طبيعة النموذج الذي أدارت به الشبكة تغطيتها من غزة: صحفيون يظهرون أمام الجمهور باعتبارهم جزءًا من طاقم الجزيرة، بينما تكشف لحظة الاستغناء أن بعضهم ظل خارج ملاكها، يعمل بصورة مؤقتة أو يتقاضى أجره عبر شركة وسيطة.
“حتى لا تموت الصورة”
لم تكن شهادة شلحة الوحيدة، فقد أعلن المراسل محمد شاهين بدوره انتهاء عمله، وكتب عبر حسابه على “إكس”: “كنت آخر من تبقى على قيد الحياة من مراسلي شبكة الجزيرة الذين بدأوا تغطية الحرب معها من شمال غزة منذ الأيام الأولى”.
وقال شاهين إن الفريق ذلل ما وصفه بالعقبات المستحيلة، ووضع أفراده أرواحهم على أكفهم، من دون أن ينظروا إلى راتب أو امتيازات أو وظيفة، مضيفًا: “كنا نجتهد حتى لا تموت الصورة ولا تُنسى غزة”.
واستعاد شاهين زملاءه الذين قُتلوا خلال التغطية، وكتب أنه كان يتصور نهاية مشواره على غرار أنس الشريف وإسماعيل الغول وحسام شبات واثنين من زملائهما يحملان اسم محمد، قبل أن يختم رسالته بقوله: “لكن قدر الله غالب، ولا تثريب على أحد”.
تقدم شهادتا شلحة وشاهين تأكيدًا مباشرًا لانتهاء عملهما، لكن العدد المتداول، الذي يتجاوز عشرين مراسلًا ومصورًا ومنتجًا، لم تؤكده حتى الآن قائمة رسمية من الشبكة، كما أن الأسماء المتداولة تبدو موزعة على أكثر من موجة لإنهاء العقود، لا على قرار واحد صدر في يوم واحد.
سبقت التطورات الأخيرة موجة أنهت خلالها “الجزيرة مباشر” عقود أربعة مراسلين في غزة هم محمد الشريف وحازم مزيد وأشرف السراج وحسن الزعانين، مع انتهاء عقودهم في 31 مارس 2026.
وقال السراج آنذاك إن القناة تركتهم “في وجه الريح” بعد التهديدات والملاحقات التي تعرضوا لها خلال الحرب، بينما انتقد الشريف الاستغناء عن صحفيين عملوا تحت خطر الموت والإصابة والنزوح.
من “الجزيرة” إلى “ميديا تاون”
تكشف رواية المتضررين طبقة أخرى من العلاقة لم تكن ظاهرة للجمهور، إذ قالوا إن الجزيرة نقلت إدارة عملهم إلى شركة “ميديا تاون” للإنتاج الإعلامي، مع وعود بأن يكون هذا الترتيب خطوة مؤقتة تسبق تعيينهم مباشرة داخل الشبكة.
وتؤكد مصادر مستقلة وجود علاقة عمل بين الطرفين، إذ وثقت “مراسلون بلا حدود” تقديم “ميديا تاون” تغطيات لمؤسسات بينها الجزيرة، كما شاركت الشركة في إنتاج أفلام وتحقيقات للجزيرة الإنجليزية.
غير أن المصادر العلنية لا تحدد طبيعة الترتيب التعاقدي الخاص بالمتضررين، ولا الجهة التي قدمت وعود التعيين، ولا ما إذا كان قرار الإنهاء صدر من الجزيرة ونُفذ عبر الشركة أم اتُّخذ ضمن صيغة أخرى.
هذا الفارق بين الصورة المعروضة على الشاشة والواقع التعاقدي يمثل جوهر القضية، فالجمهور عرف هؤلاء باعتبارهم مراسلي الجزيرة وطاقمها في غزة، بينما تقول شهاداتهم إن جزءًا من العلاقة أُدير عبر شركة وسيطة، بما تركهم خارج مظلة التوظيف المباشر والحماية المرتبطة بها.
أسس “ميديا تاون” ويديرها المخرج والصحفي الفلسطيني أشرف المشهراوي، ويتولى في الوقت نفسه رئاسة “مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين” PJPC، وهو كيان فلسطيني محلي يسعى لحماية حقوق الصحفيين الفلسطينيين ويوفر لهم بيئة عمل آمنة.
وأشار المتضررون إلى هذا الجمع بين إدارة الشركة التي نُقل عملهم إليها ورئاسة مركز معني بالدفاع عن الصحفيين، مطالبين بالتحقق من دور “ميديا تاون” في إجراءات إنهاء العقود، ومدى تأثير هذا التداخل في التعامل مع شكاواهم وحقوقهم المهنية.
ضغط إسرائيلي… لكن هل أثّر في القرار؟
تتعرض شبكة الجزيرة وصحفيوها منذ بدء الحرب لحملة ضغط إسرائيلية واسعة، شملت إغلاق مكاتب الشبكة والتحريض على العاملين فيها واتهام بعضهم بالارتباط بفصائل فلسطينية، كما استشهد عدد من مراسليها ومصوريها في غارات واستهدافات إسرائيلية أثناء تأديتهم مهامهم الصحفية في قطاع غزة.
بلغ عدد شهداء شبكة الجزيرة في قطاع غزة 12 صحفيًا ومصورًا منذ 7 أكتوبر 2023، وفق أحدث حصيلة أعلنتها الشبكة عقب استشهاد مصور الجزيرة مباشر أحمد وشاح في 20 يونيو 2026.
ويطرح قرار إنهاء التعاقد سؤالًا إضافيًا، بسبب ظهور ثلاثة من المشمولين به ضمن قائمة نشرها الجيش الإسرائيلي في أكتوبر 2024، واتهم فيها ستة من صحفيي الجزيرة في غزة بالارتباط بحماس أو الجهاد الإسلامي، وكان من بين الستة أشرف السراج وعلاء سلامة وطلال العروقي.
وظهرت أسماء الصحفيين الثلاثة لاحقًا ضمن القائمة غير الرسمية المتداولة للعاملين الذين قيل إن عقودهم انتهت، والمنشورة في 25 يوليو 2026، لكن لا تتوافر معلومات مؤكدة تحدد تاريخ سريان القرار على كل واحد منهم بصورة منفصلة، ما يجعل 25 يوليو تاريخًا لنشر القائمة، لا موعدًا مؤكدًا لإنهاء عقد كل اسم ورد فيها.
ورفضت الجزيرة الاتهامات الإسرائيلية، بينما قالت لجنة حماية الصحفيين الدولية إن إسرائيل كررت اتهامات مماثلة من دون تقديم أدلة ذات مصداقية، محذرة من أن وصم الصحفيين بالارتباط بجماعات مسلحة قد يعرضهم لخطر الاستهداف.
ومع ذلك، لا يكفي تداخل الأسماء وحده لإثبات أن الضغوط الإسرائيلية كانت سببًا في الاستغناء عنهم، خصوصًا أن الشبكة واصلت تشغيلهم بعد نشر الاتهامات، وأن إنهاء العقود جاء في سياق أعقب إعلان إعادة هيكلة “الجزيرة مباشر” في يونيو 2026.
لكن هذا التقاطع يطرح سؤالًا ما إذا كانت الاتهامات الإسرائيلية، أو تقييمات المخاطر الأمنية المترتبة عليها، قد دخلت ضمن الاعتبارات التي حددت مستقبل عقود الصحفيين الثلاثة، أم أن القرار اقتصر على أسباب إدارية وتعاقدية مرتبطة بإعادة الهيكلة؟
الشبكة تشهد على نفسها
المفارقة أن الاختبار لهذه القضية منشور على منصة الشبكة نفسها. فمعهد الجزيرة للإعلام نشر تقريرًا عن “المعاناة المزدوجة” للصحفيين المستقلين في غزة: لا عقود، ولا تأمين صحي أو ضد الإصابة، ويشترون الدروع الواقية من مالهم أو يتبادلونها؛ وأحدهم، مؤمن أبو عوف (18 عامًا)، تلقّى أول أجر له من قناة عمل معها في اليوم الذي قُتل فيه. ونشر المعهد نفسه تقريرًا عن مصير المراسلين المحليين والمرافقين الميدانيين في أفغانستان بعد 2021، تحت عنوان مستعار من خطاب طالبان: “اقتلوا الصحفيين المستأجرين” — وثّق فيه أن مؤسسات دولية استندت إليهم لعقود ثم تركتهم خارج قوائم الإخلاء.
السابقة الأفغانية والحالة الغزية تشتركان في قاعدة واحدة: المخاطرة محلية، والاعتراف تعاقدي، والاثنان لا يتطابقان.
الوجه الخفي للتغطية
لم تصدر الجزيرة أو “ميديا تاون” أي تعليق أو بيان يشرح أسباب إنهاء العقود، أو يحدد صاحب القرار، أو يكشف حقيقة وعود التعيين التي تحدث عنها المتضررون.
تتجاوز القضية بذلك قرارًا إداريًا يتعلق بانتهاء الحاجة إلى طواقم استثنائية بعد الهدنة، لتكشف نموذجًا أوسع تعتمد فيه المؤسسات الكبرى على صحفيين محليين وقت الحرب، وتقدمهم إلى الجمهور بوصفهم جزءًا من شبكتها، ثم يظهر عند انتهاء المهمة أنهم ظلوا عمالًا بعقود مؤقتة أو عبر شركات وسيطة، يتحملون مخاطر المراسلين من دون أن يحصلوا بالضرورة على ضمانات الموظفين.

