كيف غطت القنوات العربية حادثة بلدة تل الفلسطينية؟

كيف غطت القنوات العربية حادثة بلدة تل الفلسطينية

في صباح الجمعة الرابع والعشرين من يوليو 2026، كان مقطعٌ مصوّرٌ واحد يدور على الشاشات: رجالٌ فلسطينيون في حقلٍ عند أطراف بلدة تل جنوب غرب نابلس، ثم لحظةُ انتزاعِ سلاحٍ من يد رجلٍ مسلّح، فإطلاقُ نار. الصورة نفسها على كل القنوات. لكنّ العبارة تحتها لم تكن واحدة.

كتبت “العربية” تحت الفيديو: “لحظة استيلاء فلسطيني على سلاح مستوطن حارس أمن وإطلاقه النار نحو مستوطنين خلال هجومه على قرية تل”. وفي التوقيت نفسه تقريباً، كان عنوان “الجزيرة” يقول شيئاً آخر: “4 شهداء وقتيل إسرائيلي باقتحام مستوطنين لبلدة تل”.

الفيديو واحد، والوقائع الكبرى متطابقة: أربعة فلسطينيين قُتلوا، وسقط قتيلٌ إسرائيليٌّ واحدٌ على الأقل، وانتُزع سلاحٌ من مستوطن. لم تختلف الشاشات في هذه المعطيات. اختلفت في ثلاثة أشياء أدقّ: من أين تبدأ الحكاية، وبأي كلمةٍ تسمّي كلّ طرف، ومن تمنحه وجهاً وقصّة. وهذه القراءة لا تسأل “من كذب؟”، فلا أحد اختلق واقعة. تسأل: كيف صنعت المادةُ الخام نفسها خمسَ صورٍ للحدث؟

الوقائع أولاً

وفق وزارة الصحة الفلسطينية ووكالة “وفا”، استُشهد أربعة فلسطينيين وأُصيب آخرون، ثلاثةٌ منهم بجروح حرجة، برصاص الجيش الإسرائيلي في بلدة تل. والشهداء الأربعة من عائلةٍ واحدة: فاروق عدنان رمضان، وإبراهيم حسين رمضان، وجواد حسين رمضان، وعمران أحمد رمضان.

أمّا التسلسل، فتُجمِع المصادر الفلسطينية على بدايةٍ واحدة: مجموعاتٌ من المستوطنين اقتحمت أطراف البلدة، فخرج الأهالي للدفاع عن أرضهم، وخلال الاشتباك انتزع فاروق رمضان سلاح أحد حرّاس البؤرة الاستيطانية وأطلق النار، فسقط قتلى وجرحى بين المهاجمين، ثم ردّ الجيش بإطلاقٍ كثيفٍ أدّى إلى استشهاد الأربعة.

وعددُ القتلى الإسرائيليين بقي غير محسومٍ في الساعات الأولى: قالت “الجزيرة” “قتيل إسرائيلي”، وكتب “العربي” “مقتل جنديين”، وذكرت “العربية” “مقتل مستوطنين وجندي برتبة رائد”. التقدير الأقرب هو مقتل ما بين واحدٍ وثلاثة إسرائيليين، بينهم ضابط. ونذكره بوصفه تقديراً لا رقماً نهائياً.

والحادثة لم تقع في فراغ: تقول أرقامٌ نقلتها إذاعة الجيش الإسرائيلي إنّ اعتداءات المستوطنين في الضفة ارتفعت 63% في النصف الأول من 2026 مقارنةً بالعام السابق، وتصف الأمم المتحدة عنف المستوطنين هذا العام بأنه بلغ “مستويات غير مسبوقة”. وهي أرقامٌ إسرائيلية ودولية، لا فلسطينية، ولهذا وزنٌ حين نسأل: ما الذي أبقته كل قناةٍ في الصورة، وما الذي حذفته؟

“الجزيرة”: تبدأ من الاعتداء، وتصنع البطل

بدأت “الجزيرة” من أول الحلقة: اعتداء المستوطنين. عنوانها جعل الفعل المؤسِّس “اقتحام مستوطنين لبلدة تل”، وفتحت خبرها بإعلان وزارة الصحة استشهاد الأربعة، ثم ساقت التسلسل من الاعتداء إلى الاشتباك بالأيدي إلى انتزاع السلاح. واستعملت “شهداء” و”استشهاد”.

لكنّ سمة “الجزيرة” الأبرز أنها لم تكتفِ بالخبر. أفردت تقريراً كاملاً عنوانه “فاروق رمضان.. قصة الفلسطيني الأعزل الذي انتزع السلاح من أيدي المستوطنين”، عرّفت فيه الشهيد باسمه وقرابته بمن سقطوا معه. وأصدرت تقريراً تفسيرياً عنوانه “ما الذي نعرفه عن أحداث بلدة تل؟” يشرح الخلفية للقارئ. ثم تابعت الخيط في الأيام التالية بخبر “الضفة بعد تل.. استيلاء جديد على سلاح مستوطن مع تصاعد الاعتداءات”. إطارُ “الجزيرة” هنا هو التصدّي والبطولة الفردية واللحظة الميدانية.

“العربي”: يبدأ من الاعتداء، ويلاحق العقاب الجماعي

بدأ “العربي” (التلفزيون العربي والعربي الجديد) من النقطة نفسها التي بدأت منها “الجزيرة”، لكنّ زاويته مختلفة. عنوانه كان “4 شهداء ومقتل جنديين إسرائيليين في قرية تل بنابلس والاحتلال يطوّق نابلس”، مستعملاً “قرية تل” بالاسم الفلسطيني و”شهداء”.

الفارق أنّ “العربي” بنى تغطيته حول ما جرى بعد الحدث وثمنه الإنساني والحقوقي، لا حول لحظة إطلاق النار وحدها. من عناوينه: “الاحتلال يعاقب شهداء تل: الدفن فجراً وبحضور 30 من الأقارب فقط”، و”تمهيد لهدم منزل فاروق رمضان.. إسرائيل تعاقب أهالي الضفة وتعتقل العشرات”، و”مستوطنون يعاودون اقتحام قرية تل بعد اعتقالات واسعة”، و”خطّوا عبارات عنصرية.. مستوطنون يضرمون النار في مسجد بجنوب نابلس”. وأضاف بُعداً دبلوماسياً بخبرٍ عن إدانة “قطر والكويت والأردن وإسبانيا” لاعتداءات المستوطنين، وبتحذيرٍ عنوانه “تحذير فلسطيني من دفع الضفة نحو الانفجار”. باختصار: “الجزيرة” صنعت البطل واللحظة، و”العربي” صنع صورة المنظومة العقابية والسياق الحقوقي والدولي من حوله.

“العربية”: تبدأ من فعل الفلسطيني

اختارت “العربية” نقطةً أبعد في السلسلة. في عبارتها المصوّرة، صار الفلسطيني هو فاعل الجملة، وفعلُه “هجوم”: “إطلاقه النار نحو مستوطنين خلال هجومه على قرية تل”. الخبر هنا لا يبدأ من اعتداء المستوطنين، بل من فعل الفلسطيني نفسه، ويصير المستوطنون المقتحمون هدفاً لهجوم. والحصيلة التي يُختم بها السطر ليست الشهداء الأربعة، بل “مقتل مستوطنين وجندي برتبة رائد”. ولم تُذكر أسماء القتلى الفلسطينيين ولا صفة الشهادة.

هذا لا يعني أنّ “العربية” تتجاهل المستوطنين دائماً؛ فلها في الأشهر السابقة عناوين مثل “مستوطنون إسرائيليون يقتحمون منازل ويحرقون مسجداً بالضفة”، و”رئيس إسرائيل يعترف بعنف المستوطنين: مروّع وخطير”. لكنّ معالجتها لليلة تل تحديداً بدأت من الطرف الأخير من الخيط، حيث الفلسطيني بادئٌ لا مدافع.

“العربية الحدث”: لسان الخبر العاجل ومصطلح “العملية”

“العربية الحدث” هي ذراع الشبكة للخبر العاجل، وشريطُها السفليّ يقود إيقاعها. وطابعُها في تغطية الضفة أنها تتّكئ سريعاً على بيان الجيش الإسرائيلي وتصوغ الحدث بمصطلح “عملية”، كما في عناوينها المتكررة عن “عملية إسرائيلية جديدة في جنين”. وحين حُمِل حدثُ تل في هذا القالب صار “عملية إطلاق نار”، وهي تسميةٌ تفترض سلفاً وجود “منفّذٍ” و”تخطيط”، فيُعاد تعريف الواقعة قبل سرد تفاصيلها.

والإنصاف يقتضي القول إنّ “الحدث” ليست على نبرةٍ واحدة؛ فقد نشرت قبل أيامٍ خبراً صريحاً عنوانه “الجيش الإسرائيلي يقتل فتى ويصيب آخرين بمخيم قلنديا”، وخبراً عن “مستوطنين إسرائيليين ينبشون قبر فلسطيني في الضفة”. غير أنّ خطّها في الخبر العاجل يميل إلى تصدير الرواية الأمنية الإسرائيلية أولاً، بسبب سرعتها وجاهزيتها، لا بالضرورة قصداً.

“سكاي نيوز عربية”: تبدأ من القتيل الإسرائيلي والردّ

بدأت “سكاي نيوز عربية” من آخر الحلقة وردّ الفعل عليها. عنوانها كان “مقتل إسرائيلي و4 فلسطينيين قرب نابلس ونتنياهو يتعهد بالرد”. القتيل الإسرائيلي يتصدّر، والفلسطينيون الأربعة يأتون بعده معطوفين عليه، وتعهّدُ نتنياهو يُرفَع إلى العنوان نفسه، فيصير أفقُ القصة هو الردّ الإسرائيلي المرتقب. وتكرّر هذا في عناوينها اللاحقة: “الجيش الإسرائيلي يتوعّد بهجمات مكثفة”، و”نتنياهو يشعل جبهة الضفة بقرارات جديدة”.

ولاحظ تفصيلاً في العنوان: “قرب نابلس” بدل “قرية تل”. وحين يغيب اسم القرية، يغيب معه سكّانها بوصفهم أصحاب مكانٍ له اسمٌ وتاريخ. ومع ذلك، فإنّ “سكاي” نشرت أيضاً مادةً منفصلة عنوانها “الضفة الغربية.. إصابات بهجوم للمستوطنين واقتحامات إسرائيلية”، ما يعني أنّ الصورة داخلها أوسع من عنوانٍ واحد.

ثلاثة قرارات صامتة

إذا جمعنا الشاشات الخمس، ظهرت ثلاثة قرارات تحريرية تصنع الفارق كلّه.

الأول نقطة البداية. “الجزيرة” و”العربي” بدآ من اعتداء المستوطنين، فظهر الفلسطيني مدافعاً. “العربية” بدأت من فعله، فظهر مهاجماً. “العربية الحدث” و”سكاي” بدأتا من القتيل الإسرائيلي و”العملية” والردّ، فصار الفلسطيني منفّذاً.

الثاني الكلمة. “شهداء” و”تصدٍّ” و”دفاع” عند “الجزيرة” و”العربي”؛ و”استيلاء” و”هجوم” و”عملية” في الخطّ الآخر؛ و”4 فلسطينيين” و”مقتل” عند “سكاي”. والكلمة ليست غلافاً محايداً؛ هي حكمٌ مضمرٌ على من البادئ ومن الردّ.

الثالث الوجه. “الجزيرة” و”العربي” منحا القتيل الفلسطيني اسماً وبيتاً وعائلةً ومصيراً يُتابَع. في الخطّ الآخر، بقي أقرب إلى رقمٍ في الحصيلة، بلا اسمٍ ولا سيرة.

البداية هي الرواية

الفارق بين الشاشات الخمس لم يكن في صدق المعلومة، بل في اللحظة التي اختارت كلٌّ منها أن تبدأ منها الحكاية. من اعتداء المستوطنين بدأ خطٌّ يرى أهلاً دافعوا عن أرضهم فسقط منهم أربعة. ومن القتيل الإسرائيلي و”العملية” بدأ خطٌّ آخر يرى منفّذاً أطلق النار فردّ الجيش. الحادثة واحدة، والجواب يتغيّر تبعاً لمكان الكاميرا.

وهنا الدرس المهني: أن يسأل الصحفيُّ العربيُّ قبل أن يكتب، لا “هل هذه المعلومة صحيحة؟” فحسب، بل “من أين تبدأ حكايتي، وبأي لسانٍ أرويها؟”. فالرواية تبدأ قبل أول جملةٍ تُكتب — تبدأ من اللحظة التي نقرّر فيها أين نضع الكاميرا.

جميع الحقوق محفوظة © 2026 مرصد الإعلام العربي